هل تفلّت كأس العالم من أيدي الكبار؟!

10/6/2018

ليس عنوان هذا المقال من الخيال أو بهرجة لجلب الأنظار قبيل الموعد الكروي العالمي بل تساؤلًا منطقيًا إلى حد كبير، فنحن اليوم أمام خارطة كروية متقاربة ومتساوية إلى حد كبير على مستوى المنتخبات الوطنية. فبطولات المنتخبات عمومًا كالمونديال، وكوبا أمريكا، واليورو والكان والبقية لم تعد تشهد تلك الفوارق الشاسعة التي كنا نلاحظها خلال العقود الماضية بل بالعكس تمامًا أصبح من الصعب تحديد المتوج أو قائمة المرشحين للعب الأدوار الأولي قبل انطلاق أي بطولة للمنتخبات الوطنية، وهذا على عكس بطولات الأندية كالتشمبيوزليغ أو "الموندياليتو" التي بالإمكان مسبقًا تحديد مرشحيها بسهولة تامة نسبة لعولمة كرة القدم وتحول الأندية الكروية العالمية الكبرى إلى شركات عملاقة متعددة الجنسيات تصطاد الطيور النادرة من كل حدب وصوب عند كل ميركاتو صيفي أو شتوي.

 

فإذا أخذنا على سبيل المثال، نادي كليفربول الإنجليزي فهو لم يعد يحمل من الإنجليز إلا اسمه ومقره، فمالكه أمريكي، ومدربه ألماني، وهجومه الذي يصنع أمجاده يقوده مصري وبرازيلي وسنغالي. وبالمثل بالنسبة لباريس أو الريال أو المان سيتي. في حين لا يمكن للاتحادات الوطنية المسؤولة عن هيكلة المنتخبات أن تضم إلا حاملي جنسيتها، وهو ما يعيق حتى أغنى دول العالم على استقدام لاعبين أجانب مميزين للمنتخبات، مكتفين أحيانًا بالاستعانة بالمدربين الأجانب فقط. 
   
أما أسباب تقارب المستويات بين المنتخبات الوطنية خلال السنوات الأخيرة تعود بالدرجة الأولى إلى تحول كرة القدم لصناعة وتجارة مربحة تعتمد على إنتاج لاعبين محليين صغار السن بمبالغ معقولة ثم بيعها لمختلف دول العالم بمبالغ طائلة. وألهم هذا السوق الكروي المُربح عديد من الدول حول العالم حتى تلك الفقيرة منها في أقصى أقاصي أدغال إفريقيا للاستثمار في التكوين وافتتاح مراكز بمواصفات دولية وتقنيات عالية تضاهي ما هو موجود عند أكبر الدول، ويمكن أن نستذكر هنا مراكز تكوين ساليف كيتا في مالي وأكاديمية ميموزا جان مارك غيلو في ساحل العاج، وجينيراسيون سبورت في السنغال.. إلخ وهي المراكز التي تخرج منها صانعي أفراح أبرز النوادي الأوروبية اليوم كسيدو كيتا ويايا توري وساديو ماني وغيرهم.. 
   

خلال اليورو الأخير لاحظنا تقاربًا كبيرًا في المستويات بين مختلف الفرق المشتركة، وشهدنا تفجير مفاجآت من العيار الثقيل بوصول منتخبات مغمورة كبلاد الغال ببلوغها نصف النهائي

دون إغفال أيضًا استفادة عدد من الدول (بالخصوص دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط كتركيا وإيران ولبنان) من لاعبيها المغتربين الذين تكونوا في أقوى وأكبر المراكز الكروية الأوروبية وأمريكا اللاتينية نسبة إلى هجراتهم المتتالية إليها منذ عقود لمختلف الأسباب السياسية والاجتماعية.
 
كل ذلك أدى إلى تشتت المراكز الكروية الكلاسيكية التي أعتدنا على تصدرها خارطة كرة القدم الدولية كالبرازيل والأرجنتين وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.. إلخ وبعثرة نتائج مراكز الإحصائيات قبيل المونديال لصالح دول أقل شأنًا كرويًا، فليس من الصدفة بشيء أن تتصدر الأوروجواي اليوم قائمة أخطر تنائي هجوم في المونديال (سواريز وكافاني) متقدمة بذلك على منتخبات عريقة هجوميًا كالبرازيل وإسبانيا مثلًا. وليس عجبًا أن تسرق بلجيكا الأضواء من فرنسا وإسبانيا وألمانيا لتتصدر قائمة أخطر وسط ميدان في البطولة بتواجد ثري لنجوم لامعين كدي بروين وهازارد بالإضافة لكاراسكو وديمبيلي وتيليمان، وهو ما أدى بالمدرب مارتينيز لعدم استدعاء نجم بحجم نيغولان. 
 
كما يمتلك (تقريبًا) كل منتخب مشارك بالمونديال ومهما بلغ حجمه في سوق الترشيحات والمراهنات نجما واحدًا على الأقل بإمكانه قلب الموازين وتغيير مجريات اللعب وصناعة المعجزات وهنا نذكر صلاح في مصر، وبن عطية وحكيمي في المغرب، وساديو ماني بالسنغال، وفهد المولد في السعودية، وجيمس رودريغيز في كولومبيا، وموديريتش بكرواتيا، والخرزي في تونس، ورضا جهانبخش في إيران، وغيريرو في بيرو، وماركيز في المكسيك، وبودولسكي في بولندا، وشيردان شاكيري بسويسرا.. إلخ. كما تؤكد النتائج في السنوات القليلة الماضية على ضيق الفوارق على مستوى المنتخبات، فمثلًا خلال اليورو الأخير لاحظنا تقاربًا كبيرًا في المستويات بين مختلف الفرق المشتركة، وشهدنا تفجير مفاجآت من العيار الثقيل بوصول منتخبات مغمورة كبلاد الغال ببلوغها نصف النهائي، وآيسلندا بإقصائها إنجلترا وبلوغها ربع النهاية.
    

 

أما على مستوى مناطق نفوذ البرازيل والأرجنتين كرويًا فالسيطرة كانت مفاجئة لمنتخب التشيلي (الغائب عن المونديال المقبل) لبطولتين تواليا من "الكوبا أمريكا". وأكدت نتائج المباريات الودية المقامة مؤخرًا استعدادًا للمونديال ما نذهب إليه من تقارب المستويات وضيق الفوارق، عندما فازت المغرب على سلوفاكيا الأوروبي، وتعادلت مصر مع كولومبيا السود-أمريكاني بنجمه رودريجيز على ملاعب محايدة. كما تعادلت تونس مع بطل اليورو البرتغال في عقر داره، وتعادلت بعدها مع تركيا بسويسرا. في حين لعبت السعودية مباراة قوية أمام إيطاليا في سويسرا خصوصًا في الشوط الثاني، وفازت قبلها بإسبانيا على المنتخب اليوناني وتعادلت مع أوكرانيا الأوروبي. كما انتصرت نيجيريا على الأرجنتين بملعب محايد قبل أشهر.
   
وبلغة طوبوغرافية، ومن خلال متابعة تضاريس مختلف مجموعات المونديال الثمانية ودرب توزيع الكبار يمكننا ومن خلال لمحة سريعة استكشاف خطورة اصطدام "الهضاب العليا" بداية من دور الثمن النهائي ما سيفسح المجال لمنتخبات أقل شأنًا تاريخيًا بالوصول للدور الربع النهائي على أقل تقدير، هذا دون إغفال وقوع بعض "الكبار" في مجموعات مٌعقدة وصعبة أصلًا، كإسبانيا والبرتغال اللذان سيلعبان في مجموعة تضم المغرب وإيران. أما إنجلترا فستلعب مع بلجيكا وتونس وبنما، وهو الأمر الذي ينبئ بإمكانية مغادرة عدد من عمالقة البطولة بداية من الدور الأول.

 

هذا وبإمكاننا ملاحظة أن الكبار أو "التوب تسعة" (TOP 9) المونديالي أو المنتخبات صاحبة أفضل النتائج المونديالية تاريخيًا (البرازيل وألمانيا والأرجنتين وفرنسا وإنجلترا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وهولندا) في خطر وفي وضعية لا تُحسد عليها في ظل تراجعهم كمراكز للكرة العالمية وتقدم الأطراف الكروية في أوروبا وإفريقيا وآسيا والكونكاكاف.
  

  

فإيطاليا وهولندا غائبتان أصلًا عن المونديال. والبرتغال (التي أدخلها كريستيانو رونالدو وأوروبيتها ونتائجها المسجلة في البطولات الماضية في دائرة الكبار دون أن تفز بالمونديال من قبل) والأرجنتين وحتى ألمانيا ليسوا في أحسن أحوالهم. أما إنجلترا فهي غالبًا ما تُخيب الظنون في مثل هذه المواعيد الكبرى منذ تتويجها عام 1966، وآخر إخفاقاتها الخروج من الدور الأول في المونديال الماضي، ومن آيسلندا في اليورو قبل سنتين. وتبدو منتخبات البرازيل وإسبانيا وفرنسا كأقوى الكبار من خلال امتلاكهما لترسانة مرعبة من أفضل اللاعبين في العالم، لكن هل سيمثل لهم ذلك حصنًا منيعًا ضد اجتياح المفاجآت؟ فإسبانيا نفسها وبمنتخب لياقته كانت تفوق الجيل الحالي خرجت خالية الوفاض من المونديال واليورو الأخيرين.

 

والبرازيل بمنتخب مدجج بالنجوم الصاعقة وعلى أرضها (رغم أن الأرض لم تعد حقيقة تعني الكثير في المواعيد العالمية الأخيرة نسبة لكثافة التوافد الجماهيري الأجنبي على المونديال الذي وفرته سهولة المواصلات الجوية والبرية الدولية حتى أصبحت مباريات المونديال تشهد أحيانًا حضورًا جماهيريًا متساوٍ تقريبًا في المدرجات بين أصحاب الأرض والأجانب) لم يرق مستواها للمطلوب في المونديال الأخير، ولم تنجح بالفوز بكوبا أمريكا في أخر ثلاث نسخ. كما أن فرنسا تبقى ذو تقاليد أقل في مثل هذه المناسبات الكبرى، كما أن مستواها في السنوات الأخيرة يبدو متذبذبًا رغم ترسانة لاعبيها.
      

 منتخب الأرجواي (رويترز)

 

أما من يعتبر الأوروجواي بلد الثلاثة مليون نسمة من الكبار نسبة لفوزه ببعض البطولات العالمية والسود-أمريكية في أزمنة ساحقة من التاريخ عندما كانت المنافسات العالمية تشبه بطولات للصداقة الودية بانضمام عدد محدود من الدول للمشاركة في المونديال بعد تلقيها الدعوات (أحيانًا) فهو واهم، فالأوروجواي لم تحقق منذ أن أصبحت المنافسة بصيغتها الجديدة أكثر مما حققته منتخبات فتية في كرة القدم كتركيا وكوريا الجنوبية وبلغاريا والسويد.. لذلك لا يمكن تصنيف أي نتيجة إيجابية من طرفها إلا في إطار المفاجأة من العيار الثقيل، ولا يُمكن إدراج الأوروغواي إلا في إطار المنتخبات الصاعدة حالها حال منتخبات بلجيكا أو كولومبيا أو كرواتيا.. إلخ.

  

والحال نفسه ينطبق على المنتخبات العربية المشاركة (مصر والسعودية وتونس والمغرب) التي أمامها الفرصة للبروز والتألق في هذا المونديال إذا ما تجاوزت عقدة النقص التي تُعيقها عادةً على إكمال المشوار في مثل هذه المواعيد الكبرى، والحال نفسه ينطبق على عديد من المنتخبات الصاعدة الأخرى التي بإمكانها التألق والتحليق عاليًا في هذا المونديال حال تجاوزها عُقد النقص التي قد تلازمها هي الأخرى في مثل هذه المواعيد العالمية الكبرى كالبيرو وبنما وكوستاريكا والمكسيك وأستراليا وإيران ونيجيريا وسويسرا وكولومبيا والسنغال وبولندا.. إلخ 
 
ويبقى السؤال مطروحًا: هل سيفلت المونديال من أيدي الكبار؟ والجواب بعد الذي ذكرناه أن كل شيء ممكنًا. وحتى في حالة عدم إفلاته فإن الأكيد أن المفاجآت ستحضر بقوة، ومن يدري، قد نشهد بطلًا جديدًا ينهي احتكار بضعة منتخبات للبطولة منذ ما يقارب من قرنٍ.

#يتصدر_الآن

أرضُ النّبيّين

أُولَئِكَ الصِّـــيْدُ آبَائِي لَقَدْ عَـلِمُوا.. أَنَّ اليَهُودَ ثَـعَـابِـيْـنٌ وَأَحْنَاشُ.. فَطَهَّرُوا المَسْـجِدَ الأَقْصَــى وَسَاحَتَهُ.. فَلَمْ تَعُدْ فِيْهِ لِلأَوْبَاشِ أَعْـشَــاشُ.. بَاعُوا لِرَبِّ السَّمَا أَرْوَاحَهُمْ فَسَــمَوْا..فِي اللهِ مَاتُوا، وَفِيْهِ قَبْلُ قَدْ عَاشُـوا.

392
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة