الجيلالي طاهري
الجيلالي طاهري
147

مظاهرنا الرسمية.. من المذياع إلى التلفاز

12/6/2018

قبل ما يقرب من ثمانين سنة، كتب شيخ الجزائر آنذاك عبد الحميد بن باديس في جريدة البصائر (عدد 144) مقالا افتتاحيا بقدر ما عكس حقيقة الواقع في زمانه فإنه يعكس عين الواقع الأليم اليوم، إلا أن الوضع يختلف بين الجزائر المستغلة والجزائر المستقلة، فكان استهلاله للمقال بالكلمات التالية: "عندما تكون حكومة أمة منها تكون ما تظهر به الحكومة أمتها هي مظاهر تلك الأمة، وعندما تكون حكومة أمة من غيرها لا تكون ما تظهر به تلك الحكومة الأمة هي المظاهر الحقيقية لتلك الأمة".

  
وأما وقد صارت حكومة الأمة الجزائرية منا فقد صار ما تظهر به هو مظهرنا ونتلبس ما تتلبسه على الفضاءات الأثيرية بتنوعها، ومن الفضائح "السمعية" في زمن بن باديس إلى الفضائح "المرئية المسموعة" التي تشين وتهين وترفع الستر وتدثر بلباس الهون والعار في زماننا، واستدار الزمان كهيئته يوم كان عليه الشيخ لنشهد تعاسة الوضع الجزائري اليوم وتدني المستوى إلى أرذل ما يكون عليه خصوصا على الصعد التعليمية. ومن عجائب الاستدارة في الزمان هذه أن الشيخ بن باديس وصف ما بثه المذياع التونسي في ليلة من لياليه فقال:

  

صار الإعلام  يجلي مظاهرنا التعيسة بتفنن ويجهد في طمس وتخريب كل اللوحات التي رسمها الأولون بعلومهم أو ضرجوها بدمائهم بتسيير المنظومة الجزائرية بتسارع نحو النفق المظلم

"وليلة أخرى وقف م. بيرشي المستشرق الفرنسي فألقى محاضرة في مقامات الحريري بلغة فصيحة وكلام بليغ وأداء متقن مما دل على أنه يحترم نفسه ويحترم اللغة التي يتكلم بها والموضوع الذي يتكلم فيه، وقام على إثره السيد قدور بن غبريط الجزائري التلمساني المتخرج من إحدى المدارس الرسمية والوزير اليوم -بلا وزارة- عن المملكة المغربية، فألقى خطابا كأنما أراد مدير المذياع أن يرينا به بعد خطاب م. بيرشي التمايز بين الضدين المتعاقبين فكان مظهرا من مظاهرنا التعيسة".

  
وما أشبه اليوم بالبارحة، فها هي حفيدة قدور بن غبريط ومنذ تعيينها على وزارة التربية الوطنية منذ ما ينيف عن ثلاث سنوات تواصل نهج آباءها في الرطانة واللحن وترسيخ الرداءة بين أضلع أهم هيكل من هياكل بناء الدول وهو التعليم !!!، وليس ينذر ذلك إلا بخطر جسيم يلحق هذا القطاع فتظهر نتائجه على الأجيال الحاضرة وأجيال المستقبل وكل ذلك على حساب تطور وتقدم البلد، إذ لم يلبث الشعب الجزائري بعد الاستقلال أن يجد هويته التي ضاعت بسبب الاستعمار ثم يعرّف نفسه بين الشعوب حتى توالت عليه الحملات الممنهجة من أبناء جلدته لتضربه في الصميم وتنثر بين ثناياه الأدواء المعضلة تكملة لما خلفه المستعمر وإحياء لما قبره المصلحون الأوائل.

  

 ومن العجيب أن تخلف هذه السيدة على نفس الوزارة أحد أعلام الجزائر البارزين ونجما من نجومها اللامعين وهو الوزير الراحل بلقاسم نايت بلقاسم صاحب المؤلفين المهمين: "إنية وأصالة" و"أصالية أم انفصالية" والذي كانت رؤاه في مسائل اللغة تقترب كثيرا من تلك التي سطرها العالم الألماني فيخته، فعنده "أن الذي يفقد لغته ينتهي به الأمر إلى الذوبان، وذلك أن اللغة هي القوة الطبيعية الأولى لأمة ما، فهي صدى روحها وأصالتها، وهي لسان شخصيتها والحافظة لتراثها والضامنة لاستمرارها الروحي والرابطة بين أجيالها إلى آخر الأيام" فشتان بين ذاك وهذي، وكل جهوده في التعريب وترسيخ المقومات لدى الأجيال أتت عليها هذ السيدة ومن قبلها فضاع الحلم وضاعت اللغة في خضم ذلك!

  
والحق يقال أن الطرح الإعلامي الرسمي والخاص اليوم بعمومه اتسم إلى جانب الهزل وعدم الجدية بتركين واضح للرداءة من خلال البحث في قمامات الأخبار وتتبع الفضائح والرذائل في المجتمع وإشهارها على أنها واقع معيش فصار يجلي مظاهرنا التعيسة بتفنن ويجهد في طمس وتخريب كل اللوحات التي رسمها الأولون بعلومهم أو ضرجوها بدمائهم بتسيير المنظومة الجزائرية بتسارع نحو النفق المظلم. وفي مقاله قدم الشيخ بن باديس بسؤال عن مكان الأمة الجزائرية من كل ذلك حين تحدث عن مذياع الجزائر وكيف يظهر للعالم إذ ذاك أمة ماتت فيها العربية واندثر منها العلم والأدب والفن وأصبحت في أحط دركات الجهل والتقهقر وبإسقاط دقيق على واقعنا اليوم مع مختلف القنوات التلفزيونية التي تغزو شاشة المشاهد الجزائري، هل هذه هي حقيقة الأمة الجزائرية؟ لا والله.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة