مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
383

رواية العمى.. حينما أبصرت النفس البشرية!

10/6/2018

لا تقلق أيها القارئ فلن يفسد عليك المقال متعة مطالعة الرواية.. إذ أن تسلسل السرد الروائي متوقع وليس هو غاية الكاتب أصلاً، إنما ما يصنع الفارق مع العمى هو التفاصيل، وذلك المجاز المتدثر بين الكلمات. كاتب العمى المدعو جوزيه ساراماغو يسلخ شخصياته حرفياً عن جلدها، ويضعها على طاولة الرواية، هكذا لحماً وعظماً.. عارية من كل الأقنعة الزائفة وهالات المثالية المصطنعة، والمكيجة الأخلاقية التي يتطلبها العيش في مجتمع. يضع الرجل شخوصه الروائية في ظروف غاية في المأساوية، بيئة لو وضعت فيها حملاً وديعاً.. لنبتت له فيها مخالب وأنياب.. وبدأ الافتراس.


يفعل ساراماغوا ذلك، وبعدها بكل هدوء يسحب كرسيه بعيداً إلى الظل.. يجلس بتأنٍ.. يضع ساقاً فوق أخرى.. يختار له زاوية جانبية لمتابعة المأساة التي ابتكرها خياله الأخًاذ، يجلس على كرسيه ويبدأ في التنظير: عن سيكولوجية النفس، الأخلاق والضمير الإنساني..إلخ، ينّظر للقارئ بين مشهد وآخر عما يراه صائباً وفقاً لفلسفته الشخصية. تدور أحداث الرواية عن وباء العمى الأبيض الذي يجتاح المدينة، أيام قليلة بعدها ويتحول الجميع إلى عميان.. رجال الشرطة، التجار.. وحتى الحكومة نفسها لا تسلم من هذا العمى في النهاية.


تركز الرواية تحديداً على ستة أفراد هم طبيب عيون، زوجته ومرضاه في العيادة، وهذه الزوجة هي الوحيدة التي لا تصاب بالعمى.. تتحول البلاد إلى فوضى جامحة، وهنا بالذات تَختبر الإنسانية نفسها، تُختبر الشعارات الرنانة، الأخلاق والضمير الإنساني. في رواية العمى لا يوجد أشرار بالمعنى المباشر للكلمة، إنما الذي يوجد ضحايا سقطوا من قاموس الآدمية، أناس فشلوا في اختبارات ساراماغوا القاسية لنيل درجة الإنسانية. هنا أيضاً لا توجد أسماء، فقط مجرد مهن وصفات عامة لتمييز الشخصيات عن بعضها، وكأن الكاتب يرغب في تجريدهم من بشريتهم -فهم ليسوا بشراً أسوياء- كما يعلنها في الرواية على لسان زوجة الطبيب وإنما مجرد كائنات لا تريد أن تنحدر أكثر إلى درجة الحيوانية.

تعلنها العمى بوضوح أن معظم الأفعال اللطيفة، والأخلاق الحميدة التي نتبجح بها كبشر، بل وحتى تلك التي نُلزم أنفسنا بها.. لا تصدر عنا بدوافع ذاتية أو مبدئية نابعة من الداخل كما نظن

لن يتطلب الأمر من القارئ الحصيف أكثر من ربع أوراق الرواية لفهم ما يرمز إليه الكاتب بهذا العمى.. أنه الجهل فهو وحده الوباء الذي يجرد البشر من إنسانيتهم، وهو وحده كذلك الذي يصيب مدناَ كاملة ويتركها غياهب الظلام.. فالأمر كما يقول روبرت براوننغ: "ليس الجهل براءة، بل خطيئة". زوجة الطبيب تبدو وكأنها البطلة الوحيدة التي احتفظت بإنسانيتها سالمة في وسط هذه المعمعة التي خلقها لنا الكاتب، إلا أنه وبتدقيق بسيط نجد أنها هي أيضاً الوحيدة التي لم تصب بالعمى.. هي الوحيدة التي لم تُختبر كما البقية، وكأن ساراماغو يريد أن يقول لنا بأن الجميع طيبون ولطفاء عندما تتعلق المآسي بالغير، إننا جميعاً إنسانيون.. فقط حتى نُختبر.


تعلنها العمى بوضوح أن معظم الأفعال اللطيفة، والأخلاق الحميدة التي نتبجح بها كبشر، بل وحتى تلك التي نُلزم أنفسنا بها.. لا تصدر عنا بدوافع ذاتية أو مبدئية نابعة من الداخل كما نظن، إنما هي بسبب أن الآخرين يروننا.. هكذا مجرد حالة من المنافقة الاجتماعية التي لا تلبث أن تسقط بمجرد أن تتوقف تلكم الرؤية، وهو ما حدث في الرواية.


وأخيراً تشير الرواية على استحياء إلى قدرتنا الرهيبة على التعود، الطفل الأحول - أحد شخوص الرواية - ينسى حتى أمه في النهاية أو على الأقل يتعود على عدم وجودها، وليس الأمر عنا ببعيد، فكم من ميت لنا قد نسيناه أو ألفنا غيابه في سبيل أن نعيش ونحيا.. وكم من جهل قد اعتدنا عليه فـ كما أن الماء هو آخر ما تلاحظه السمكة في محيطها بفعل الإلفة، كذلك الجهل هو آخر ما ننتبه وجوده برغم أننا غارقون فيه حتى الذقون. وختاماً ها هم شخوص الرواية يعتادون عماهم ويألفون غياب البصر وتعثر البصيرة الإنسانية لديهم.. وما إن يبدأوا في تقبل ذلك العمى، ومصادقة البياض حتى يعود البصر إلى الجميع، وتعود الرؤية كما كانت، إلا أنهم ويا للأسف لم يعودوا كما كانوا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة