فوزي شداد
فوزي شداد
1.3 k

قطر.. حين تنتصر الإرادة على الحصار

11/6/2018
قبل عامٍ مضى، وفي الخامس من يونيو/حزيران 2017، فرض ائتلاف رباعي ضم السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصاراً برياً وبحرياً وجوياً على دولة قطر في صورة إجراءات جائرة غير مسبوقة. هذه الإجراءات قد خرجت عن كونها مقاطعة بالمعنى الاقتصادي أو السياسي، فلم تكن كقرارات توقف التبادل التجاري بين بعض البلدان، أو غلق سفارات وسحب سفراء، أو تبادل رسائل إعلامية ساخنة بين مسئولين، بل أخذت بعداً أكبر من ذلك بكثير، فقد تم إغلاق المنفذ البري الوحيد لقطر، وفُرض حظر على حركة عبور الأفراد والبضائع والمواد الغذائية، وقُطعت جميع الاتصالات، وأُغلق المجال الجوي أمام حركة الطيران القطري إغلاقاً تاماً.

  
وهكذا لم تكن مقاطعة بل حصار مكتمل الأركان، تماماً كما تتم محاصرة الحصون والقلاع في المعارك الحربية بهدف تجويع المُحَاصَرِين وإضعافهم وإنهاكهم ومنع وصول الإمدادات إليهم لاستسلامهم في نهاية المطاف. حصارٌ مفاجئٌ غير أخلاقي تجاوز كافة الخطوط الممنوعة شرعاً وقانوناً وإنسانياً، يتخذ من الضغط على مقومات حياة الأشقاء وسيلة، ويستهدف في النهاية إسقاط دولة مستقلة من خلال زعزعة استقرارها الاقتصادي وأمنها الاجتماعي وإرادتها السياسية. بدأ الحصار وسط مزاعم تدور حول دعم قطر للإرهاب، ومنذ بداية الأزمة اكتشفت دول الحصار أنها يجب عليها إقناع العالم بصحة هذه الاتهامات، كما ألحت قطر على هذه الدول بتقديم ما يثبت هذه الادعاءات، فلم تقدم هذه الدول ما يثبت مزاعمها ولم يقتنع العالم بادعاءاتها.

  

قطر اليوم ليست كقطر قبل عام، فقد خرج الشعب القطري من الأزمة بسلام وقد اشتدّ عودُه، وذاق معنى التحدي والصمود والنضال من أجل عزّته وكرامته وسيادته واستقلال إرادته

صَاحَب الحصار حملة إعلامية مسعورة ضد قطر ونظامها، وفي إجراءات تعسفية قامت دول الحصار بسحب سفراءها من الدوحة، وطالبت كل من السعودية والإمارات والبحرين مواطنيها المقيمين والزائرين في قطر مغادرتها، كما طلبت من المواطنين القطريين مغادرة أراضيها فوراً، وحتى لا يتم سماع صوت غير صوت الحصار حظرت الدول الأربع جميع وسائل الإعلام القطرية. وأما صوت الحصار فتمثل في حملات شرسة تنطلق من قنوات وصحف وأقلام مسيسة، تغيب عنها المصداقية والمهنية والموضوعية، سعت لإقناع شعوبها بمشروعية الحصار وتهيئة الناس لخبر القضاء على قطر ونظامها.
   

كانت العناوين الأبرز لهذه الحملات الإعلامية المضللة تدور حول قيام تحالف من أربع دول عربية كبيرة بفرض حصار بري وبحري وجوي على دولة قطر المارقة، وتحت هذا العنوان المُجّمَل تفرعت عناوين أخرى عن أسباب الحصار وضرورته الملحة حفاظاً على الأمن القومي العربي، وعن قوة الحصار الذي أَغلق على قطر كافة منافذها، وأنها لن تتمكن من استيراد أو إدخال أي أغذية أو سلع من الخارج، ولن تستطيع كذلك تصدير غازها أو نفطها، وأن آثار الصدمة أدت إلى توقف الحياة بها نهائياً، وأن القطريين قد خرجوا إلى الشوارع والمحلات التجارية يبحثون عن طعام لذويهم وحليب لأطفالهم الجوعى دون جدوى بسبب نفاد السلع والمنتجات وفراغ أرفف المحلات التجارية، وأن القطريين يتعرضون لمجاعة مهلكة، مما دفعهم للخروج في مظاهرات عارمة في حشود غاضبة، وأن الحكومة القطرية مرتبكة وقد فقدت القدرة على تدارك الموقف وعاجزة تماماً عن مواجهة هذه الأزمة العاصفة، وأن طوابير القطريين قد باتت مشهداً مألوفاً أمام البنوك وماكينات الصرافة لسحب ودائعهم تحسباً للمجهول القادم، وأنه قد تم تسجيل حركة نزوح أموال ضخمة من المصارف القطرية، مما دفع الحكومة لمصادرة أموال البنوك، وأدى هذا إلى عدم توفر السيولة المالية وانهيار العملة القطرية، بل والقطاع المصرفي برمته، وتهاوت بورصة قطر، وانسحب المستثمرون من الأسواق القطرية، وتم التحفظ على أموال واحتياطيات قطر في الخارج لحين تسلم أمير قطر الجديد القابع في الإمارات مقاليد الحكم.

   
هذه هي العناوين التي كان يبثها إعلام العار في دول الحصار، صورت للناس أن هناك حرباً تدور رحاها في قطر، ولم تكن سوى طفح خيالاتهم وأوهامهم وأحلامهم الرديئة. هذا الكم الغير مسبوق من الافتراءات والتحريض والأخبار المكذوبة كان كفيل بأن تدرك هذه الفئة المغيبة في بلادنا مدى الاستخفاف بعقولهم، ومدى التضليل والأكاذيب التي تمارسها الأنظمة على أدمغتهم. راهنت دول الحصار على الوقت، وظنت أنه كفيل لإحداث فوضى عارمة تأكل الأخضر واليابس، وليس أمامهم سوى أسابيع أو شهور معدودة حتى تسقط قطر وتعلن عن استسلامها للشروط التعجيزية المجحفة التي اشترطوها لرفع الأذى وفك الحصار، شروطٌ صممت لتُرفض، فَيُبَرر بعدها لإجراءات وخطوات تصعيدية أكثر عدوانية.

   

 

قال أمير قطر في خطابه اللاحق للحصار: "قد تبين للقاصي والداني أن هذه الحملة والخطوات التي تلتها خططت سلفاً، وأقدم مُخططوها ومُنفذوها على عملية اعتداء على سيادة قطر بزرع تصريحات لم تقل، لتضليل الرأي العام ودول العالم، وبغرض تحقيق غايات مبيتة سلفاً". فالسياقات التي سبقت إعلان الحصار قد كشفت عن الاتفاق عليه مسبقاً، وأن اختراق وقرصنة وكالة الأنباء القطرية ليلة 24 مايو/أيار 2017 ونشر تصريحات مفبركة لأميرها؛ كانت بمثابة مقدمة أولية كمبرر للحصار، ثم انكشفت المؤامرة لاحقاً وتبين فاعليها.

 
لم يكن لمحور الحصار من أهداف سوى إسقاط قطر وإخضاع إرادتها بالكلية لقيادات معسكر الحصار، ومع صمود الشعب القطري وقياداته أمام هذه المخطط؛ ومع قرار تفعيل الاتفاقية العسكرية التركية القطرية وتراجع ترمب عن موقفه في بداية الحصار، وكذلك تدخلات دولة الكويت كوسيط لحل الأزمة، كل هذا أدى إلى إرباك معسكر الحصار وإطالة أمد الأزمة بخلاف ما كان متوقعاً، مما اضطرهم إلى تقديم قائمة مطالب لإنهاء الأزمة بحجة مراعاة الوساطة الكويتية. بدا الأمر غريباً ومعقداً يدفع للحيرة والتساؤل، ما الذي حدث بين ليلة وضحاها حتى يتم قلب كل الموازين والاعتبارات، ويُطاح بكل الثوابت والحسابات التي جمعت بين دول الخليج وتحالف العائلة الخليجية الواحدة؟


يمكن الإجابة على ذلك بأن المملكة السعودية قد رتبت الكثير من ملفاتها متأثرة بوجود الرئيس الأمريكي ترامب وتوجهاته، وظنت أنها بعد ترتيبها للقمة الخليجية مع ترامب وما أغدقت عليه من المليارات قد ضمنت شراء ذمة أكبر دولة في العالم، وأنه بإمكانها أن تطلق يدها وتتصرف في المنطقة كيفما شاءت. وجمعها مع غيرها من دول الحصار الرغبة في تصفية حسابات قديمة مع دولة قطر بسبب دعمها ثورات الربيع العربي، وما قامت به قناة الجزيرة من تغطيةٍ للأحداث والوقوف مع تطلعات الشعوب العربية نحو الاستقلالية والحرية والعدالة الاجتماعية. هذا بالإضافة إلى دور قطر المسؤول ومواقفها المشرفة من القضية الفلسطينية ومناصرتها الدائمة للشعب الفلسطيني، هذا الدور الذي يمثل عقبة كؤود أمام دول الحصار نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني والهرولة غير المسبوقة لإتمام صفقة القرن التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وفق الرؤية الصهيونية المدعومة أمريكياً والمؤيدة سياسياً ومالياً من دول الحصار.

 

عام مرّ على حصار قطر كان يستهدف ليّ ذراعها عن طريق تدمير اقتصادها وتجويع شعبها، لإجبارها في النهاية على إخضاع إرادتها وسياستها الخارجية وفقا لأولويات سعودية إماراتية ذات رؤى متضاربة وتوجهات ملغومة. أبت قطر فرض الوصاية والخضوع لإملاءات دول الحصار، والتي تعني ببساطة إلغاء سيادتها وإرادتها وإرادة شعبها المتسامح السخيّ الذي لم يدخر وسعاً في الوقوف مدافعاً بصلابة عن قضايا الأمة العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

    

  

ورغم مرارة حصار الأشقاء، والأضرار التي أصابت المجتمع القطري على يد إخوة الدين؛ إذا بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يتحدث في خطاب هادئ متزن "خطاب العقل والوجدان" يفتخر فيه بشعبه المُحَاصَر ويواسيه ويؤازره ويشد على يديه، ويشيد بجَلَده وصموده وعدم تخليه عن أخلاقه وقيمه رغم المعاناة، ثم يحثهم فيقول: "رغم المرارة التي أحدثتها هذه الخطوات فإن الحكمة السائرة الأكثر انتشاراً في المجتمع القطري هذه الأيام هي "رب ضارة نافعة" والتي تتوافق مع الآية الكريمة "وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُم".

  

مثلت كلمة الأمير الشاب حكمة الشيوخ في مواجهة الأزمات، حكمة مستندة إلى توجيه قرآني كفيل بمواجهة الجوائح والملمات، ودافع نفسي لعدم الاستسلام لظواهر الأحداث التي تجزع منها النفوس وتدعو إلى الإحباط واليأس. انطلقت قطر تبني وتستثمر وتؤسس لاستقلالها الاقتصادي، واعتمدت على ذاتها في مواجهة ما يحيق بها وجعلت من المحنة منحة، وتمكنت سريعاً من إيجاد البديل وأفشلت الحصار بحنكة واقتدار.

  

قطر اليوم ليست كقطر قبل عام، فقد خرج الشعب القطري من الأزمة بسلام وقد اشتدّ عودُه، وذاق معنى التحدي والصمود والنضال من أجل عزّته وكرامته وسيادته واستقلال إرادته. بعد عام أصبح 5 يونيو/حزيران 2017 يوماً فارقاً في تاريخ قطر، فقد بات مناسبة ملهمة قدم فيها الشعب القطري للعالم أعظم درس في كيفية إدارة الأزمات العاصفة، وعلم الدنيا بأسرها كيف تنتصر الإرادة على الحصار.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة