هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




شيطان اسمه "الوطن"

27/5/2018

عرّف ميثاق محكمة نورمبرغ العسكرية الدولية جرائم الحرب أنها انتهاكات قوانين الحرب وأعرافها. ويشمل ذلك قتل المدنيين في أرض محتلة أو إساءة معاملتهم أو إبعادهم، إضافة إلى قتل أسرى الحرب أو إساءة معاملتهم، وقتل الرهائن، وسلب الملكية الخاصة، والتدمير غير الضروري عسكرياً. كان ذلك عام ١٩٤٥، ثم تبنّت هيئة الأمم المتحدة، التعريف ذاته لجرائم الحرب عام ١٩٤٦، أي قبل عامين من تاريخ ولادة السرطان الإسرائيلي ونكبة فلسطين.

 

ومع ذلك تشهد المأساة، ومراقد الشهداء ودموع الأمهات المفجوعات كل يوم كيف يجري شقّ رفات الإنسانية قبل القوانين في أرض فلسطين المحتلة، وكأنّ تلك المعاني والنصوص لا تشمل شعباً جُرِّدَ من حقِّه في العيش بسلام على أرضه، وأصبح وجوده على امتداد سنوات النكبة عبئاً تحتار الأنظمة العربية كيف تتهاون في حقه في سبيل مصالحها، لينمو في المقابل الكيان الصهيوني السام في تربة خصَّبها التهاون العربي المهين، حيث صوت العروبة متأرجحٌ بين الصمت أو الاستنكار بعبارات أكثر خذلاناً من الصمت نفسه.

 

قديماً، كانت صور الحرب وفظائعها نادرة، وكانت الكاميرا تتصيد بفعل المصادفة لحظة تعجز عن حملها عين المصور وحدها، فتوثقها الصورة لتحيا اللحظة وتجمع فيها ما تبقى من ألم في معانيها، وقتها، كان يكرم المصور الذي عاش الحرب كما يكرم الجندي المحارب، فهو أصيب في ذاكرته إصابة لا شفاء منها. وتقديراً للذكرى طُبِعت كثير من الكتب التي تستعرض صور الحرب في أغلب مدن العالم، وكثيراً ما حملتها جدران المتاحف.

 

رغم الحصار المأساة، فإن الفلسطيني يحيا بين دفتي الأمل والذكريات، فهذه الأرض القادرة على ولادة الأبطال وشحن الذاكرة بتفاصيلها ستنجو بذاتها وبأبنائها ذات يوم

رويترز
 

قبل سنوات زار جارنا قريته في فلسطين بعد ستين عاماً من تهجيره، قد لا يكون غريباً أن يتأخر أحدهم عن العودة ستين عاماً إلى موطنه، الغريب، أنه قصد منزل شقيقته في إحدى قرى نابلس، دون أن يسأل أحد عن مقصده، قادته ذاكرته إلى حيّه، مشى شوارع تجاوز عمرها الستة عقود في ذاكرة رجل في الثمانين، الذاكرة الفلسطينية أسطورة كأبنائها، سبعون عاماً من النكبة، وما لحقها من نكبات، لم تهزم إصرار شعب، فلا وقت لغير الكرامة؛ آخر ما تبقى من كرامة عروبتنا.

 

ثمة شيطان اسمه "الوطن" يعيش فيهم، يمتص الخنوع ويعيد وسواس بقائه أولوية حياتهم وسبب وجودهم، يهربون من شرك الخذلان ببطولات تقصف الخوف، لم يبق لهم سوى ذات حُرَّة، تدفن موتاها في عتمة الحزن، وتمد يدها لتوسد أحلامها على ظلال الشمس وتنتفض ضد القهر ببنادق من أجسادٍ أنهكتها ذنوب لم تقترفها.

 

قوتها إيمانها الذي يرهب عدوها، وهو ما اعترف به أحد حاخامات إسرائيل كما ورد في كتاب عن "نشأة الصهيونية" حين قال: "إن القوة الروحية التي يبثها الإيمان في نفوس المؤمنين، تبعث فيهم الجرأة على الوقوف في وجهنا".  ورغم الحصار المأساة، فإن الفلسطيني يحيا بين دفتي الأمل والذكريات، فهذه الأرض القادرة على ولادة الأبطال وشحن الذاكرة بتفاصيلها ستنجو بذاتها وبأبنائها ذات يوم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة