ياسر سليمان أبو غليون
ياسر سليمان أبو غليون
162

قراءات في إخفاقات الحصار الرباعي

13/6/2018
بعيد مرور عام كامل على نشوء الحلف الرباعي السعودي الاماراتي البحريني المصري الذي سعى في الخامس من حزيران عام 2017 للنيل من قطر بفرض حصار بري و جوي وبحري عليها يستهدف الوجود والنفوذ القطريين في المنطقة العربية، فإن النتائج جاءت بخلاف توقعات الحلف، وباءت بالفشل الذريع طموحات صناعة انقسام داخلي في النسيج الاجتماعي للدولة القطرية، أو عبر صناعة معارضة وهمية، أو من خلال شراء الأقلام ووكالات التلميع الإعلامي الدولي، ولم تفلح محاولات فرض الشروط التعجيزية على قطر وفي المقدمة منها إغلاق قناة الجزيرة الرأي والرأي الآخر هذا الصرح الشاهق في أودية عربية تخلو من الزرع الديمقراطي .

  
ومن هنا يتضح أن السعي القطري الهادف لاكتساب عضوية حلف شمال الأطلسي الناتو يعكس نجاحاً دبلوماسياً جاء مفاجئاً بالنسبة للحلف الرباعي، والشاهد على ذلك ما أوردته مجلة فورين بوليسي من أن قطر أفلحت في كسر الحصار الظالم، فعندما فرط عقد التابعية القطرية للآخرين جاءت النتائج على النقيض من المتوقع، فهذا الانفكاك من عقد العبودية والتابعية أطلق الطاقات والإبداعات في شتى الميادين .ومن المضحك ما صدر عن شيخ من مشايخ السلاطين يؤكد فيه أن صيام القطريين لهذا العام باطل وغير ذي جدوى لأنهم خرجوا عن طاعة ولي الأمر، ولن يقبل صيامهم ما لم يطلبوا العفو من ولي الأمر! فهل هذا من باب الدعابة السياسية؟

  

ما يشكر لدولة قطر أنها على الرغم من هذا الحصار الظالم لم يغب عن بالها الالتفات لمآسي الأخوة الأشقاء كما حصل في وقفتها إلى جوار قطاع غزه، ومساندتها للأردن

 إن التأمل في المشهد القطري يكشف أنه لا العملة القطرية ولا البورصة ولا حتى الواقع الاستثماري تأثر كما كان ينتظر الآخرون، بل لقد تنامت احتياطات البنك المركزي، وتواصلت عمليات البناء والتجهيزات الخاصة بالمونديال الرياضي على قدم وساق، كما شاهدنا التوسع في ميناء حمد البحري في مدينة مسيعيد جنوب قطر الذي يعد أكبر موانئ الشرق الأوسط، في خطوة كفيلة تعمل على تعزيز الاكتفاء الذاتي في عدة صناعات غذائية وعلى رأسها الألبان والثروة الحيوانية، واتضح مقدار ما طرأ على انتاجية الغاز المسال، كما ظهرت في الإطار الحكومي تشريعات جديدة من مثل سياسات الإعفاء من تأشيرة الدخول لدولة قطر بهدف استقطاب الكفاءات من دول العالم .

  
وكل ما سبق يؤكد بصورة لا تدع مجالاً للشك في أن الحصار الظالم جاء بوصفه يندرج تحت نطاق رب ضارة نافعة؛ مما أعطى هامشاً واسعاً غير مقيّد للحركة الاقتصادية القطرية التي كانت مكبّلة من قبل بقيود العلاقات مع الجيران، ولهذا نفسر حصول الخطوط الجوية القطرية على جائزة ايرتراكس كأفضل خطوط جوية في العام 2017 مما أكد حقيقة كونها في مرتبة متقدمة في النقل الجوي في الشرق الأوسط، هذا ناهيك عن حصول الشركات القطرية العملاقة على عقود خاصة بالاستكشافات البحرية في عدة دول.

  
ومن المناسب التذكير هنا بأن قطر لا زالت تحوز المرتبة الأولى التي تتمثل في كونها أكبر منتج ومصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وهذا ينعكس بدوره على رفاهية المواطن الذي يعتبر وفق المقاييس العالمية المواطن الأعلى دخلاً، وقد ظهر للعيان بعد مرور عام على الحصار الظالم ارتفاع الإنتاج القطري الغذائي والدوائي في خطوة تحسب لأمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وما يشكر لدولة قطر أنها على الرغم من هذا الحصار الظالم لم يغب عن بالها الالتفات لمآسي الأخوة الأشقاء كما حصل في وقفتها إلى جوار قطاع غزه، ومساندتها للأردن في الضائقة والتأزم الاقتصادي الذي يمر به.

   

استقبال أمير الكويت وزير الخارجية القطري (الجزيرة)

 
ولقد ساهمت القيادة القطرية على الدوام في أمن واستقرار المنطقة بسياسة الاعتدال والوسطية، ومن هنا كان خروجها من الحصار أشد عودا وحيادية وبعداً عن الاستقطاب المذموم، ولم تركع لمن أراد لها الركوع في وقت اتخذ الصراع طابعاً شخصياً ساذجاً، ومعلوم أن الضريبة التي دفعها الخليج العربي جراء ذلك الحصار فرضت على دوله عقد صفقات تسليح متتالية، تضع كل البيض في السلال الغربية من خلال الريع والعوائد التي جناها الغرب المزود الأزلي بالسلاح والمبيعات العسكرية، ومن ضمن ذلك ما وجدت قطر نفسها ملزمة بالقيام به من شراء منظومة الدفاع الجوي إس 400 من روسيا، وهذا الأمر يعد شأنا داخليا يتعلق بأمنها القومي، ولسنا هنا في معرض البرهنة على أن برنامج التسلح القطري في هذا السياق دفاعي النزعة والتوجه فالمكتوب يقرأ من عنوانه .

  
أما دولة الكويت الشقيقة فقد اتضخ مقدار حيادها في هذه الأزمة مما أتاح لها ممارسة أدوار خلاقة في إيجاد صيغة ومخرج مناسب للتأزم الخليجي بعيداً عن مطامع الآخرين في الهيمنة السياسية والرغبة في تحجيم النفوذ القطري، كما أن الأداء السياسي الفذ للسيد وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، علاوة على قدراته في التوظيف السياسي والاقتصادي واستخدام الثقل الخاص بدولته سياسياً واقتصادياً ساهم في وصول الأزمة لما وصلت إليه من نتائج تنعكس إيجاباً على دولة قطر، وتبلور هذا الأداء السياسي في عقد تحالف استراتيجي مع الجمهورية التركية والتعاون العسكري مع عدة دول إقليمية وغربية، ومن البديهي ملاحظة أن التحالف القطري التركي تشعب إلى عدة ميادين عسكرية واقتصادية وسياسية، وصولا لحالة من التحالف القومي في المراحل النهائية.

  
وختاماً نرجو وبكل قلب صادق أن يعود الأخوة الأشقاء العرب إلى صوابهم ورشدهم ويعملوا على عودة الوئام والتصالح للوصول بالأمة لشاطئ الأمان في ظل أخطار محدقة بالجميع من كل حدب وصوب.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة