إسلام السقا
إسلام السقا
164

السينما والعمل الثوري.. أفلام دعت لمقاومة الاستبداد

13/6/2018
يضرب المناضل الإفريقي فرانز فانون مثالاً في كتابه "بشرة سوداء.. أقنعة بيضاء" (1952) على ما يمكن اعتباره "سينما استعماريّة" فيقول ماذا لو قررنا عرض فيلم لطرزان، هذا الابن لزوجين من المستعمرين الإنجليز في أفريقيا والذي تاه عنهما بعد تحطّم سفينتهم فانتهى به المطاف بين أحضان قرود الغابة ليكون بعد فترة وجيزة عالماً بأمورها أكثر من ساكنيها الزنوج "المتوحشين". (1) يقول فانون، أن الطفل الأسود الذي سيشاهد الفيلم في أفريقيا سوف تختلف طريقة رؤيته للفيلم إذا شاهده في أوروبا. ففي الحالة الأولى سيكون من السهل على الطفل الأسود أن يكون متماهياً مع طرزان (أبيض البشرة) في مواجهة الزنوج المجرمين الذين يشبهونه، أمّا في أوروبا فسيتحوّل الطفل من طرزان إلى جزء لا يتجزأ من الزنوج المكروهين الذين يراهم على الشاشة وسط قاعة مليئة بالرجال البيض، وفي كلا الحالتين سوف يدرك أنه من المستحيل أن تعيش أسود اللون دون أن تواجه بعض المشاكل.

 

عندما سُئل المخرج الإنجليزي كين لوتش عن سبب تقديمه دوماً لشخصيات غاضبة في أفلامه، تستخدم العنف في محاولتها الوصول إلى مبتغاها مهما بدا ذلك محرجاً للآخرين، يعدّل لوتش من جلسته ويحني رأسه لليسار قليلاً ويصمت لبرهة قبل أن يتكلّم: "إذا كان لا يوجد في ثلاجة الطفل ما يُمكن أكله ولم يتناول ما يكفيه من الطعام لثلاثة أيام، الأمّ تخجل من الوقوف في طوابير المساعدات، والرجل يستيقظ من الخامسة والنصف صباحاً للعمل ثم يصرفونه بعد ساعة واحدة لانه لم يعد له حاجة، الاذلال المستمر من أجل النجاة، إن لم يجعلك هذا غاضباً فأيّ نوع من البشر أنت؟"(2) يمكن لهذا السؤال أن يكون أساساً لطرحٍ بديل عن ذلك الذي صوّره فانون، فالسينما التي تسعى لإحداث التأثير النفسي والسياسي على حياة المُستَعمرين بأجندة امبريالية يمكن أن يجد آخرون فيها سبباً للتعبير عن أنفسهم باستخدام نفس الوسيط السينمائي فيما يمكن تسميته بأفلام مقاومة الاستبداد.

 

يعتبر مصطلح أفلام المقاومة فضفاضاً بعض الشيء خصوصاً مع تعدد أنماط المقاومة التي يراها البشر سُبلاً لنيل الحقوق المنهوبة، وفي بعض الأحيان يتم استخدام أساليب متماثلة من ناحية سينمائية للتعبير عن شكلين مختلفين تماماً من أشكال المقاومة. (3) ولكنها في جميع حالاتها، سواء في النضال من أجل الاستقلال الوطني أو نيل حقوق مدنية او دفاعاً عن المهمشين، بطرق سلمية أو باستخدام العنف، فإنها تبقى واحدة من أهم وسائل التجييش والدعوة لتبني فكراً معيناً، بدءاً من أفلام البروباغندا وصولاً إلى أفلام الحرب العالمية الثانية. في هذه القائمة نجد ثلاثة أفلام استطاعت أن تصنع حالة نضالية متكاملة تشبه تلك التي نجدها في فيلم معركة الجزائر The Battle of Algiers وما على نمطه من أفلام.

 

 

الريح التي تهز الشعير 2006

إن كُنتَ تُخطط لثورة أو حرب استقلال مسلّحة، فلا بدّ أن تشاهد هذا الفيلم أولاً! قد تبدو هذه جملة ترويجية مبتذلة ولكن ما يعرضه المخرج الإنجليزي كين لوتش في فيلمه هذا يتعدّى مرحلة الدراما السينمائية الاعتيادية إلى التضحية التي قد تستلزم أمّة بأكملها أن تقدّمها في سبيل نيل استقلالها. يُعتبر العمل المسلّح أحد أهم أشكال المقاومة التي عرفها التاريخ وأكثرها تطبيقاً في مقابل أشكال مختلفة يؤمن بها آخرون ممن يرون في استخدام العنف بُعداً عن الحل لا تقريباً له، وهو النقاش الذي يُخصَص له حيزاً لا بأس به داخل الشريط - حقول الشعير الأيرلندية كانت على وشك أن يهزّها ريح العمل المسلّح في الفيلم المنتج عام 2006 والحاصل على سعفة كان الذهبية في نفس العام.

 

إن الدماء التي تسيل في سبيل قضية عادلة يبدو باذلوها أكثر تصالحاً معها. رجال المقاومة الذين بدأوا بتدريب وتسليح أنفسهم ووضعوا قوانيناً صارمة للتعامل مع الخونة ومن تسول لهم أنفسهم طعن المقاومة من ظهرها كانوا على دراية مسبقة بمخاطر هذا الدرب العنيف على أرواحهم وسلامة من يحبونهم أيضاً. يمكن لمس حجم التشابه الكبير بين هذا الفيلم ومسار القضيّة الفلسطينية منذ بدء الحروب والثورات الشعبية وحتى توقيع السلطة الفلسطينية اتفاقيات السلام المذلة مع دولة الاحتلال. انقسم الثوار في فيلم لوتش إلى مؤيدين ومعارضين لعملية السلام، وهو انقسام لا يزال حاضراً بين الأيرلنديين حتى في الوقت الحاضر كما هو بين الفلسطينيين أنفسهم. (4)

 

"عندما جئنا اليوم، رأيت جزءا من الجدار المقام، وهذا الجزء لوحده كفيل أن يدفع إلى الغضب" يقول كين لوتش بعد زيارة سريعة قام بها للأراضي المحتلة في فلسطين. يبدو أنّ الغضب الذي يتملّكه لم يمنعه من وضع نهاية مأساوية لأحد أبطال فيلمه، عندما قام أخيه بتنفيذ حكم الاعدام فيه، بعدما انتمى الأول لقوات الحكومة التي وقعت اتفاق السلام مع التاج الملكي، فيما أبقى الثاني على عمله في المقاومة المسلحة، ليعلن بموته انشقاقاً سيبقى حاضراً بين الجانبين إلى الأبد ولكنه ينتصر في رومانسيته إلى حاملو الأسلحة ومقاومتهم.

  

في بيتنا رجل 1961
أعلن وزير الداخلية عن مكافأة قدرها خمسة آلاف جنيه لمن يدلي بمعلومات تفيد بالقبض على إبراهيم حمدي، كما وعد بمعاقبة من يعينونه على هربه بالسجن

أحد أيام شهر رمضان، الساعة الخامسة مساءا، قبل موعد الإفطار بساعة ونصف، كان المناضل إبراهيم حمدي يجهز نفسه لتنفيذ خطة هروبه من المستشفى الذي يُفرض عليه فيه حراسة مشددة. كان حبل المشنقة أقرب لحمدي من أي وقت مضى بعد أن ثبت تورطه في اغتيال رئيس الوزراء في الحكومة التي نالت ثقة الاحتلال الانجليزي لمصر. يهرب متنكراً بمظهر طبيب وخلال أقل من ساعة سيكون في منزل صديق له يدعى مُحيي يطلب منه ان يسمح له بالاختباء في منزله لعدة أيّام. رغم أن فيلم المخرج المصري غزير الانتاج هنري بركات الأكثر شهرة هذا كان ضمن موجة أفلام جاءت لدعم ثورة 23 يوليو ولكنه يبقى تمثيلاً حقيقياً لحالة اختلاف المبادئ فيما يتعلق بالمقاومة المسلحة. الأب الذي يستضيف حمدي يبدو معارضاً لأي اعمال عنف من أجل التعبير عن وجهة نظر سياسية.

 

أسس هذا الأب عائلة معزولة سياسياً عن الهم الوطني المحلي، عائلة لا علاقة لها بالسياسة، ترى في إيواءها لأحد المناضلين حدثاً مُربكاً لأنه يشبه إيواء المجرمين أكثر من كونه عملاً خطيراً قد يؤدي إلى تدمير مستقبل علاقتهم مع الدولة كعائلة مُسالمة ومطيعة. فجأة، أربك وجود إبراهيم حمدي هذا كلّه، وبدأ بحضوره يُعيد تعريف الأشياء مجدداً، لعائلة مُحيي والمشاهدين ربما. يبدأ بركات عن طريق النص الذي كتبه الروائي إحسان عبد القدوس بتعريف المرجعيات التي يقف عليها كل من حمدي ووالد مُحيي. الأول يرى أن الشعب هو من حكم بخيانة عبد الرحيم باشا شُكري فقام هو باغتياله، أمّا الأب فيرى بأن الأمر مردّه للحكومة هي من يقتص منه، وهنا يكمن الخلاف الجوهري حول ماهية الاحتلال ومن هم أعوانه وما هي تمثلاته المستترة وراء وجوه قد نكون على معرفة حقيقية بها.

 

أعلن وزير الداخلية عن مكافأة قدرها خمسة آلاف جنيه لمن يدلي بمعلومات تفيد بالقبض على إبراهيم حمدي، كما وعد بمعاقبة من يعينونه على هربه بالسجن. من هنا يبدأ عالم جديد بالتكوّن يضع الجميع فيه حياتهم على المحك، وينتهي بتغير موقف العائلة عندما يدرك جميعهم أن الخطر الحقيقي هو الخطر القادم من المستعمر.

 

 

تعال و انظر 1985

ليس بمقدور فيلم حربي أن يكون واقعياً ومثيراً في الوقت ذاته فالكاميرا تغريها مشاهد البطولة الفردية ولقطات الحزن الذي يقطّع القلب، ولكن هناك من استطاع كسر هذه القاعدة. (5) فيلم Come and See للمخرج إليمكيلموف يتحول من عمل حربي إلى لوحة من الجمال الذي يقدّس الرعب ويقضي الليل ومعدته تلتهم بعضها البعض من فرط الجوع. منذ المشاهد الافتتاحية نتعرف إلى فلوريا، فتى يافع من روسيا البيضاء يقضي وقته بحثاً عن الأسلحة. كل ما يريده هذا الفتى هو أن يكون مستعداً إذا ما اقترب النازيون من قريته. ينجح بالفعل في اقتناص سلاح كان مدفوناً بين الرمال وبه يتمكن من الانضمام إلى الجيش وبذلك يحقق حلمه الشخصي بالقتال.

 

فلوريا لم يطلق رصاصة من قبل في حياته ولكن كل ما يملكه هو ارادة جامحة لقتال النازيين، هذه الإرادة للأسف لا تسعفه في ميادين المواجهة. يقضي أسوأ أيام الاحتلال الألماني للأراضي السوفياتية، يعاصر أبشع معاني الرعب والتي لم يوفر اليمكيلموف جهده في تصوير أدق تفاصيلها مبرزا بشاعة الوحش النازي ممثلاً بهتلر. على العكس من القسوة النازية في التعامل مع المواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة، مثل حرقهم أحياء، ولكن يستطيع إليمكيلموف أن يصنع مشهداً ختامياً معبراً عن نفسية فلوريا المُقاوم.. الذي وهو في أشد لحظاته اضطهاداً ولكنه لم يتخلّ عن أخلاقياته كما فعل النازيون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1.  Black Skin White Masks Pluto Classics

2.  If you're not angry, what kind of person are you?'

3.  Cinema, Identity and Resistance

4.  الرياح التي تهز الشعير: الفيلم إيرلندي والقضية فلسطينية!

5.  مراجعة روجير إيبيرت.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة