هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




بثينة مقراني
بثينة مقراني
185

حَرِّرنِي وَتزَوَّج

8/5/2018
قال سُبحانه وتعالىٰ في سورة النِّساء: "وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129)"

 

انقضى عهد محمد صلّى الله عليه وسلّم، فلِما يُحاول كل رجلٍ أن يتذاكىٰ محاولاً استغلال ما جاء في القرآن الكريم من آياتٍ ليبرّر أفعاله ويُخرِج نفسه من دائرة الاتهام، فلا يحفظ من القرآن إلاّ ما يخدمه، ذاكرًا إيّاه قيامًا وقعودًا، أنْ قال تعالىٰ: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا (3)" دون التّمعن في الآية الكريم، في شرحها، أو حتّىٰ إتمام ما جاء بعدها، أيُّ شرعٍ هذا الذي يُحلِّل للزواج بأربعة دون أن يضعَ شروطًا يُبنىٰ على أساسِها جوازُ التعدد، فهنالك من الرّجال من تزوج اثنتين ولم يعدل، إذ أّنه فور زواجه من الثانية رمىٰ بالأولىٰ بعيدًا فأصبحت مطلقة متزوجة، كالمُعلقة في الهواء لا طلّقها ولا راعاها كما يراعي الزّوج زوجته، ولا اهتم بها ولا هَمّه حالها، كل همِّه راحته وإرضاء نفسه وشهواته، ينام مع الأخرىٰ قرير العين، ظالمًا للأولىٰ، فأنىٰ لعين الظالم أن تنام، فكما أباح اللّه للرّجال بالتعدد، فقد وضع قواعدَ وشروط، وإلاّ فإنّ إقامة شرع اللّه بالتعدد يصبح ذنبًا مربوطًا بعنق الزّوجِ مدىٰ الحياة.

   
فتصبح الزوجة الأولىٰ شأنها شأن أثاثٍ اهترء وانتهت مدة صلاحيته، لا يتذكرها إلا رغبةً في الأكل أو ما شابه، أمّا قيامه بواجباته الزّوجية اتجاهها... فلا، لم يعد لذلك وجود.. دُفنت المرأة قبل الممات، عُذبت واُشبعت قهرًا برؤية زوجها تتقاسمه معها أخرىٰ بل الأمَرُّ من ذلك، تأخذه منها نهائيًا. فإن كانت الزوجة مغلوبٌ أمرها لا حول لها ولا قوة، رضخت لحالها بكل انكسار، واستسلمت لمصيرها البائِس الّذي كُتِب له بالإعدام، أمّا إن كان لها سند تستند عليه ومدخول يقيها ذُلّ السُؤال، وأهلاً لا يقبلون عليها ذلًا ولا مهانةً أمام ظُلم زوجها الذي ما عاد يهمه أمرها، فلن ترضخ لواقعها المُر، بل ستخلعه كما يُخلع الجلد الميّت، ستقتلعه من حياتها كما تُقتلع الأعشاب الضارة.

  

كما للرّجال رخصة التعدد فإن عدم إنصافهم بين زوجاتهم من كسوة ومعاملة، من مأكل ومبيت عندهن، من حيف وجور، لا يقابله إلاّ عقاب من العادل الذي لا يهرب من عقابه أحد

مَن مِن معشر النِّساء في العالم تَقبل فكرة الضّرة؟ فكما يقول المثل: "الضرة مُرّة ولو كانت جرّة"، وإن كان هنالك من تَقبل، سيأتيها يوم وتندم بعد أن تتذوق مرارة اللامساواة، التفريق، التحيّز... فليس منهم من يقدر على العدل والإنصاف، فإن كان عادلاً في تصرفاته فلن يكون عادلاً في مشاعره. فإن كان رسولنا الكريم ميالاً بقلبه لعائشة رَضِي اللّه عنها رغم محاولاته المستميتة في العدل بين زوجاته، إلاّ أنّ القلب لا سُلطان عليه، فأنىٰ لرجلٍ عادي أن يعدل. يقول تعالىٰ في سورة النّساء: "وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129)، ألا يكفي قوله سبحانه جلَّ في علاه كأعظم دليل على التحيّز، فآيته الكريمة اعتراف صريح بعجز الرجل علىٰ العدل بين نساءه ولو كان حريصًا أشد الحرص، ففي تفسير الطبري يقول: (قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: "وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ"، لن تطيقوا، أيها الرجال، أن تسوُّوا بين نسائكم وأزواجكم في حُبِّهن بقلوبكم حتى تعدِلوا بينهنّ في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثلُ ما لصواحبها، لأن ذلك مما لا تملكونه، وليس إليكم"ولو حرصتم"، يقول: ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك).

   
صحيح أن هنالك من النّساء من تدفعكَ لاتخاذ مثل هذا القرار، كإهمالها لك بقصد، وعصيانها لأوامرك، تسلطها، وغيرها من الأمور التي نهىٰ الله عنها، فقد تميل كفتي في مثل هذه الحالات للوقوف إلىٰ جانب الرجل في اتخاذه زوجة ثانية، لكن إن كانت الزوجة مهتمة ببعلها وبيتها، مطيعة لأوامره، تتزين له وتبغي رضاه...، فلا عذر له للزواج مرةً أخرىٰ. إذ أنّ العديد من الرّجال تعَوَّدوا في وقتنا الحاضر على تهديد زوجاتِهم بالزواج بإمرةٍ أخرىٰ، فأصبحت عندهم رخصة اللّه، كعقاب أو وسيلةِ ترهيبٍ ليُهدّدوهن بها، إذْ أنّهم بذلك بدلاً من أن يزرعوا في قلوبِهن السكينة والطمأنينة بأنهن يعشن في كنف رجالٍ طيبون، يقصمون ظهورهن بهكذا تهديد فلا يزيدوهُن إلا عبأ علىٰ عاتقهن فوق أعبائهم المثقلة آنفًا جرّاء هموم بيوتهن ومسؤلياتهن.

  
فعوض أن يُعينها على حِملها الثقيل بكلمة طيبة تُزيح عنها مشقة اليوم وتُسِر قلبها، تراه يجرحها ويكسر قلبها بتهديده بالزواج مرةً أخرىٰ ولو بالمُزاح، وحتّى لو كانت الزوجات مقصرات في زينتهن بسبب المسؤوليات المتراكمة من أولادٍ وأعباءٍ منزلية فلا حق على الزوج بالتهديد والوعيد، فحتّىٰ لو عاودت الزوجة لما كانت عليه في أيامها الأولىٰ من الزّواج، من زينة وتبرج بعد تهديدك لها، إلاّ أن ذلك ليس سوى رِداء يُخفي تحته روحًا مكسورةً متعبةً زادها وعيدك إرهاقًا وانكسارا. وكما للرّجال رخصة التعدد فإن عدم إنصافهم بين زوجاتهم من كسوة ومعاملة، من مأكل ومبيت عندهن، من حيف وجور، لا يقابله إلاّ عقاب من العادل الذي لا يهرب من عقابه أحد، لقول رسولنا الكريم: إن كَان عِندَ الرّجل إمرأتان فلم يَعدِل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه ساقط.

 

وما أستطيع أنْ أصِف الرجال المهددين المتوعدين لزوجاتهم بالزواج مرةً أخرىٰ، إلا بالضُّعف والجُبن، فليس هنالك رجل شهمٌ يخاف الله في أهله أن يتوعّد زوجته أو يهددها بالضّرة، بل العكس يحاول التعاون معها لإصلاح الشّروخ التي أحدثتها السنين فأثقلت كاهلها فما عادت كالسابق، ويقاسمها مسؤليات المنزل حين يتفرغ من مشاغله، وكذا يطمئنها ويربت على كتفها، ويسقيها الكلمات الطيبة التي تزرع السكينة في قلبها فيُشعرها أن ليس له بديل عنها، فيزيد بذلك حبَّها له، لتسعى هي الأخرىٰ لإسعاده وإرضائه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة