يوسف عمر يوسف
يوسف عمر يوسف
249

خطابنا الإسلامي.. هل نحن بحاجة إلى تغييره؟

19/5/2018

يمثل الخطاب الديني الإسلامي معالم الإسلام وصورته التي ستدركها الأبصار وتعاينها الألباب، وإنّه لمن البديهيّ، أنّ الذي يريد أنّ يعرض سلعًة أو فكرًة ما، فإنّه يُظهرها في صورةٍ تستهوي الأبصار والألباب، وكذلك، فإنّ الخطاب الديني الإسلامي، ينبغي أنّ يُقّدَمَ في صورةٍ تستهوي الأبصار للنظر والتأمل فيها، وتستهوي الألباب للتفكر والتدبر في معانيها.


ولا نقصد مما سبق، أنّ صورة الإسلام في حقيقتها تعاني شيئًا من القباحة والدمامة، فنريد بالمساحيق والدهان والزواق أنّ نحسن صورته حتّى تستهوي الأبصار وتحتّل الأفكار، كلّا.. إنّ دين الإسلام يمثل منهجًا ربانيًّا خالدًا، يتصف بالكمال والسعة والشمول، ومن الاستحالة العقلية والفطرية، أنّ يُعرض - بالطريقة الصحيحة - أمام منصف فيرفضه، وإنّما نقصد مما سبق صورة الخطاب نفسه، وطريقة عرضه، وأسلوب تقديمه.


فكم رأينا من الأفكار الساقطة المتهافتة قد لاقت رواجًا كبيرًا لشدّة حسن عرضها من قبلِ أصحابها، وكم رأينا من الأفكار السامقة الرفيعة تلاقي الكساد والبوار لسوء عرضها من قبلِ أصحابها، وفي الحقيقة، فإننا إنّ قلنا أنّ أفكارنا السامقة الرفيعة تلاقي رواجًا كبيرًا، لحسن عرضها، ولجمالية طرحها، فإنّ هذا لن يكون إلّا ضربًا من المداهنة، وليًّا لعنق الواقع المرير، كلّا.. إنّ أفكارنا السامقة الرفيعة تلاقي الكساد، لسوء عرضها، ولدمامة طرحها.

لقد أدّى بنا الخطاب الديني لتيّار التشدد والغلوّ - والذي مُثّل بسلوكٍ حيّ متحرّك على أرض الواقع - إلى التقهقر من دائرة مدّ شعاع الإسلام وجمع الناس حول أنواره، إلى دركات الردّ على جهالاتهم، وتبرئة ساحة الإسلام من افتراءاتهم، ومن ثمّ فإن المتربصين بالإسلام طربوا لخطاباتهم الذميمة، وانتشوا لأفعالهم الكريهة، إذّ أنّهم وجدوا فيها ضالتهم المنشودة ليستغلوها استغلالًا بشعًا لخدمة أجنداتهم ومخططاتهم، فصاروا يقدمون هذا التيّار الذي ينكر الجميع، ويريد أنّ يقاتل الجميع، والذي ينظر للكون والحياة والإنسان نظرة سوداويّة معتمة على أنّه الممثل الشرعي الوحيد للإسلام.

لا نقصد في تغيير الخطاب الديني، أنّ نصدر دينًا جديدًا، أو أنّ نصدر طبعة مزيدة ومنقحة من القرآن الكريم أو الصحيحين، كلّا، فالأصول والكليّات في هذا الدين ثابتة لا تتغير ولا تتبدّل

والحقّ أننا في عصرٍ أصبحت فيه الكلمة - بفضل التقدم التكنولوجي والتقني الهائل الذي طرأ عليه - تأخذ مداها وتنتشر في الآفاق بسرعةٍ كبيرة، إذّ أنّ العالم بأسره، أصبح قريًة صغيرة، تخرق فيه الكلمة آذانَ الجميع، وتخضع فيه الأفكار لعقولِ الجميع، ولذلك، فإنّ الخطاب الإسلاميّ اليوم، لم يعد محصورًا على مسامع فئة معيّنة من الناس، بل إنّ هذا الخطاب يطرق مسامع العالم أجمع، وبالتالي، فإنّ هذا التطور الكبير، يطرح في الحسّ سؤالًا عريضًا.. هل نحن بحاجة إلى تغيير خطابنا الديني الإسلامي؟ 


وقد يجيب متحمسٌ على الفور، إنّ هذا لا يجوز، فالدين صالحٌ لكلِّ زمان ومكان، وهو ثابتٌ لا يتبدّل ولا يتغيّر، وسيبدأ باستعراض عددٍ من الآيات القرآنيّة والأحاديث النبوية، ليدعّم حجيّة قوله، ولمثله نقول: إننا لا نقصد في تغيير الخطاب الديني، أنّ نصدر دينًا جديدًا، أو أنّ نصدر طبعة مزيدة ومنقحة من القرآن الكريم أو الصحيحين، كلّا، فالأصول والكليّات في هذا الدين ثابتة لا تتغير ولا تتبدّل، إنّما نقصد بتغيير الخطاب الديني: تغيير معالم البيان الذي يوجّه باسم الإسلام، إلى النّاس من مسلمين وغير مسلمين.


والقرآن نفسه، دليل مشروعية تجديد الخطاب الديني، فالخطاب القرآني المكّي، غير الخطاب القرآني المدني، إذّ أنّ المكّي يهدف لبناء العقيدة عند الفئة المؤمنة، والمدني يهدف لإقامة المجتمع المسلم ووضع تشريعاته، وفي السنّة النبّوية نجد مصطلح التجديد الديني في الحديث الذي رواه الحاكم عن أبي هريرة أنّ رسول الله قال: (إنّ الله يبعث على رأس كلّ مائة سنّة لهذه الأمّة من يجدد لها دينها).

فما هي معالم الخطاب الديني الذي ننشده؟

الخطاب الذي يجمع ولا يفرق، ويوحّد ولا يشتت، وييسر ولا يعسّر، ويبشّر ولا ينفر. الخطاب الذي يخاطب العقول بالأدلة العلمية المقنعة. الخطاب الذي يكلّم الناس بلغة عصرهم، ويراعي واقع حياتهم. الخطاب الذي يراعي فقه الأوليات: فلا يقدم ما حقه التأخير، ولا يأخر ما حقّه التقديم، ولا ينشغل بما هو مختلف فيه، ويتجاهل ما هو متفق عليه. الخطاب الذي يراعي سنّة التدرج الربانيّة. الخطاب الذي يجادل بالتي هي أحسن، ويأخذ الناس بالرفق واللين، لا بالشدة والغلظة. الخطاب الذي لا يجرح مشاعر المخالفين من غير المسلمين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة