رغد شام
رغد شام
945

نقتات على مآسيكم.. نحن العاملون في المجال الإنساني!

13/6/2018

لنتخيل معاً عالماً يخلو من الحروب والويلات.. عالماً يشبه إلى حد بعيد تصورنا عن الجنة أو المدينة الفاضلة. عالماً يستطيع جميعنا العيش فيه بتساوٍ والحصول على كافة حقوقنا أثناء تأديتنا لكافة واجباتنا. عالماً جميلاً وصورة مثاليةً ولكنها ولانعدام المشاكل والنزاعات فيها قد تخلو من وجود بعض الأشخاص ممن يعيشون ويعملون بينا اليوم. كأمثال الشرطة والجيش وعمال المجال الإغاثي! 

 
إن استخدام مصطلح "المجال الإغاثي" قد يصور للبعض أنني بمستهل الحديث عن أبطال يضحون بحياتهم يومياً في سبيل إنقاذ غيرهم دون مقابل كالبطلة الفلسطينية الشهيدة رزان والتي لاقت حتفها أثناء قيامها تقديمها الخدمة الإنسانية. وأمثالها في فلسطين وسوريا واليمن والعراق وغيرها من البلدان الواقعة تحت مآسي الحروب ممن يقضون حتفهم كل يوم بعيداً عن كاميرات الإعلام وضجيجه وبعيداً عن تصفيقنا لهم وتغنّينا ببطولاتهم.  ولكن ولنفهم معنى هذا المصطلح بالمعنى المتعارف عليه عالمياً، لنتوقف قليلاً عنده ونفكك بماهيته وبماهية العاملين فيه. هل يا ترى جميع العاملين في مجال العمل الإغاثي يشبهون رزان؟ هل نستطيع أن نقارن رزان مثلاً بزميل لها يحمل جنسية غربية ويعمل في بلد إفريقي أو آسيوي أو عربي في أحد المنظمات الدولية هناك؟ 

 
لتوضيح هذه المقارنة واستيعابها، تعالوا نتخيل المشهد التالي معاً:

كثير من عمال المجال الإغاثي وخاصة العديد ممن يحملون جنسيات الدول المتقدمة يدخلون هذا المجال تحت مبدأ "أنا إنسانيٌّ حتى أملأ جيبي مالاً ونبيلٌ حتى أن أملاً هاتفي صوراً"

بعد عدة أشهر قضاها في دولة منكوبة يعود أحدهم إلى عمله ويدخل مكتبه لأول مرة حيث ينتظره الجميع لاستقباله بترحاب وسماع قصصه المثيرة حول تلك البلد المنكوبة! تلفح الشمس بشرته وقد لف بضع قطع من القماش البالي حول معصمه وأطلق العنان لخصال شعره الأشعث كما يفعل السائحون الأغرار ليس لشيء إلا ليؤكد للجميع أنه قد قضى وقتاً طويلاً في بلد إفريقي تحت شمسه اللافحة وضمن ظروف حياتية مختلفة.

  
يمتلئ هاتفه بصور له مع أطفال أفارقة بريئي الوجوه شبه عراة -كما جرت العادة في أرضهم- يضحكون ملئ أفواههم حاملين بأيديهم دفاتراً وأقلاماً تحمل شعارات بعض المنظمات الدولية مبتسمين للكاميرات الأجنبية غير مدركين أن ضحكاتهم البريئة تلك سوف يتم لاحقاً تسويقها وإرفاقها بعبارات تتناسب مع المحتوى المسوق له كعبارة (شكراً لكم على مساعدتنا في مزاولة تعليمنا.. للتبرع الرجاء الاتصال على الرقم التالي: ....) مشهد قد يتكرر في بعض مقرات المنظمات الدولية الإنسانية التي تقتات على مآسي الشعوب ويزداد إصرارها بالمطالبة بتمويلها بجرأة تكبر مع كبر الحرب الدائرة في بلد ما وتشتد مع شدة الزلزال الذي ضرب بلداً آخر! فكما يقول المثل "مصائب قوم عند قوم فوائد"!
  

فكيف يمكن لمآسي الشعوب أن تكون فأل خير للعديد من تلك المنظمات؟

بعد انخراطي لعدة سنوات في قطاع العمل الإغاثي في بلدي وما دفعني إلى ذلك من نوازع إنسانية جعلتني أفضل القيام بما يعتبره البقية "عملاً تطوعياً في أوقات الفراغ" إلى عمل دائم وبعد استمراري بهذا العمل رغم كل المعوقات والصعوبات التي يعاني منها هذا القطاع في دولة تكنولوجية وصناعية من الدرجة الأولى كبلد قامتي الحالية، أتيحت لي فرصة التعرف على أصناف عديدة من العاملين في هذا المجال والذين يشترك بعضهم بدوافع إنسانية غير مشكوك بطيبتها وبعضهم الآخر بدوافع قد تتنافى ومعتقداتنا اتجاه هذه النوع من الأعمال النبيلة. وكما أن التعميم مرفوض وخاصة في هذا النوع من العمل بسبب كبره وامتداده في كل دول العالم فإنه لا بد لي من الاعتراف بنبل العديد من الأشخاص الذين التقيت بهم ممن يعود الفضل لجهودهم بإقامة أكثر المشاريع الإنسانية التنموية فعالية وتأثيراً.

   
إلا أن كثيراً من عمال المجال الإغاثي وخاصة العديد ممن يحملون جنسيات الدول المتقدمة يدخلون هذا المجال تحت مبدأ "أنا إنسانيٌّ حتى أملأ جيبي مالاً ونبيلٌ حتى أن أملاً هاتفي صوراً" فما إن يتوظف أحدهم بإحدى تلك المنظمات حتى يتقدم لفرصة للعمل لعدة أشهر في بلد يعاني ويلات التهجير والحروب أو الكوارث الطبيعية المتلاحقة كمدير لأحد المشاريع في تلك البلد ليتقاضى نفس الراتب الذي يتقاضاه الموظف العادي في بلده الأم أي الراتب نفسه الذي يكفيه للعيش في الحدود الدنيا في بلد راقٍ والذي يوفر له مستوى معيشي بحدود الرفاهية في بلد نامي مع الحفاظ بالمقابل على الرواتب المنخفضة لموظفي المشروع الآخرين من أهل البلد المنكوب نفسه والذين قد يعملون لساعات أطول من رئيسهم الأجنبي وبراتب قد يصل لأقل من ربع راتبه!

 

لا يسعني سوى الوقوف احتراماً لمن وهب حياته مقابل العمل الإنساني من المتطوعين والأبطال الحقيقين  كالبطلة رزان

مواقع التواصل
  

وتكون المهمة الأساسية للعديد من هؤلاء "المبتعثين" هي التقاط الصور المأساوية أو تلك التي تعكس حزن الضحايا ومن ثم صورهم وهم سعداء إلى جانب المعونات التي تعطى لهم ليتم تقديم هذه الصور لاحقاً للمتبرعين والممولين المستقبليين وكسب تعاطفهم وبالتالي أموالهم! وبعد انقضاء بضعة سنوات يعود البطل إلى حضن أهله بعد أن تمكن من ادخار مبلغ مالي كبير يكفيه للعيش برفاهية واستقرار علماً أنه قد لا يتمكن من ادخار هذا المبلغ في بلده إلا بعد العمل لعشرات السنين. يعود لحضن وطنه كما عادت رزان لحضن السماء شهيدة، وكلاهما يعملان تحت نفس المسمى!

 

في مكتبي هنا حيث صور الأطفال السوريين المتسخي الملابس والأمهات الأفريقيات البائسات تطالعني كل يوم دافعة إياي للتوقف قليلاً والتساؤل " هل كان قراري بالاستمرار في هذا المجال صحيحاً حقاً؟" فعبارة "كلا، هنالك صورٌ لأطفالٍ هم أكثر جمالاً ونظافة وفي أماكن هي أكثرُ رقياً من هذه الأماكن وهم كذلك بحاجة للمساعدة!" جملة قد أكررها كثيراً إلا أن الرد غالباً يكون "ولكن الصور الجميلة لا تجلب مالاً"! فمهما كانت الصور الحزينة هذه ترسخ انطباعاً عن شعوبنا بأنها شعوب فقيرة لا حول لها ولا قوة ولكن وهذا الرد صحيح. فالصور الجميلة لا تقنع الممول، كما لا يقتنع بعض الناس بأنه يمكن للاجئ أن يحمل هاتفاً حديثاً وأن يكون مهندساً وطبيباً! وليس بالضرورة أن يكون متشرداً منذ البداية! إلا أن العالم لن يرض بهذه الصور فهو لم يعتد من المنظمات الدولية وإعلامها سوى الصور البائسة الشاحبة. إنها حقيقة أحاول جاهدة تكذيبها. حقيقة أن المستفيد الأول من الحروب والنزاعات هم دعاة الإنسانية ورافعوا شعاراتها، وأن انتهاء حرب ما يعني توقف تمويلهم الذين لن يعود إلا مع ابتداء حرب جديدة في مكان جديد.
    

استغلال العالم لحروبنا ومآسينا بات أمراً غير خاف، ولكن، هل اعتيادنا على الخطأ يجعل الخطأ صحيحاً؟! وهل قبولنا بدور الضحية كي تنهال الأموال على جيوب غيرنا يعني أننا فعلاً نستحق ذلك الدور؟

وتجدر الإشارة هنا للأسف إلى "قلة" من أهل بلداننا أنفسهم من الذين حالفهم الحظ بالذود بأرواحهم إلى بلدان أكثر أمناً واستقراراً وابتداء مشاريعهم الخاصة ليكون العمل الإنساني هو "البزنس" الخاص بهم ليتقايضوا ملايين الدولارات مقابل متاجرتهم بمآسي بلدانهم وتكون النتيجة هي إقامتهم لمشاريع إنسانية خير ما يمكن تسميتها به أنها مشاريع هزيلة بالية جل همها يكمن في وضع شعاراتها على صناديق المعونات أكثر من اهتمامها بمحتوى المعونات نفسه والتأكيد على وصولها لمستحقيها الحقيقيين. وشغلها الشاغل هو التسويق لعملها بفيديوهات منمقة وصور ذات جودة عالية أكثر من انشغالها بما يدور خلف تلت الصور من مآسي..
   
إلا أنه بالمقابل لا يسعني سوى الوقوف احتراماً لمن وهب حياته مقابل العمل الإنساني من المتطوعين والأبطال الحقيقين الذين سنحت لنا وسائل الإعلام التعرف على بعضهم كالبطلة رزان أو الذين لا نعرفهم ممن يموتون بصمت كل يوم وكل دقيقة وهم يقدمون أرواحهم لإيصال رغيف خبز لمحتاج او حليب أطفال لرضيع جائع.
    
وفي النهاية أود أن أهمس في آذان من يردد ضمناً "أهلاً بكِ في هذا العالم الذي بات الظلم عنوانه وأكثر مبادئه واقعية.. وأن هذه المشكلة هي مشكلة اعتيادية للغاية! فالغني يزداد غنى مع ازدياد الفقير فقرا". أهمس بأذنه بـ نعم! إن هذه الكلمات هي بالتأكيد صحيحة، بل وأضيف عليها: أن استغلال العالم لحروبنا ومآسينا بات أمراً غير خاف على صغيرنا قبل كبيرنا. ولكن، هل اعتيادنا على الخطأ يجعل الخطأ صحيحاً؟! وهل قبولنا بدور الضحية كي تنهال الأموال على جيوب غيرنا يعني أننا فعلاً نستحق ذلك الدور؟ وهل ترحيبنا بالغربي في بلدنا يعني أننا حكماً أقل كفاءة منه؟
     
تساؤلات كثيرة تتلاشى جميعها أمام الحقيقة الأهم ألا وهي أن وجود رزان وغيرها من الأبطال المجهولين إلى جانب من يدعي الإنسانية ويرغمنا على تصدقيه بوابل الصور يومياً، يجعلنا نقف عند معادلة صعبة ألا وهي معادلة ربط البطولة بمن يستحق هذا اللقب فعلاً. فمن لم تكن البطولة يوماً دافعاً له عندما بذل الغالي والرخيص هو فعلاً أكبر المستحقين لهذا اللقب!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة