مصطفى فاخوري
مصطفى فاخوري
1.4 k

إلى الباقية (1).. هل أعددت لها؟

12/6/2018

لا أدري ماذا أقول... هل كان لِعَيْناي السَّبْقَ في تَكْحيلِهما بِكَمال مَشْهدٍ جَميلٍ فيه من مَعانٍ لا توصَف من وضاءَتِها، أم أقول... أنه كان للقلب صَدْمة حتى اسْتَفاق من غَيْبوبَةٍ عاشَها سِنين طَويلة لم يَأْتيه تَنْبيه آخِرَةٍ لِيَكون تَغْيير حالٍ إلى حال. هي لوحةٌ فيها كمال وبُعْد أُفُقٍ وفيها من عِبَرِ الدُّنيا ما تُنْسينا حَلاوَتها الزَّائِلة وتُذَكِّرنا بِطَعْمٍ آخرَوِي لا يَزول.

أذْكَيْتُ عَيْني على رَجُلٌ كان في الصَّف الأَوِّل لصَلاةٍ مع جَماعَةِ مَسْجِدٍ، وهو للجسد اكتساء ثوب بياضُهُ من بياضِ الثَّلج تَنْبَهِر منه الأَعْين من رَوعةِ بريقِه، وعلى رأسه ما يُطَوِّق شامَة لتكون له تاجاً لسُنَّة اقتدى بها عن رسوله، ووَجْهٌ ناصعٌ تَشِعُّ منه المعاني ما تُتَرْجم فيه عَبير جنة ورَيْحانٍ وأزهارِ. كانت جميع الجَوارح خاشِعة لله سبحانه، تَتَأَلَّق بِذِكْره، وتَنْعم بجو مِحْرابِه، وهي في سَعادة وفَرح، فلا تريد التوقف عن عِبادته، ولا تريد الخروج من بين يَدَيْه، إلاَّ أن يكون الله قد غفر لها. فلم يأتي هذا الرجل إلا رجاءَ مغفرة ورحمة وزَوال سَّيِّئة، ويَطْلب خُلوده في جنة واسِعَة، والخروج من الدُّنيا سَليم الرُّوح وجسد مُسْتَأْمن مُعافى، يرجو الله في أن يُكْمل له الحسنة في الدنيا، وأن يَنْعم عليه بحسنة الآخرة.

وفجأة.. خَرَّ هذا الرجل ساجداً بِتَدَخُّل طبيعةٍ لم يكن له يدٌ فيها بل هي مَشيئَة، حتى وضع رأسه وجَبينَه على الأرض سُجود المُصَلِّين، والمصلون واقفون وكأنهم في معركةٍ مُنْكَمِشين مُحْتَرِزين، حتى تَبَخَّر استِشْعارهم في وقوفِهِم أمام خالِقِهم، فاكْتَسَبها الرجل قطرات ندى من مشاعرِ رأفةٍ وخوفِ رحمة، ظَنّهم أنه استَغْرق في السجود تَضَرعاً وخِيفَة وتَجْليل اسْتِكانَة وخُضوع، ومنهم من قال لَعَلَّه مَريض فارْتَئَى أن يسجد استراحة إجلالٍ للخالق وخُنوع. بَقي الرجل في سُجود والمصلين في تَنَبُّهٍ وتَحَصُّفٍ ولِرُقادِهِم تَطْييرِ، وتَرَقُّب القلوب حتى ذَهُلت أَعيُنهم فأُيْقَظوا رائِدَ رَأْيهم لطول السُّجود..! ينتظرون بِشَغَف انتهاء صلاة لم تَعُد بِصلاة، فقد تَحَوَّلت من عِبادة إلى عادَة وهذا حال من لم يكن في استشعار وجود خالق. حاول الذي على يمينه أن يحرِّك رأسه قليلاً، وحاول الذي على يَساره أن يَرْفع يَدَه شيئاً، ولكن... لا فائدة.

لقد كانوا في غفلةٍ عن زائرٍ لم يتوقعوه، هجم عليهم بَغْتَة وهم ناظروه، زائرٌ ليس له سابق إنذار ولا موعد ولا انتظار، وليس له تَزاوُرٍ ولا منه تَجاوُر، ولا اتفاق في مكان ولا جَمْعَةٍ في أيِّ زمان

فرِغُوا من صلاتهم وما لَبِثوا، حتى هَرَعَوا فَنَصَبوا الأبصار عليه، فَمالوه على جَنْبه الأيمن وحاولوا أن يتأكدوا من سلامة حالِه، منهم من تغير لونَ وجه فعرف الحقيقة، ومنهم من لم يُصدِّق ورَبَط أمله بالله في أن يكون على قيد الحياة، ومنهم من خرج ولم تكن هذه الحادثة سوى لحظات وانقضت! حتى حملوه بالأيدي والأكتاف، كالهواء في خفة للوزن، وكالحرير من مَلْمسٍ للجسد، وكالخيال ما فاقَ الجمال.

لقد كانوا في غفلةٍ عن زائرٍ لم يتوقعوه، هجم عليهم بَغْتَة وهم ناظروه، زائرٌ ليس له سابق إنذار ولا موعد ولا انتظار، وليس له تَزاوُرٍ ولا منه تَجاوُر، ولا اتفاق في مكان ولا جَمْعَةٍ في أيِّ زمان، ملك للموت مأمورٌ جاء إلى رجل لِيُحسن الله خاتمته في مكان مُبارك وفِعْل مُبارك، جَوارح نطقت بِتَسبيح خالقها فاستَعَدَّت لِلِقاءه، رُوح في جسدٍ عَلِمت أن أجَلها قريب، وهي مرفوعة وعن الجَسَد سوف تَكون بَعيد، وفَّقَها الرَّحيم في عباده في أن تَسْلك طريق بَيْتِه، لتبدأ بالصلاة ولِسان مُعَطَّر بذكرهِ وتَسبيحه، وأعين تنظر إلى مكان السجود تَضرعاً وخِشْية، ومَشاعر تَتَأَجَّج بمعاني القرآن، وآذان في تَناغُم وطَرَب بصوت الإمام.

نَظَرْتُ وتَمَعَّنْت وفَكَّرْت كثيرا في هذا المشهد، ولكن ليس فقط بالرجل الذي أحسن الله خاتمته التي آمل من العلي القدير أن يَرْزُقه ويَسْكِنه فَسيح جناته وإياي وجميع المسلمين، ولكني تَفَكَّرت بالذي على يمينه ويساره بعد مَعْرفتهم للحقيقة كيف كان شعورهم؟ وكيف كان حالهم؟ وكيف سوف تكون بعد خروجهم من بيت خالقهم؟ فما لَبِثْت لِلَحظات قليلة حتى جَعَلْت نفسي مع المصلين الغَفيرة، فَرَأَيْتَني بجانب هذا الرجل حتى قلت فَتَمَنَّيْت، أن يأخذني الله مَكانه فأخرج من حياة فانية، إلى حياة خالدة على هَيْئَة مَشَرِّفة، وصلاح أعمال لي مُلاصِقة.

تذكرت بعدها قول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه: (إذا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فاحتملَها الرجالُ على أعناقِهم، فإن كانت صالحةً قالت: قَدِّمونِي قَدِّمونِي. وإن كانت غيرَ صالحةٍ، قالت: يا ويلَها! أين يَذْهَبُونَ بها؟ يَسْمَعُ صوتَها كلُّ شيءٍ إلا الإنسانَ، ولو سَمِعَها الإنسانُ لَصُعِقَ)، حتى وجدْتُ أن من الأَثَر والوَفاة الصالحة يكون فيها المُتَوفَّى خَفيف حَمْل، وكأن الله يُسَخِّر خَلْقَه في أن يكونوا عَوناً لأوليائه، فانْصاعَت وضَعُفت الجاذبية لكي لا يَنْخَفض، فيكون له الرفعة في الشأن والعُلو، حتى وهو على الأكتاف مَحْمول، فيكون الجسد مُنْساق بدون إرادةٍ وطَواعية، ولسان حاله يقول وفي عجلة من أمره: قَرِّبوني قَرِّبوني... فقد أَدْنى الله عليَّ ما ارْتَدْتُ، وقَرَّبَ عليَّ ما رُمْتُ فالحمد لله على ما أَتْمَمْتُ.

يخرج من الدنيا وآخر ذِكْراه مع الأحباب، بِخِفَّة وزنٍ ولهم قَليل مُعاناة، فأحسن هذا العبد لِحامِليه كما أحسن الله له في وفاةٍ يَرْجوها حَالمين، بعدم إيذائِهِم بسبب رَفْعِهِم له على الأَكتاف، والتَّخْفيف عليهم من وَجع الأيادي والأقدام، حتى كان ذلك زيادَة تَكْريم، للعبد الصالح من الله العزيز الرَّحيم، حتى جعله وهو في مَثْواه الأخير يُطَبِّق قوله سبحانه: (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ).


يبدأ الطريق المُؤَدِّي إلى المقبرة المُكَنَّى بِطَريق الموت والآجال المُقَدَّرة، فموت الإنسان يَنْقل أَثَره في كل خطوة يَتَقَدَّمُها، والناس من وراءِهِ يُسْلَبوا الحياة بشكلٍ تَدَرُّجِيٍّ دَفِين

مواقع التواصل
 

وفجأة... انتابني شُعور الرَّهبة عندما تَفَكَّرْت بسوء الخاتمة دون حُسْنِها، وكأنَّها أوامر ربَّانية بأن تَجْذِب الأرض الجَسَد فتكون الرَّقَبَة مَلْوِيَّة، والرَّأْس مُطَأْطَأٌ ذَليل والرُّوح مُخْزِيَة، وكلما زادت الجاذبية ثَقُلَ العِبْء وأَذِيَّته لِحامِليه، وهي تَجُرُّه إلى الخَلْفِ والجسد هارِبٌ مما سَيُلاقِيه، هي الدنيا تريد إِرْجاعه لِقُوَّة العلاقة التي تَجَسَّدت وربَطَت بين عَشيقَيْن، وهي لِمَن اشْتَراها وفَضَّلَها على سعادة فِرْدَوْسِيَّة، ولسان حال المتوفى يقول: أَخِّروني أَخِّروني... فقد أَخْفَقْتُ في صحيحِ مغْزاي، وحُسِرْتُ عن بُلوغِ بُغْيَتي في الفانِيَة وفي الباقِيَةِ خسارتي والنار لُقْياي.

أثار هذَيْن المَشْهَدين مَشاعر لا تريد الخُروج من قُضْبانِها، ولا تَريد التَّعْبير عن حقيقة هي إما غافِلَة عنها وإما مُتَكَبِّرة، حتى تذكرت حديث الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (كنتُ نَهيتُكم عن زيارةِ القبورِ فزورُوها...). فكان صلوات الله عليه على علمٍ بالغٍ في نَفْس الإنسان إيحاءا له من الله بِضُعْفِه عندما يعيش في مَتاع الدنيا ويَنْشَغل عن الآخرة، وفي نفس الوقت على عِلْمٍ بِعُدولِهِ ورِقَّة قَلْبِه ورُجوعِه لِصَوابِه عندما يرى مثل هذا المَآل إلى القُبور، فيتذكَّر ما له وما عليه من حُقوق وواجِبات، ومن عدْلٍ وعلى غيره من ظُلمات.

رجلٌ أَشْفَقَ على من خَلَفَت يداه من مال وزوجة وأولاد، استعاض عن بَيْتِهِ لِيَسْتَأْنِسَ بِنَعيم.. مَقْبَرة، وحَوَّل بَيْتَه حُزْنا عليه.. مَقْبَرة، كان له من الحَوْل أن جعل زوجته وولده ممن يَبْكون على فَقيدِهِم في الدنيا، وهو مَمَّن كان يَبْكي حِرْصاً على خُروجه من الدنيا. هي مَيْتَة يتمنَّاها كل من له مَكَبٌّ عامِر من الإيمان، يَتَخَلَّلَها صَلاح أَعمالٍ مَنْبَعُها رضى من خَلَقَ الخَلْقَ هو الرَّحمن، مخلوقات ليس لها من عِلْم الغَيْب شيء فَتَحْزَن لِمَوت، ولا تعلم أنها قد تكون في حياةٍ بعد موت.

اخْتِلاف الدَّمْع والأَحْزان باخْتلافِ الخَلْقَ من إِنْسٍ وجانٍ وحيوان، وجَماد وما في باطنِ الأرضِ وفي أَعْماق البِحار من أَسْماكٍ وحِيتان، هي أَسْياجُ أحزانٍ شائِكَة طَوَّقَت أَحْياء تَذَكَّروا مَصيرَهم بعد رُؤْية أموات

يبدأ الطريق المُؤَدِّي إلى المقبرة المُكَنَّى بِطَريق الموت والآجال المُقَدَّرة، فموت الإنسان يَنْقل أَثَره في كل خطوة يَتَقَدَّمُها، والناس من وراءِهِ يُسْلَبوا الحياة بشكلٍ تَدَرُّجِيٍّ دَفِين، فتضْمَحلّ القلوب حُزْنا، وتَذْبَل العُيون بُكاءًا، ويَهْرم الجَسد ضُعْفاً، والأَرْجُل في تَقَدُّمٍ تُثْقَل، والتُّراب على الأقدامِ يَتَحَوَّل، من لونِهِ الطبيعي إلى بَاهِتٍ أَصْفَر، تَنْخَطِف الأَنْفُس، وتَلْهَث الأَلْسُن، فالطريق طويلة، والحياة قصيرة.

والشمس السَّاطعة سِهامُها مائِرة، فَقَدَت طَبيعَتَها لِتُخْفي أَشِعَّتَها حُزْنًا على الفقيد، ورحمة له فكانت على الجسد زَمْهَرير، ووجه للسَّماء... في انغماس مع الملائكةِ في ساعات الصَّفاء لتجهيز مَراسم اسْتِقبال، ووجه آخر... لها في الدنيا اشتياق حتى انْغَمَسَت في أحزانٍ فكانت للناظِرِ سَماءًا باكِيَة، تَذْرفُ الدَّمْع من هَمُومِ غُيومٍ هائِمَة، تَبْكي فتَزيد البَّحر ثُقْلاً فتُحَوِّل خِفَّة أمواجٍ إلى أثْقالٍ مُسْتلقِية، والأرض من ثَباتٍ إلى أصواتٍ شَجِيَّة، والتُّراب من بعد انكِبابِ الدَّمْع وَحْل، وللشَّجر والزَّهْر يَبْس، والسَّاقُ لِحَمْل الثَّمر وَهْن، والأوراقُ من الأَغْصانِ تَنْكَبُّ بُكاءًا وحُزْن.

فاخْتِلاف الدَّمْع والأَحْزان باخْتلافِ الخَلْقَ من إِنْسٍ وجانٍ وحيوان، وجَماد وما في باطنِ الأرضِ وفي أَعْماق البِحار من أَسْماكٍ وحِيتان، هي أَسْياجُ أحزانٍ شائِكَة طَوَّقَت أَحْياء تَذَكَّروا مَصيرَهم بعد رُؤْية أموات، مَصير عَلِموا خَباياهُ لِفِقْهِهِم بما اجْتَرَحوا من أفعال، فكان الوَقْع أكبر باختلاف أَحْوالهم، فَشَتَّان بين من كان للموتِ تَرْحيب وتَهْليل، ومن كان بالهُروبِ والبُعْد عنه... بلا سَبيل. ولكمال المشهد بَقِيَّة... في الجزء الثاني إن كان لنا في الحياة بَقِيَّة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة