خليل الناجي
خليل الناجي
422

مفهوم الوحي عند المستشرق الياباني توشيهيكو إيزوتسو

23/5/2018

إن العلاقة التواصلية بين الله والإنسان يمكن تمثلها على وجهين: من الله إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الله. والوحي عبارة عن تجسيد للعلاقة من الله إلى الإنسان. إن هذه العلاقة كبيرة ولها العديد من الجوانب. لكننا سوف نركز في عرضنا هذا على الجانب التواصلي اللفظي واللغوي من الله إلى الإنسان. والذي كان عن طريق نوع من التنزيل للآيات. نستشف في القرآن مكانة خاصة للوحي، وذلك عن طريق تقديمه باعتباره ظاهرة غير عادية، فهو غامض ذو أسرار لا يمكن لها أن تنكشف للعقل البشري العادي. ومنه كانت الحاجة إلى الرسول. ذلك لكون هذه الآيات المنزلة مختلفة عن باقي الآيات (الكون ومتغيراته) الأخرى التي تستلزم لإدراكها إنساناً قادراً على الفهم الصحيح فقط.
   
إن الضامن لصدق للتجربة الدينية للمؤمنين، حسب الديانات الثلاث، هي أن الله قد أظهر نفسه للبشر. وفي الإسلام بالخصوص يتجسد ذلك من خلال تكلم الله عن طريق الوحي. أي أنه أظهر نفسه من خلال اللغة، وكانت تلك اللغة لغةً إنسانية مفهومة. وهذا هو المرتكز الأساسي الذي قوم عليه الإسلام. لقد راهن الإسلام على اللغة منذ اللحظة الأولى لنشأته. والحضارة الإسلامية كلها بدأت مع واقعة تكلُم الله، وهذا بالضبط ما تعنيه كلمة وحي، فالوحي مفهوم لغوي بالأساس. وبناء على ما سبق، نجد أن للوحي في القرآن معنيين: في السياق الأول بمعنى كلام الله (بهذا المعنى الضيق للكلمة)، والآخر يتجلى في حقيقة كون الله قد اختار اللغة العربية من بين جميع لغات العصر بشكل متعمد لكي تكون هي لغة الوحي! وحتى كلمة وحي تتردد في العديد من المواقع داخل القرآن، مما يحيل على أن لها أهمية قصوى. وما يعطي للوهي خصوصيته الكلامية، هو كون المتكلم هنا هو الله. ما يعني أن هذا الكلام سيتم بطريقة خارقة للطبيعة، وهذا بسبب ذلك التفاوت الأنطولوجي بين الطرفين: المتكلم والسامع.

 

كيف يمكن أن نفهم هذه الظاهرة؟
يذكر إيزوتسو أن ظاهرة الخروج عن الوعي والنطق بكلمات غير مألوفة كانت ظاهرة اعتيادية لدى العرب قبل الإسلام، وكان يطلق عليها إسم: التجنن

إن كلمة وحي كانت شائعة في العصر الجاهلي، وقد ترددت في الشعر بصفة كبيرة، مما رسم طريقاً معبداً آمناً لظهور هذه الكلمة مع الإسلام. وهنا يمكننا التوقف عند ثلاثة استعمالات للكلمة:
• هو تواصل عادي بين شخصين بشكل لفظي.
• تواصل بشكل غير لفظي (علامات أو غيرها).
• تواصل بشكل سري وخصوصي وغامض وشخصي (كالتواصل بين شخصين بعينهما إذا انضم ثالث إلى الحوار لن يفقه شيئاً).
 
إن التفاوت الأنطولوجي بين الموحي والموحى إليه والذي ذكرناه آنفاً، يحيلنا إلى أن الكيفية التي يمكن للوحي أن يحدث بها يمكن أن تكون بإحدى الطريقتين: إما على السامع أن يخضع لتحول عميق تحت تأثير قوة المتكلم (الموحي)، أو على المتكلم أن ينزل إلى المستوى الأونطولوجي للسامع حتى يكتسب خواصه. وهنا نجد أن الأمرين معاً قد حدثا فعلاً، سواء من خلال عملية سمع الجرس و ذوي النحل، أو في حالة رؤية ملاك. والرسول أثناء تلقيه للوحي كان يتصبب عرقاً في اليوم البارد، وكان يغشى عليه ويئن أنيناً. وقد توجه ابن خلدون إلى أن ذلك راجع إلى مفارقة الطبيعة البشرية بشكل مؤقت ودخول عالم الملائكة ليستعيد الرسول بشريته بعد ذلك. وهذا التفسير (الفلسفي) لم يكن سائداً آنذاك. 

 

ويتحدث القرآن عن ثلاثة أنواعٍ من الوحي: تواصل غامض، تكلم من وراء حجاب، وإرسال رسول. والوحي الذي كان ينزل على الرسول كان يعي فيه وجود كائن خارق قريب في مكان ما يخاطبه بطريقة ما. وحتى ذلك الخطاب كان يحدث بطريقة مبهمة، وعندما تنتهي تلك العملية يستيقظ الرسول ليجد نفسه واعياً بكل ما قيل له.

 

توشيهيكو إيزوتسو (مواقع التواصل)

 
من خلال ما سبق، نجد أن الباحث المستشرق الياباني توشيهيكو إيزوتسو يقدم لنا الوحي، من خلال القرآن وبعض الأحاديث، باعتباره ظاهرة عصية على الفهم، ممتنعة على الإدراك الإنساني. فهو بطريقة أو بأخرى تواصل مزدوج بين رسولين: رسول من الله إلى النبي، ومن النبي إلى الناس. على أساس أن هذه العملية برمتها تتم بطريقة يكون فيها النبي الرسول غير واعياً بذاته. يتلقى الرسالة بشكل ملفوظ، وهو غير واعٍ بذلك، وعندما يعود إلى وعيه يجد نفسه قد أدرك وفهم كل شيء.

 
ويُرجع إيزوتسو هذا الخروج من الوعي إلى عدم وجود مساواة أنطولوجية بين من يقدم الوحي ومن يتلقاه. ويذكر أيضاً بأن ظاهرة الخروج عن الوعي والنطق بكلمات غير مألوفة كانت ظاهرة اعتيادية لدى العرب قبل الإسلام، وكان يطلق عليها إسم: التجنن. وهي الحالة التي يؤثر فيها الجن على الإنسان ليقول كلمات عاطفية تكون على شكل آيات لا يستطيع صاحبها قولها بشكل عادي. ويقول إيزوتسو بأنه قد يكون هذا الشيوع للظاهرة سبباً من سبب عدم انبهار العرب بوحي محمد.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة