رمضان أحمد بريمة
رمضان أحمد بريمة
138

ضيق الأفق قد يجعل المرء جزءاً من أدوات عدوه

7/5/2018

يبدو أن المشهد السياسي في العالم العربي أصبح مربكاً ومعقداً تعقيداً يصعب معه التمييز بين الخير والشر. غير أن القراءة الصحيحة والنظرة الثاقبة إلى لمجريات الأحداث من منظور أشمل قد تجلي بعض الحقائق بما يمكّن من تأسيس المواقف عليها على مستوى الأفراد والجماعات. وهذا ما سنحاول المساهمة به في المقال.  

 

إن النغمة السائدة هذه الأيام هي شيطنة الإسلاميين ورميهم بكل الموبقات بغية الإجهاز عليهم. وقد تبنت أنظمة بحالها هذا التوجه وأصبح شغلها الشاغل! غير أننا إذا نظرنا إلى المشهد من منظور أشمل سندرك حجم المؤامرة على العالم العربي بصفة خاصة والعالم الإسلامي عموماً وهي مؤامرة عنوانها القضاء على ما يسمى بتيار "الإسلام السياسي" ولكن المستهدف هي كل القوى الحية التي يمكن أن تحدث تغييراً حقيقياً في الواقع السياسي وتحقيق تنمية مستدامة قوامها الإنسان. لا يشكل الإسلاميون في المشهد السياسي إلا رأس الجليد، ربما لأنهم أكثر التيارات السياسية تنظيماً وانضباطاً، ولكن يخطيء من يظن أنهم هم الذين يصنعون الأحداث حتى لو تم القضاء عليهم - وهو أمر شبه مستحيل- يخلو الجو لخصومهم.

 

التشنج الإعلامي وراء خطر إيران على العرب ليس بمعزل عن المؤامرة الكبرى ولعل المقصود هنا هو استنزاف أموال العرب في شراء أسلحة أمريكية معروف أنها لن تُستخدم حتى تصبح خردة

بعض القوى السياسية لضيق أفقها السياسي تغرق في شبر من الماء وتعجز عن رؤية الخارطة الكلية. كي نأخد فكرة فقط عن هذه المؤامرة خذ مصر على سبيل المثال وحجم المؤامرة التي نفذتها القوى السياسية نكاية بخصومهم الإسلاميين وفي نهاية المطاف أصبح الكل خسران لأن القوى الحقيقية التي كانت وراء المؤامرة لا يمكن أن تسمح لأي قوى ليبرالية أو يسارية وطنية ناهيك عن الإسلامية بتصدر المشهد بظهير شعبي حقيقي.

 

المسألة ببساطة غير مسموح لأي دولة عربية أو إسلامية أن تُحكم بإرادة شعبية عبر صندوق الانتخابات، لأن القائد المؤيد شعبياً يكون ولاؤه ضعيفاً لقوى التآمر. نفس السيناريو المصري كان على وشك أن يطبق على تونس لو لا الوعي السياسي الذي اتسمت به حركة النهضة وتنازلت عن الحكم طواعية حقناً للدماء مع أنها كانت منتخبة ومن حقها أن تحكم! تركيا ظلت ترزح تحت الانقلابات العسكرية إلى أن تحايل أردوغان وحزبه على النظام العسكري وأنهى هيمنة الجيش على الحكم إلى الأبد. لا شك أن الغرب فوجيء بحزب العدالة والتنمية التركي بعد فوات الأوان، أي بعد أن استطاع الحزب أن ينهض بتركيا من براثت التبعية وتحقيق تنمية حقيقية وضعت البلاد في الخانة رقم 16 عالمياً بدلاً من الخانة رقم 111. لذلك اشتم الغرب رائحة الإمبراطورية العثمانية فجن جنونه فكانت المحاولة الإنقلابية الأخيرة التي تصدى لها الشعب، وهي آخر أمل لقوى المؤامرة في إحباط الإرادة الشعبية في تركيا.

 

ما يجري في اليمن وسوريا وليبيا وحتى فلسطين لا يخرج أبداً من دائرة المؤامرة. وذلك بسبب الخوف الذي ينتاب القوى الغربية من مجيء قوى سياسية جديدة إلى الحكم بظهير شعبي، لا يهم من تكون هذه القوى السياسية -إسلامية، يسارية، ليبرالية- لذلك فإن استمرار الحرب في هذه الدول لسنوات دون توقف يقصد به الاستنزاف.

 

لم تسلم الكيانات السياسية العربية من المؤامرات وآخر كيان سياسي قوي في العالم العربي هو مجلس التعاون الخليجي الذي أجهزوا عليه. وبالتالي لم يعد هناك أي كيان عربي يمكن أن يتحدث باسم العرب. وبالمقابل أنظروا كيف توجه كل الجهود والموارد صوب إيران، بينما الكيان الصهيوني هو المستفيد الأول والأخير من كل ما يجري. إن الخلاف بين العرب وبين إيران هو خلاف سياسي في المقام الأول ويمكن أن يجلس الناس على الطاولة ويعالجوا مواطن الخلاف لينصرف الجميع إلى التنمية، بينما الخلاف مع الكيان الصهيوني هو خلاف وجودي، كيان مغتصب للأرض وقتل وشرد أهلها ويطمع بالمزيد. ومن هنا فإن أي تسويق للأزمة مع إيران على حساب العداوة مع الكيان الصهيوني لا يخرج من دائرة خدمة أجندة الأعداء.

 

مسألة العداوة بين إيران وإسرايل لا يسنده دليل على ارض الواقع. بل الدليل الميداني يثبت عكس ذلك باعتبار أن أمريكا -الراعي الأكبر لإسرائيل- هي التي سلمت العراق لإيران في طبق من ذهب وبتمويل عربي وهي التي قامت بحماية المليشيات الشيعية في العراق واليمن وسوريا. وعلى الرغم من أن القنابل التي رمتها الطائرات الأمريكية بدون طيار على التجمعات المدنية في أفغانستان واليمن لم نسمع ولو بالخطأ أن أمريكا رمت قنبلة في جماعة شيعية!! إذن الدليل على أرض الواقع يدحض العداوة الظاهرية بين إيران وإسرائيل.

 

علينا إجراء تفاوض مباشر مع إيران لوقف أطماعها التوسعية والدخول معها في اتفاقيات طويلة المدى لنزع فيتل التوتر في المنطقة

رويترز
 

التشنج الإعلامي وراء خطر إيران على العرب ليس بمعزل عن المؤامرة الكبرى ولعل المقصود هنا هو استنزاف أموال العرب في شراء أسلحة أمريكية معروف أنها لن تُستخدم حتى تصبح خردة. وربما تدفع أمريكا باتجاه مهاجمة إيران ليجد العرب أنفسهم في وجه المدفع يخوضون حرباً لا ناقة لهم فيها ولا جمل حتى لا تقوم لهم قائمة. وفي نهاية المطاف يكونون قد خدموا عدوهم الاستراتيجي الذي يهدم ويقتل ويشرد أهل البلاد عن أرضهم في صمت مطبق مما يسمى المجتمع الدولي.  

 

للخروج من هذا المأزق قد يتوجب على القادة القيام بما يلي:

* تقوية الجبهة الداخلية باعتبار أن مكونات الشعب بمختلف انتماءاته الفكرية والدينية والعرقية إثراء للدولة وليس خصماً عليها، وبالتالي لا ينبغي للدولة أن تتدخل في القناعاته الفكرية والدينية للمواطن طالما ظل المواطن ملتزماً بالأطر القانونية للدولة.

* إعادة هيكلة الكيانات المحلية والإقليمية بما يمكن العرب من التحدث مع العالم الخارجي بلغة واحدة وككيان متماسك.

* إجراء تفاوض مباشر مع إيران لوقف أطماعها التوسعية والدخول معها في اتفاقيات طويلة المدى لنزع فيتل التوتر في المنطقة من ناحية، والاستفادة من الأموال التي يشترى بها السلاح في البناء والتعمير.

* إفساح المجال للعلماء في مختلف التخصصات والنشطاء والمهنيين للإدلاء برأيهم فيما يتعلق بالخروج من المأزق الحالي الذي يفوق قدرات القيادات الحاكمة. 

* العمل على صياغة مشروع وطني للنهضة والتطور العلمي يساهم فيه المواطن بقدر ما يمتلكه من مهارات وقدرات علمية، مثل هذا المشروع يصبح مجالاً للتنافس الشريف على مستوى الدولة الواحدة وعلى المستوى الدول العربية.

 

إذا استمر العرب على ما هم عليه من ضيق الأفق وضحالة الفكر ليطاردوا أكثر الشرائح المجتمعية حيوية وقابلية للإسهام في التطور فإنهم سيصبحون جزءً لا يتجزأ من أدوات العدو، وهي أدوات قابلة للاستبدال متى انتهى دورها. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة