القدر يحدد ملامح الإيمان عند الإنسان

12/6/2018

من أساسيات الإيمان ومكملاته أن يؤمن الإنسان بالقدر خيره وشره، وإيمانه به يقتضي أن يفهم معنى هذا الركن ويستوعب أبعاده وحيثياته، إذ لا يمكن أن يفهم المسلم أن الله تبارك وتعالى يقدر الشر للإنسان؛ لأنه لو فكر في ذلك أو شك أن الله سبحانه وتعالى منزه عن تقدير الشر لعباده لكانت المعضلة؛ لذلك يستشكل هذا المفهوم عند كثير من الناس الذين لا يقدرون على بلورة هذا الركن في حياتهم العملية، ومما هو مؤكد ويقينا أن الله سبحانه وتعالى يريد الخير لعباده وهو الخالق العالم بسرائر الإنسان والكون ويعلم ما ينفع الإنسان وما يضره قبل أن يعلم ذلك الإنسان نفسه؛ لأن هذا الأمر في علمه قد سبق، ومن ذلك قوله تعالى: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» وقوله عز وجل: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» ويقول: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا" وغيرها من الآيات الكريمة التي تبين مما لا ريب فيه أن الله تبارك وتعالى لا يريد إلا الخير للإنسان.


ولكن بالمفهوم الإنساني للحياة حيث يعيش ابن آدم التناقضات، وحيث لا يعلم الغيب من خلال التصرفات، يتمحور فكره حول هذه المتناقضات التي يعيشها، كالحياة والموت، والخير والشر، والحسن والقبيح، وغيرها من الأضداد التي يعايشها الإنسان ويتفاعل معها سلبا وإيجابا حسبما تبدو له؛ لأنه من المعلوم أن البشر تبدو لهم البداوات، بينما الخالق عز وجل عالم بكل الأسرار، عالم بما كان وما سيكون وما لم يكن وما كان سيكون حتى لو لم يكن، تلك هي فلسفة القدر في علم الله تعالى، وعلينا أن نفهم نحن البشر أن ما نراه شرًا وقع علينا وفي علمنا أنه شر وأنه مقدر من الله تعالى، هو شر في نظرنا القاصر وفي علمنا البشري الذي -كما قلت- يتلون بين الخير وضده، ولكن في علم الله تعالى خير عظيم، والدليل قوله تعالى: "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ".

 

القضاء بيد الله تعالى، نؤمن بذلك إيمانا يقينيا صادقا، فهو فعال ما يريد، بيده الخير كله، لا يظلم أحدا أبدا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، خلق الخلق وأودعهم التمييز بين الحق والباطل

وعندما قال سبحانه وتعالى هذه الآية إنما يريد أن يُفهم البشر أن ما تكرهه النفس قد يحمل خيرا كثيرا، وأن ما تُقبل عليه النفس بقوة ربما فيه شر كبير، وكلاهما يعود على الإنسان لا على الخالق، فالله عز وجل خلق الخير والشر بمفهوم الإنسان لا بمفهوم الخالق؛ لأنه سبحانه خير كله ويريد الخير للإنسانية، ولا يمكن ولا نتخيل أنه يريد الشر لهم؛ لأن ذلك يتناقض مع خيرية الله عز وجل المطلقة، وأن الله تعالى منزه عن الشر، فهو خير كله في صفاته وأفعاله؛ ولذلك قيل هو يمنع ليعطي، ويقبض ليبسط، ويضر لينفع، وكلها مفاهيم يبسطها المولى عز وجل حتى يستوعبها عقل الإنسان المحدود.

 
وما روي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يدعو بهذا الدعاء: "اللهمَ إنِي أعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ" إنما يريد أن يبين أن الله تعالى يبتلي عباده بما شاء، وقد يظن المؤمن نفسه أنه بلغ مرتبة من الإيمان فتحدثه نفسه أنه مقرب من الله ومحصن من الآفات وأنه قادر على مواجهة الأقدار، وقد نسوق هنا مثالا على سوء القضاء لتقريب المفهوم، فمثلا لو خطب الخطيب في الجامع أن المؤمن ينبغي عليه أن يغض بصره لما فيه من تحصين النفس من الوقوع في الخطيئة والمعصية، ويأمر الناس بالتقوى والابتعاد عن كل رذيلة، وأن يتقوا الله في الشبهات، وإذا بالخطيب بعد انتهاء الخطبة يُمتحن، وبينما هو في الشارع قدر الله أن تمر بجانبه امرأة ذات حسن وجمال أخاذ ولباس جاذب، فهنا الامتحان هل يغض بصره كما أمر هو الآخرين؟ أم ينظر إليها نظرة بدعوى أنها الأولى؟ أم يتمعن في محاسنها ويستغفر الله أنه ارتكب ذنبا؟ أم أنه ينظر ولا يبالي؟ فالقدر هو لقاء الخطيب المؤمن بامرأة ذات حسن وجمال، والظاهر أن المرأة بلباسها المتبرج شر في نظره ينبغي اتقاؤه، وهو في الوقت نفسه امتحان ينبغي اجتيازه، فإن نجح فاز وإن رسب خسر.

 
فالمقصود بسوء القضاء في الدعاء الوارد ذكره آنفا هو القضاء الذي يمكن أن يوقع الإنسان في خطيئة أو معصية أو ذنب، أو الذي يمكن أن يؤدي به إلى عمل يضر به الآخرين من قريب أو بعيد، وبالتالي شرع المولى تبارك وتعالى أن نستعيذ به في مثل هذه المواقف التي تحرج الإنسان وتجعله أمام موقفين أحلاهما مر- كما يقال- بالنسبة له، وفي نظره لأنه يخالف ما تتمنى نفسه وما توسوس له وما تدعو إليه من الاستمتاع واللذة رغم القوانين الإلهية الضابطة والشرعية الداعية إلى الالتزام بما أمر الله سبحانه وتعالى والانتهاء عند نهيه، "وَمَا آتَاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا"؛ ولذلك يجوز الدعاء بهذا الدعاء إذا استوعب الإنسان مغزاه ومعناه، وأدرك كنهه ونتائجه على نفسه وعمله في الدنيا ومصيره في الآخرة.

 

  

على أن القضاء بيد الله تعالى، نؤمن بذلك إيمانا يقينيا صادقا، فهو فعال ما يريد، بيده الخير كله، لا يظلم أحدا أبدا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، خلق الخلق وأودعهم التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، وهي مفردات تسري على البشر لا على رب البشر؛ لأن الخالق واحد في أفعاله واحد في صفاته لا تسري عليه الأضداد، فهو الحق دائما وهو الخير دائما، وهو الحسن دائما، ولكن الإنسان هو الذي ينظر إلى الأشياء التي خلقها الله تبارك وتعالى بشقيها اللذين يحملان الضد، والله خلق الحياة والموت، وكلاهما في علم الله خير، ولكن الإنسان في الدنيا يرى الحياة مثلا خيرا ويرى الموت شرا، وعندما يمعن النظر سيعلم أن الموت الذي خلقه الله عز وجل وجعله فناء لجميع مخلوقاته خير إذا نظرنا إلى المآل الذي سيؤول إليه بعد موته إن هو التزم في الدنيا بالقوانين الإلهية.

 
ومن هذا المنطلق يمكن القول: إن المسلم معرض للافتتان في الدنيا عبر شهواته وغرائزه الفطرية التي أودعها الله تبارك وتعالى فيه، مصداقا لقوله تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"، ولكنه الافتتان الذي يدرك من خلاله العبد أنه مخير في الفعل بين أن يلتزم بما أمر الله عز وجل أو يترك لنفسه العنان ترتع كيفما شاءت، والقدر هو الذي يحدد ملامح الإيمان في نفس المسلم، فيعتبر ما جاءه من خير من عند الله تعالى، وما رآه شرا في نفسه إما أن يكون هو سببا مباشرا في إيجاده أو كان أمرا يحمل خيرا في طياته، فمثلا لو ساق الإنسان مركبته بسرعة جنونية ثم تعرض لحادث مميت وتوفي على إثره، فلا نقول قضى الله ذلك لأن الإنسان كان سببا مباشرا في حتفه وموته، بينما إذا هو قادها بالسرعة المطلوبة ولم يتجاوز قانون السرعة ثم تعرض لحادث ومات لا قدر الله فهنا الأمر مختلف، ربما كان ذلك خيرا له لا نعلمه فلو عاش بعدها ربما كفر كما في حادثة الخضر مع سيدنا موسى عليه السلام عندما قتل الخضر الغلام، قال له موسى "أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا"، لكن عندما اتضح الأمر وهو كما قال الخضر عليه السلام: «وَأَمَا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا» وكذا الأمر في السفينة والجدار تبين الخير في القصة؛ لذلك كان يغلب على موسى صفة البشرية التي تبدو لها البداوات، وهو أمام علم الخضر لا يستطيع أن يصبر على القدر، ويتجلى ذلك في قول الخضر عليه السلام: "ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا".
 

هي في الحقيقة حياتنا التي نعيشها اليوم، قد يعتقد الإنسان أن ما يراه في الدنيا أمر فيه خطر محدق؛ ولأنه لا يعلم ما يأتي بعده يظل قلقا متوترا ربما يتحرك لإنقاذ نفسه حسب طبيعته البشرية وربما تتدخل العناية الإلهية لتنقذه من الخطر إذا تصرف الإنسان وفق إرادته البشرية حتى تفهمه أن ما كان يسعى إليه هو الخطر في حد ذاته فيستسلم بعدها المؤمن لأمر الله تبارك وتعالى ويؤمن أن ما أصابه ما كان ليخطئه وما أخطأه ما كان ليصيبه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة