خولة مقراني
خولة مقراني
1.8 k

هل تحول حبك إلى داء مر كالعلقم؟

9/5/2018

إنّ الحبّ أمرٌ فطريٌّ جُبِلت عليه النّفوس لكن الإفراط فيه كما يُذهِبُ العقلَ ويَعبثُ به، فيغدو المُحبّ كأنّه بلا عقلٍ يُحكّمه، فهو أيضًا يُقيّد الآخر ويُصيبه بالضّجر.. إنّنا عندما نضيع بين عطاء الحبّ اللامتناهي وبين التوازن فيه، ندخُل في دوّامة الشّعور بالتّقصير بكامل إرادتنا، اتجاه أنفسنا أو اتجاه من نُحب ومن نحنُ مسؤولين عنهم، ومع الوقت يصبح شعورًا قاهرًا يفرض وجوده مهما قدّمنا ومهما بذلنا.. فتغدو أرواحنا مثقلةٌ بتحقيق المهمّة المستحيلة، مهمّة "كمال العطاء"، "كمال الاحتواء"، "كمال الحضور"، "كمال الأمان".
 
فمثلاً لو نظرنا إلى حبّ الآباء لأبنائهم، لوجدنا بعض الآباء يفرطون في حبّهم ممّا يتعدّى ذلك إلى القلق الزّائد عليهم في كل تفاصيل حياتهم حتى البسيطة منها، خوفهم من أن يُصابوا بسوء أو يحدث لهم مكروه، وهذا ما يجعلهم دائمي التفكير فيشعرهم ذلك بالهمّ والتّعب والمشقّة وعدم الراحة والألم النفسي الذي قد يتعدّى إلى أمراضٍ جسديّة إن تجاوز خوفهم المعقول، هذا من جهة. والذي يقيّد الأبناء من جهة، فيحرمهم من فرصة التجربة وممارسة حياتهم بطريقة سليمة، ليتعلّموا منها، سواء مع الفشل أو النجاح.
 

هو كالدّواء تمامًا إن زاد عن حدّه ضرّ، لذا وجب أن نُقنّن جرعات حبّنا للآخرين وخوفِنَا عليهم فلا نُغالي في أيّ شيءٍ، والله دعانا للاعتدال في مشاعرنا اتجاه أنفسنا واتجاه غيرنا

صحيحٌ أنّنا في عصر سادته ثقافة الاستهلاك وتسطّح القيم، ممّا ولّد هذا الخوف لدى الآباء، فأضحت التربية عمليّة مُضنية إن تحدثنا عن جيل واعٍ متوازن، كما أن اللّين والكلمة الرقيقة والتوجيه العطوف مطلوب، كذلك الحزم مطلوب، ولكن يجب أن يبقى دومًا حزمًا محبًّا.. وكثيرًا ما طُرحت مشكلة التواجد الأمثل مع الأبناء وكيفيّة مشاركتهم حياتهم، ودائمًا ما كانت الطّرق المقترحة صارمة وغير مجدية، أتذكّر مرّة أنّ مرشدة أحد المساجد كانت تلقي درسًا عن التربية السليمة للأبناء، ولمّا سألتها إحدى السيّدات سؤالاً لا أتذكّره حرفيًّا لكنّها طلبت في معناه نصيحة حول كيفيّة التعامل مع ابنتها المراهقة التي صارت تخاف عليها من كلّ شيء، نصحتها المرشدة آنذاك بأن تفرضَ عليها رقابةً صارمة، أن تتّبعها في كلّ خطواتها، أن تلازمها كظلّها، ببساطة أن تكونا معًا كشخصٍ واحد.. أهكذا تكون التربية السّليمة فعلاً؟
 
الحقيقة أنّ الحبّ الواقعي السويّ غير مُرتبطٍ بالوجود والتواجد الدّائم الذي يتحوّل إلى التصاق، إلى قيد وطوق خانق للغير، ليس مرتبطٌ بالكمّ إنّما بالكيف. علينا دائمًا أن نمنح الآخر مساحة واسعة له، ليمارس ذاته بكلّ حريّة، ليتعلّم ويُجرّب، ليخطئ مرّة ويصيب أخرى.
 
فلا تلم أبناءك لاحقًا إن كانت شخصيّتهم ضعيفة هشّة، إن صادف وواجهتهم عوائق بسيطة في طريقهم فلم يُحسنوا اجتيازها، لأنّ ذلك خطؤك منذ البداية، بطوق الخوف الذي قيّدتهم به، فلم تمنحهم يومًا الحريّة لاكتشاف الحياة خارج تلك الهالة التي حوّطتهم بها، ماذا يحبّون وماذا يكرهون، كيف يعبّرون عن أنفسهم.. فالحقيقة التي لا مفرّ منها أنّ الفرق كبير وجوهري بين الحضور المطلق وبين قوة الحضور المؤقّت وتأثيره الذي قد يكون لحظيّا في حقيقته لكنّه يُخلّفُ أثرًا يصعب مسحه أو تغيير ملامحه، لأنّه يكون بصدق المشاعر حينها، بالبساطة والعفوية، في جو من الثقة والحوار الحر، والكثير الكثير من الضحكات.

 

 

فالسرّ أن تتعلّم كيف تكون مؤثرًا فتختزل عليك مسافاتٍ طويلة، كيف تبقيهم قيد الإحساس دون أن تكون نبضهم مرتبطًا بتواجدك حيث كانوا.. حينها فقط ستدخل معهم مرحلة الحضور العاجل، الاختياري لا المفروض، فتكون كرقم النّجدة بالنّسبة لهم إنّ حلّ بهم ما لا يمكنهم مواجهته وحدهم، إن اتعبتهم الحياة في منتصف الطّريق فلم يجدوا من يهدهد مخاوفهم ويربّتُ على أكتافهم أن لا بأس كلّ هذا سيمضي، أن يُفضوا بكلّ ما في كأسهم لك دون خوفٍ، ولا غموض.. لأنّك منذُ البداية أنشأتهم على الحرية الملتزمة التي تعرف الحدود، في ظلّ الوازع الديني، وزرع مفاهيم الصّواب والخطأ، المقبول والمستهجن.
 
وإلى جانب هذا الحبّ أيضًا هناك هوسٌ مرضيّ آخر، نجده بين الأصدقاء بكثرة، ويطلقُ عليه حبّ التملّك أو التعلّق القلبيّ، ولستُ أتحدّثُ عن الصّداقة السويّة والتي ذكرها الرسول الله -صلى الله عليه وسلم-في حديث السبعة الذين يظلهم الله بظلّه: "وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ". لكن عن تلك الصداقة التي تتجاوز أحياناً حدَّها المعتاد إلى الإدمان على الآخر، بحيث يفقد المتعلِّق استقلاليته، ويتّبع المتعلَّق به تبعيّةً كاملةً، وكأنّما تذوب شخصيته عنده، فتجدهُ متأثرًا به، لا يرضى بديلاً غيره، يقلّده في أفكاره وتصوّراته وتصرّفاته، ولا يحتمل مشاركة أحدٍ له.. وكم سمِعنا عن هكذا حالاتٍ تنتهي بأطرافها إلى ما لا يُحمد عقباها... فهو إفراط في الحب في أوّله، وهو عبوديّة للمعشوق في نهايته، تضيع معها عبودية العبد لله. قال علي -رضي الله عنه-: "أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما".

 

إذن الحب الحقيقي هو الحب المتوازن دون إفراط ولا تفريط، فيكون في القلبِ بلسمٌ يسكنُ به وفيه، لا كالعلقم يُضني صاحبه ويعكّر صفوه، فيتركه تائهًا، تتلاطمه أمواجُ الحيرة، هو كالدّواء تمامًا إن زاد عن حدّه ضرّ، لذا وجب أن نُقنّن جرعات حبّنا للآخرين وخوفِنَا عليهم فلا نُغالي في أيّ شيءٍ، والله دعانا للاعتدال في مشاعرنا اتجاه أنفسنا واتجاه غيرنا، فلا نطغى في الميزان، لأن هذا الطّغيان سيفوّت علينا الكثير من المشاعر الجميلة والمستقرة التي ستصبُّ جميعها في أنس بالله عزّ وجل، فنستغني به عمّن سواه، ففي كلّ إفراطٍ اختلال في التوازن إلاّ الإفراط في حبّ الله كلما زاد، كلّما انشغل القلب بمحبوبه، بذكره وطاعته.. عن كلّ من سواه حتى تجد المحبّ وكأنه في عالم آخر منفصل عن النّاس كافة، وهو التّوازن بعينه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة