معضلة التقدم.. هل تخلينا عن الدين هو سبب تخلفنا؟

11/6/2018

ذات مرةٍ كنّا نجلس سويًا في المستشفى فإذا برجلٍ يقوم بفتح علبة السجائر ويخرج سيجارة منها ويشعلها دون أدنى احترام أو مراعاة لخصوصيات المرضى والزائرين والعاملين في المستشفى، فقال لي صديقي إن هذا الرجل لو كان يعيش في دول الغربية لما تجرّأ أن يفعل ذلك، وإن الغرب رغم كفره البواح بالله عزّ وجل إلا أنه يفوقنا أخلاقيًا وإنسانيًا ثم استطرد قائلًا على ما يبدو أنهم مسلمون أكثر منا نحن المسلمين، أومأت له برأسي دون أن أتحدث ثم سألته متهكمًا ما الذي يجعلك تتحدث بذلك؟ وعلى ماذا استندت في حديثك وطرحك؟ وما هي الأسباب التي جعلت المواطن الغربي يمارس هذه السلوكيات الحسنة دون رقيب عليه إلا ضميره؟ أوليس نحن أحق منهم بذلك؟

  
تنهد صديقي ثمّ قال إن السبب يعود في ذلك إلى سوء التربية والتعليم وقلة الوازع الديني، فقاطعته قائلاً: أوليس أنت من تُناقض نفسك حين تعزو ذلك لقلة الوازع الديني، فالغربي الذي تتباهى به يعيش بلا دين قويم تستقيم به حياته ولكنه يمارس السلوكيات الحسنة والقيم الفضلى، ونحن المسلمون أصحاب الدين القويم الذي به تستقيم الحياة نمارس السلوكيات السيئة والتصرفات الشنيعة. وحتّى تعلم قدر المأساة التي يعيشها العالم العربي عليك أن تدرك أن ما يعيشه المواطن من ويلات ونكبات كثيرة ولا يمكن حصرها ولا علاقة لها بقلة الوازع الديني وبعده عن الله عزّ وجل وعدم التمسك بالدين الحنيف الذي يتحدث عنه الموالين للأنظمة ومشايخ السلفية، وإنّما يعود لسطوة الأنظمة التي لا تسمع صوتًا سوى صوتها، ولا ترى إلا ما تراه بعينها، ولا تنصت إلا لمن يتحدث بلسانها، وترفض ما دون ذلك جملةً وتفصيلًا. 

  
وثمّة أسئلة تحتاج لأجوبة منطقية وواقعية:

المواطن الغربي ليس أفضل من العربي كما يُروج التافهون سوى أن الغربي يمارس الحرية بكل حرية في بلاده بخلاف العربي الذي لا يجرؤ أن يفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان

ماذا تتوقع من أنظمة تُلصق تهمة الإرهاب بمواطنيها؟ أين هي الشرعية التي تستند عليها هذه الأنظمة لتُلفق التهم لمن تشاء وقتما تشاء وكيفما تشاء؟ ثمّ ما علاقة ضياع الأمة واندثار ثرواتها واستباحة دمائها بقلة الوازع الديني الذي يتفوه به علماء السلطان ومشايخ الحكام ودعاة الضلال، ولو كان الأمر كذلك لماذا تزدهر أوروبا وتتقدم وتتطور وتصل إلى أعلى القمم وينتشر في أوساطها العدل والتسامح، ونحن نسير إلى الهاوية والانحدار والتخلف والرجعية والظلم هو المنتشر، ولماذا يعمل المواطن الغربي بكل إخلاص وجهد لرفعة وطنه بينما يعمل المواطن العربي بدون نفس ويتظاهر بالدين وهو متسيب في عمله؟

  
حاول صديقي أن يُقنعني بأن سبب ضياع الأُمّة وخنوعها واستباحة دمائها هو قلة الوازع الديني لديها لكنه لم يُفلح في إقناعي عندما سُوقت له أدلة قطعية أن الغرب يعيش بلا دين لكنه قويٌّ ومتماسكٌ وصادقٌ في معاملاته ومنسجمٌ مع ذاته والعدل منتشر في أوساطه والحرية من أهم مقومات حياته. ثم قلت لصديقي دعك عنك هذه الأفكار التي غرسها في عقلك علماء السلاطين ومشايخ القصور ودعاة الضلال فأن سبب ضياع الأمّة وفقدان بوصلتها وتشتيت شملها هي الأنظمة التي تحكمها الفاقدة لشرعيتها التي جاء بها الاستعمار خلفًا له بعد أن أجبره أجدادنا على الرحيل، وهي تحكم بالقوّة والغلظة والشدة ولا تسمح بأي مظهرٍ يُخالف مظهرها، وكلما حاولت القلة من الشعوب أن تتنفس الحرية والصعداء صدتها بقوة ووضعت قوانيين جائرة تُجرِّم كل من يُفكر برفع الظلم وانتشار العدل والمطالبة بالحرية، وإن الإنسان في العالم العربي يُولد مستعبدًا وكلما حاول أن يفك قيد الاستعباد تُلجمه السلطات بالهروات والاعتقالات حتى تغرس في معتقده أن الحرية خطيئة كبرى وجريمة عظمى.

  
إن الأنظمة بظلمها واستعبادها للناس جعلتهم بلا دين ونزعت عنهم غطاء الأخلاق وزرعت في أوساطهم الفساد والغش الكذب والتزوير والخداع وعزّزت النفاق، وغيّرت المفاهيم، ولو كانت هذه الأنظمة منتخبة وتستمد شرعيتها من قبل شعوبها لما تجرأ من يحكمها أن يخرج عن ثوابتها ولعمل ضمن مبادئها، لكن من يحكمها فاقد للشرعية التي تؤهله لحكم الناس وهو يرى أن الوطن مزرعة له، وأن الشعوب التي تسكن في هذه المزارع أي الأوطان عبارة عن قطيع يُسيرها كيفما يشاء ولا يحق لها أن تناقش أو تسأل والمطلوب منها أن تركع وتخضع وتصفق له، ولو كانت هذه الأنظمة منتخبة من قبل شعوبها وبإرادة حرة ونزيهة لاختلف حال الأمة كليًا عمّا هو عليه اليوم، فإن كثيرًا من المعاملات البسيطة في شكلها العظيمة في مضمونها وجوهرها ستتغير.

  

 على سبيل المثال لا الحصر إن النفاق والكذب والتملق والغش سيقل نوعًا ما وسيتبدل الحال إلى حالٍ أفضل، وإن المواطن الغربي ليس أفضل من العربي كما يُروج التافهون سوى أن الغربي يمارس الحرية بكل حرية في بلاده بخلاف العربي الذي لا يجرؤ أن يفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان، وإن هذه الأمة لن تتغير حتى تغير أنظمتها بأنظمة منتخبة، وإن هذا الطريق مكلفٌ وشاق، وعلى الأمة أن تُدرك بأن الحرية لا توهب بالمجان، وخوضها يحتاج لأنفاس طويلة، وصبر لا ينفذ وتحملٍ كبير وتضحيات جسيمة، فلا تظنوا أنها مفروشة بالورود بل بالأشواك والنار ومحفوفة بالمخاطر والصعاب، ولهذا تعرف الناس أن ثمنها غالٍ فتحاول عدم الاقتراب منها خشية السياط والاعتقال، وتدرك أن العبودية لا ثمن لها فتؤيدها وتعشقها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة