جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
166

جمالية الإستلاب في شعر مظفر النواب

2/5/2018

في ربيع صيف 1963، اشتدت المعركة الدامية بين الشيوعيين والقوميين في العراق، فاظطر شخص يحمل على كتفه عباءة حزن ومجموعة من القصائد إلى مغادرة العراق من البصرة في اتجاه إيران ثم روسيا. لكن المخابرات الإيرانية السافاك ألقت القبض على هذا الشخص وهو في طريقه إلى روسيا، حيث أخضع للتحقيق البوليسي والمخابراتي القاسي وللتعذيب الجسدي والنفسي، لإرغامه على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها. وبحلول 28 ديسمبر 1963 تم تسليم هذا الشخص إلى السلطات العراقية آنذاك لينال حكم الإعدام، لكن بمساعي حثيثة من وجهاء شيوخ بعض القبائل تم العدول عن حكم الإعدام ليصبح السجن مدى الحياة. وكان سجنه المسمى نقرة السلمان في الصحراء الحدودية مع السعودية، وهو سجن موحش كان اشبه بقبر فوق الأرض. لم يستسلم هذا الشخص، بل قام بمعية بعض رفاقه بحفر نفق إلى خارج السجن، ليهرب منه ويشغل العالم العربي بما أحدثه هذا الهروب الشبيه بأفلام الأكشن في هوليوود. هذا الشخص ليس لا بروسلي ولا شواريزنيغر.. إنه ببساطة الشاعر العراقي مظفر النواب الذي عاش مغتربا وألقى الشعر مستلبا.

 
مظفر النواب يكتب من خارج فلول الكتابة، إنه مهندس على المادة الورقية حيث يسور قصائده بقسوة التحدي، والتمرد، والمواجهة، والثورة.. إنّ الكم الكبير من الاستلاب المتماهي في قصائده يجعل القارئ يعيش ارهاصات وجدانية وتاريخية مجمعة في المادة الشعرية من صور وتشظي وانبناء وانسحاب.. الشعر يشبه الوحي، هكذا تقول قصائده، فهو يصدر عن رؤية ورؤيا وكلاهما ضرب من ضروب الامتداد الانثروبولوجي. فجمالية الاستلاب في شعر مظفر النواب تتأصل في انغراس معطياتها وافرازاتها في أعماق تاريخ المعارضة السياسية والتاريخية العربية الرافضة للاستبداد والقاطعة مع القمع وحكم البوليس السري. لقد سربل النواب ذاته بعباءة ظاهرها المبدع وباطنها الثائر المتمرد.

 

من يقرأ قصائد مظفر المكتوبة بالعامية أو الفصحى سيجد ملف وطن ومعاناة شعب بكامله، مثلما سيجد قلبا عاشقا يحمل كل براءة الطفولة وأشواق الحب الملتهبة

فالاستلاب ليس في واجهة قصائده فحسب بل في ذاته الفردية والجماعية، يعبر عنها من خلال فلسطين والعراق وليبيا واليمن.. إنها حالة عشق، يدافع فيها الشاعر العاشق لقضايا الناس عن المفقود والمنشود، لأنه تواق لبلوغ انسانية هذه الامة الممزقة. انسانية لا وازِع لها إلا الضمير، يسعى من خلالها لثورة عارِمة على العادات البالية والتقاليد الاجتماعية الساذجة والروح الهدامة. ويناضل لظهور كل شيء للعلن، فهو يعلن الهزيمة داخل النصر، ويعلن النصر من داخل الهزيمة، فلا حال مستقر عنده، وهنا تكمن حقيقة الاستلاب الذي يعيشه الشاعر انسانا ومواطنا وسياسيا وعسكريا... يعيشه طفلا ورجلا وامراة وشيخا... والاستلاب خوف ووجع ووطن في قصائده، يقول:

  
لم يعد يذكرني منذ اُختلقنا أحد في الحفل
غير الاحتراق
كان حفلا أمميا إنما قد دعي النفط ولم يدع العراق
يا إلهي رغبة أخرى إذا وافقت
ان تغفر لي بعد أمي
والشجيرات التي لم اسقها منذ سنين
وثيابي فلقد غيرتها أمس.. بثوب دون أزرار حزين
صارت الأزرار تخفى... ولذا حذرت منها العاشقين
لا يقاس الحزن بالأزرار... بل بالكشف
إلا في حساب الخائفين.

 
وبعد هذا الخوف يأمل أكثر، ولكن في أعماقه قلق، أن يفهم الصمت العربي الخانق وأطفال سورية والعراق واليمن وفلسطين والبحرين وليبيا... يفترشون الارض ويعانقون السماء جياعا وحيرانين وعطاشى... ويظل محتارا من الخنوع العربي بوجه المستعمر الأمريكي الصهيوني. إن استلابه كان عنوانه وطن، مضافا إليه الرسوخ والرفعة والثبات والتماهي الى حد صعوبة التفريق بينهما. فقد مرت حقب زمنية وتقلبات جيوسياسية ومحطات ثورية في حياته لكنه دائما حارب بالشعر وانتصر للشعر. لصالح قضايا أفرزها احساسه الضارب في الاستلاب. وخير مثال على ذلك أنه حين انشق عن حزبه كان بديله الانتماء للوطن وهو في كل الحالات اقوى، واوسع، وأكثر جدوى من الانتماء لحزب معين أيا كان هذا الحزب أو القبيلة أو العقيدة او الغنيمة. فمن يقرأ قصائده المكتوبة بالعامية أو الفصحى سيجد ملف وطن ومعاناة شعب بكامله، مثلما سيجد قلبا عاشقا يحمل كل براءة الطفولة وأشواق الحب الملتهبة، فهو في عرضه لعواطفه شفاف ومثير ومبهر ويكاد ينطق بأحواله على لسانه.

 

ختاما، لم يكن إعلان اسم مظفر النواب مرشحا لجائزة نوبل للآداب ثم فوز الكاتب البريطاني من أصل ياباني كازو ايشيغورو سوى مواصلة لحالة الاستلاب التي يعيشها الشاعر، ولو سنحت الفرصة بعيدا عن الموضوعية المطلوبة لقلت: مظفّر النواب لا يمكن أن يحيا دون استلاب.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة