عمر سامي
عمر سامي
321

أميرات بلا أمارة.. هكذا المرأة تكمل الإيمان!

27/5/2018

قالَت فأصابَتني الغَيرة ورُحتُ أقول: ما تذكرُ من عجوزٍ من عجائِز قريش، حمراءَ الشِّدقين، هلكت في الدَّهر، قد أبدلك الله خيرًا منها. فراحَ يُردّد: "لا والله ما أبدَلني الله خيرًا منها"، لمْ يكتفِ نبيُّ الله صلّى الله عليه وسلّم بالتّودّد إلى صُويحِبات خديجةَ أُمّ المؤمنين، بل كانَ يلهفُ بقوله: "اللّهم هالة.. اللّهم هالة بنتُ خويلِد".. إذا سمِع قرعَ الباب، عَلّها تَحمِل معَها شيئًا من عنبَرِ خديجةَ الفوّاح وطيبِها المِسحاح رضوانُ الله عليها.

المرأةُ ما المرأةُ؟ هيَ الشّطرُ الآخر، والنِّصفُ الثّالِث، والثُّلثُ الرّابِع، هيَ كيمياءُ الأمَل وشمسُ الحاضِر والمُستقبَل، هيَ خديجةُ العطراء، وفاطمة الزّهراء، ومريمُ العذراء، وآسيا الغرّاء وعائِشةُ الهُيام، وفضلُ عائِشة على النّساء كفضل الثّريد على سائِر الطّعام. لمّا خَلقَ الله الرّوح، جعَلَ لرُقيّها وارتِقائِها أسبابًا وسُبُلاً، ودلّنا على ذاتِه بأسماءِه وصِفاِته، فكلُّنا يعلَمُها بل ويحفَظُ كثيرًا منها، وقليلٌ هم من عرَفَها أو خبَرَها؛ كذلِك هو الإيمانُ، تعلّمناه صِغارًا وحفِظنا أركانَه ودعائِمه؛ لكن من منّا قد خبَر الإيمان الحقَّ وجرّبه؟ أو ارتقَى سُلّم الكمَال حتى بلَغ عِليَّته؟

تَجربةُ الإيمان التَامّة لا تَتِمُّ إلا عبرَ المرأة، عبرَ الشّطرِ الآخر، من عاشَ ولم يرَ الإيمانَ من منظورِها هي؛ فقد عاشَ نصفَ تجرِبة الإيمان أو أقل، ولمْ يتنسّم بالروضِ المِغزارِ والجودِ الهدّار. ولامُ التّعريف لا تنفكُّ عن لَفظَةِ "المرأة"؛ إذْ لا امرأةً مُجرّدة، بل "تِلكَ المرأة"، أُختي، أُمّي، زوجَتي، عمّتي، خالَتي.. هي الأصلُ ولا فرْعُ، هي بقيَّةُ الإنسان بعدَ أنْ شكّلت أوّله، هيَ الأُفقُ الرّوحيّ، والوصيّةُ على السرُّ الإلهيُّ المُستغلَق العُلويّ، الذي حمَلَته في رَحِمِها بعدَ أنْ جاءتها روحٌ من لَدُن الله، وهذا الذي لنْ يخبُرَه الرّجل يومًا.

لستُ أرى المرأة إلّا أُفقًا آخرَ للرّقي، وعالمًا موازيًا أرى فيه ربَّة الغايَة وصاحِبةَ الرُّؤيا والرّواية، قائِدة الحياة وشِراعَ السّفينة، بحرَ الكَمال وأمواجه الضّارِبة الشّامِخة

جادَ بها النّبيُّ المُفدّى عليه السّلام حين حقّقَ ذلك بثلاث وصاياتٍ للمرأة وأتبَعها بوصايةٍ واحدةٍ للرّجل، حين قال: "أُمّك، ثم أُمّك، ثم أُمّك، ثم أبوك" وذلك بالطّبعِ تَبَعًا للتّبعِات التي يحمِلها كُلٌّ منهمَا، ولا زالُ عليه السّلام يوصي بالنّساء والإحسان إليهنّ حتى وصَلنا من خبَره مع حِبِّه عائِشةُ رضي الله عنها أنّها كانَت تُسابِقه فيسبِقها حينًا وتسبِقه حينًا آخر، ويردّد ضاحِكًا: "يا عائشة، هذه بتلكُ".

كانَت أُمّي تُرمّم أُذُني بقولها: "هنّ أميراتٌ بلا إمارة" في وصفِها للصغيرات اللّواتي يتحلّقن حولَها وحولَ والدي وقتَ تقديم الحلوى، هنّ الجَمالُ المحض، والكينونة الرّوحيّة، كحيلاتُ اليوم ورَزَانات الأمومة والحنان، اللهَ اللهَ في إضحاكِ تلكَ الجديلة، واللهَ اللهَ في إسعادِ تلكَ الرّوح الغنيّة المُزدانة والعاملةُ في أرضِ البدَن.

لستُ أرى المرأة إلّا أُفقًا آخرَ للرّقي، وعالمًا موازيًا أرى فيه ربَّة الغايَة وصاحِبةَ الرُّؤيا والرّواية، قائِدة الحياة وشِراعَ السّفينة، بحرَ الكَمال وأمواجه الضّارِبة الشّامِخة، أرى فيها ذكاءَ شجرةِ الدّر، وإصرارَ مارغريت تاتشر، وشجاعةَ جميلة بوحيرد، وتَضحية دلال المغربيّ، وعطاءَ الأُم تيريزا، وزُهدَ رابعة العدويّة، وتفوّقَ ماري كوري، وإلهامَ هيلين كيلر، وتأثيرَ مالالا يوسافازي، ناهيكَ عن وفاءِ ليلى العامريّة، وبلاغةِ عبلة بنت مالك، وبُطولة نوال المتوكّل، وثوريّة توكّل كرمان، والتخصيصُ لا يقتضي النّكران.

وبعدَ هذا التّناغم الوجداني، والسموّ الفريد، رّبما ارتقينا بالإيمان لنكمل شطرهُ الآخر ونوقِن أنَّ هذه هي المرأة، أعظمُ شاعرة، وأرقى فيلسوفة، تكمِلةُ الإيمان، وتَتِمّة الطّريق إلى الله، الرّوحُ الحقيقيّة لجوهرِ العطف والحنان، وصاحِبة القلْبِ المُجلّي العاكِسِ نورَ الكَمال، وكذلِك قلوبُ أربابِ التّجلّي؛ يُرى في صَفوَتِها اللهُ العظيمُ.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة