هيشيكا ديجاهاوثورا
هيشيكا ديجاهاوثورا
132

التحدي التكنولوجي الذي يواجه صناعة الملابس

12/6/2018

لسنوات عديدة، هيمن على المناقشة الدائرة حول صناعة الملابس العالمية السؤال التالي: أين صُنِعَت ملابسك، ومن صنعها؟ ولكن اليوم، يبرز سؤال أكثر أهمية: كيف صُنِعَت ملابسك، وبماذا صُنِعَت؟ الواقع أن ما ترتديه يعتمد على تكنولوجيا عالية، سواء كنت تعرف ذلك أو تجهله. فبعد عقود من الإنتاج الكثيف العمالة بواسطة عاملين في الجنوب العالمي، يحل الذكاء الاصطناعي والروبوتات محل البشر في المصانع. ولكن برغم أن هذه التحولات ستجلب منافع جديدة للمستهلكين ــ مثل التسليم الأسرع والملابس المصنعة حسب الطلب ــ فإنها لن تأتي بلا تكاليف. إذ تهدد التغيرات الطارئة على نموذج الأعمال في صناعة الملابس أرزاق الملايين من البشر في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل، وسوف تخلف الكيفية التي ستتكيف بها هذه الاقتصادات مع الواقع الجديد تأثيرات بعيدة المدى.

 

اليوم يأتي أكثر من نصف صادرات العالم من المنسوجات، ونحو 70% من صادراته من الملابس الجاهزة، من اقتصادات نامية. ففي آسيا، يعمل نحو 43 مليون شخص في صناعات الألبسة، والمنسوجات، والأحذية، ويشكل النساء ثلاثة أرباع قوة العمل. ومن الصين إلى بنجلاديش، ساعدت صناعات المنسوجات والملابس في تسهيل تمكين المرأة وانتشال أجيال كاملة من براثن الفقر. الأمر ببساطة أن نهاية هذه الوظائف ستكون مدمرة.

 

ستكون الابتكارات مفيدة لصناعة النسيج والملابس. فهي لن تجعل التسوق أكثر إمتاعا فحسب؛ بل ستعمل أيضا على زيادة كفاءة الإنتاج وخفض التكاليف

لكن الحفاظ عليها لن يكون سهلا. ولكي نفهم ماذا تواجه الشركات في جنوب الكرة الأرضية، فما علينا إلا أن نفكر في المنافسة التي تواجهها. على سبيل المثال، في العام الماضي حصلت شركة أمازون للبيع بالتجزئة على شبكة الإنترنت على براءة اختراع في الولايات المتحدة لنظام تصنيع الملابس "حسب الطلب" والذي يمكنه تكييف المنتجات خصيصا والوصول بالمنتجات إلى المستوى الأمثل من أي مكان، بتكاليف أقل. وقد فازت الشركة بالفعل بالموافقة على إنشاء أول مصنع إنتاج، والذي سيكون في نوريستاون في بنسلفانيا. تأتي هذه التحركات بعد عامين من إعلان أمازون عن إنشاء خط خاص للملابس. ومع الاختراعات المستقبلية مثل تحليل الذكاء الاصطناعي لاتجاهات الموضة بل وحتى مرآة "الواقع المختلط" لإلباس المتسوقين على الإنترنت افتراضيا، سوف يزداد عمق مشاركة شركة أمازون في تجارة الملابس وتأثيرها عليها.

 

على أكثر من نحو، ستكون هذه الابتكارات مفيدة لصناعة النسيج والملابس. فهي لن تجعل التسوق أكثر إمتاعا فحسب؛ بل ستعمل أيضا على زيادة كفاءة الإنتاج وخفض التكاليف. وفي نهاية المطاف، سوف تتمكن العلامات التجارية الكبرى من الاستجابة بسرعة أكبر لأذواق المستهلكين مع الإبقاء على المخزون منخفضا والحد من إنتاج الملابس الزائدة عن الحاجة. وربما تكون مسألة وقت فقط في واقع الأمر قبل أن تغير الماركات التجارية للأزياء الراقية علامات "صُنِع في" من الدول النامية إلى "صُنِع بواسطة خدمات تصنيع أمازون". المشكلة هي أن كل هذه التغيرات تعني فرص عمل أقل لكثير من الناس. ومع مواجهة المصانع لاحتمال الإغلاق، تفقد المجتمعات الدخل وتهتز الاقتصادات. والسؤال الآن هو ماذا يجب على صناع السياسات أن يفعلوا حيال ذلك.

 

في العديد من الصناعات، يعني الإبحار عبر ما أطلق عليه كلاوس شواب في المنتدى الاقتصادي العالمي وصف الثورة الصناعية الرابعة تنظيم التكنولوجيا. ولكن في تجارة المنسوجات والملابس، لن يكون هذا وحده كافيا لحل المشكلة. وبدلا من ذلك، يتعين على الصناعة أن تتبنى منهجا أكثر وعيا بمجريات الأحوال في العالم وتركيزا على البشر في التعامل مع الأعمال. ومن الأهمية بمكان تقييم التكنولوجيات الجديدة مع وضع التكاليف البشرية في الاعتبار ــ قياسا على الدخول المفقودة، وسبل العيش المحطمة، والأسر المقتلعة من جذورها.

 

للمساعدة في تسهيل الانتقال من اليدوي إلى التصنيع الحديث، يتعين على الشركات والحكومات أن تبدأ في تحسين معرفة الموظفين الحاليين بالتكنولوجيا

مواقع التواصل
 

علاوة على ذلك، يتعين على شركات التكنولوجيا أن تعمل على نحو أفضل فيما يتصل بالتعاون مع صناع الملابس في إدارة منصات المستقبل. ومع تطور وظائف المصانع التقليدية، يصبح دور الخدمات التكنولوجية أكثر أهمية. وكما تتعطل ماكينات الخياطة وتحتاج إلى المعايرة، فسوف تكون هذه أيضا حال طابعات الملابس وأنظمة التغليف في المستقبل.

 

أخيرا، للمساعدة في تسهيل الانتقال من اليدوي إلى التصنيع الحديث، يتعين على الشركات والحكومات أن تبدأ في تحسين معرفة الموظفين الحاليين بالتكنولوجيا. وإذا كان للقوى العاملة اليوم أن تستبقي على أهميتها في اقتصادات الغد، فسوف يحتاج الموظفون إلى المهارات اللازمة للمساهمة. ولكن لكي يتسنى تحقيق أي من هذا، يتعين على القادة في الدول النامية أن يتصالحوا مع حقيقة قاسية: فلم تعد المجمعات الضخمة من العمالة الرخيصة ميزة استراتيجية في الاقتصاد العالمي. وهناك حاجة ملحة إلى إعادة اختراع الصناعة. وينبغي للحكومات أن تدعو إلى إبرام اتفاقيات تجارية تعمل على تخفيف أثر الصدمة عندما تُفقَد الوظائف في قطاع التصنيع، في حين ترسي الأساسي للانتقال إلى صناعات أكثر اعتمادا على التكنولوجيا. من ساحات المصانع إلى المكاتب الحكومية، نحتاج إلى تدابير جريئة إذا كان للجنوب العالمي أن يظل على أهميته وتأثيره في صناعة الملابس العالمية. الواقع أن التغيير ليس آتيا لعالَم صناعة الملابس، بل إنه وصل بالفعل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: بروجيكت سنديكيت.

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة