بثينة مقراني
بثينة مقراني
310

النّدم.. مرحلةٌ ما بينَ الخُطوبةِ والزّواج

2/5/2018

إنّ انتكاس الشباب عن الزّواج وعزوفهم في وقتنا الحاضر أمر يدعوا منّا الوقوف على أعتابه، متسائلين فيما يكمن السبب يا ترى؟ إنّ ارتفاع نسبة العوانس أصبح أزمة يعاني منها جلّ مجتمعاتنا العربية، قد نتساءل فيما بيننا عن سبب تأخر فلان عن الزواج رغم أنه شاب وسيم ومثقف، فهو حلم كل فتاة، لكن إن امعنا النظر سنجده يناضل في سبيل جمع المَهْر في زمن أصبحت فيه الفتيات تُباع لا تُزوج، فعوضًا على أن يطلب أهل العروس مهرًا مقدورا عليه، غير آبهين للماديات بل أن يكون همهم الوحيد كسب رجل ذو خُلق حسن يسعد ابنتهم ويرعاها، نجدهم يرفعون سعرها وكأنه سيشتري بقرة، فيقولون له بذلك وبطريقة غير مباشرة دع ابنتنا تصدأ عندنا، ليرحل بعدها دون رجعة.


قال رسول اللّه صلّ الله عليه وسلّم: "أقلهُنّ مهرًا أكثَرُهُن برَكة". وهنالك فئة من الشباب من وقع الفأس على رأسهم وانتهى أمرهم، توكلوا على اللّه ودقّوا أول باب ليدخلوا قَفَص الزّوجية، رغم ما طُلب منهم من مهرٍ باهض الثمن مستعينين بذلك على اللّه خاضعين بكل انكسار، ليرتعبوا بعدها من قائمة الفواتير والطلبات الّتي تلي الخُطوبة، من ذهب وهدايا ومصاريف العرس التي لا حصر لها، فأنّىٰ لهم كل هذه النقود وهم مازالوا في بداية حياتهم المهنية، فما نجدهم إلاّ متحسرين على ما أصابهم يعضون أناملهم ندمًا وحسرة، يقولون يا ليتنا لم نتزوّج لما آل بنا الحال إلى ما نحن عليه.


حينها تُفتح نوافذ الدَّين، فيتدين من ذاك ويقرضه ذاك وإذ بالدَّين يرتفع شيئًا فشيئًا دون رحمة، لتستيقظ العروس في أول أيامها على ديون تتهاطل من كلّ جانب، فعوضًا على ألا يكلف أهل العروس الشاب إلاّ قدر استطاعته، يضعون ابنتهم وسط الديون المتراكمة والتي لن تُسدد إلا بعد سنة أو إثنين أو أكثر. وعوضَ أن يكون الشاب بذلك خير مثالٍ لأصحابه ليخطوا حذوه، نجدهم ينفرون ويعزفون عن الزّواج لما رأوه من معاناة صاحبهم وما آل إليه حاله من أزمات مادية لا حصر لها، فالدين همٌ في اللّيل وذلٌ في النّهار، كما أنه يقصمُ الظهور.

لا دام المال ولا دامت القصور، وكانت النتيجة امرأة مطلقة بين مجتمع شرقيٍ لا يرحم، ترك الطلاق فيها شرخًا يصعب اندماله على مر السنين

نحن الآن في زمنٍ أضحت فيه البنات سلعة تباع لمن يدفع مهرًا أكثر، وكأن الرجل سيبتاع جاريةً منن سوق العبيد، فكيف للآباء أن يقبلوا مثل هذه الإهانة على بناتهم؟ فنجد إحداهُن يُزوجها أهلها لرجلٍ ميسور الحال، ثم بعد فترة يفاجؤون الزوج برغبتهم في الطلاق، ليكتشف بعدها أنّهم وجدوا من أكثر منه مالاً وأحسن منه مستوى، فيتحطم حلم ذلك الشاب وقد ينتهج طريقًا غير سوي للانتقام لكرامته بتدمير حياة كلّ فتاة تمر من طريقه، أو لربما سيتخلى نهائيًا عن فكرة الزواج، فتصبح الفتاة لعبة بين يديه يلهو بتلك ويواعد تلك وينام مع الأخرى... كل هذا سيكون ذنبًا يقترفه الآباء في حق بناتهم سواءً بقصدٍ أو عن غير قصد.


مواقف مثل هذه تثير فينا التساؤلات، وتعطينا واقعًا مريرًا تعيشه بعض البيوت والمجتمعات. لهذا نجد شباب هذه الأيام لا يفكرون بالزواج أو الارتباط ليس خوفًا منه، بل لمعرفتهم المسبقة بما سيحل بهم من ديون تتهاطل أمام طلبات أهل العروس التي لا تنتهي، فمن وُلِد بفمه ملعقة من ذهب لن تعيقه مثل هذه الطلبات، أما من كان حالهم ضيق، لا حول لهم ولا قوة، ليس لهم ثروة ولا إرث، فأنى لهم بتنفيذ كلّ هذه الطلبات!


فنجد منهم من يسلك طريق الحرام بالرشوة والسرقة وغيرها من وسائل الكسب السريع، ومنهم منن يغريه الشيطان فيهرب مع الفتاة ليضع أهلها تحت الأمر الواقع فيزوجونها له من غير مهر ولا تكاليف باهظة، فعوضًا عن المهر يطلبون الستر، وهذا ما كان عليهم طلبه منذ البداية، فالكثيرات من تزوجن بمئات الملايين في قصور فاخرة، لكن بسبب شجع الأهل الذي أعمى بصيرتهم ليسألوا عن خُلق الشاب ودينه يفضي ببناتهم إلى الطلاق في بضعة شهور.


فلا دام المال ولا دامت القصور، وكانت النتيجة امرأة مطلقة بين مجتمع شرقيٍ لا يرحم، ترك الطلاق فيها شرخًا يصعب اندماله على مر السنين... فبعض الزيجات قد ترسم البسمة على ثغرنا... والبعض الآخر قد تحبس الدموع في مآقينا، فراعوا بناتكم ولا تجعلوا أموال الدنيا تفضي بكم لرميهن في أيدٍ لا ترحم، ولا تُكلفوا شبابنا فوق طاقتهم، لكي لا ينتهي المآل ببناتكم إلى مالا يُحمد عقباه...

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة