جمال أكاديري
جمال أكاديري
222

زواج المال والسياسة في المغرب..

14/6/2018
يحدث أن قوة المال الخاص وسلطة تدبير السياسة حتى في الدول الديموقراطية المتقدمة يتداخلان عند نقط تقاطع معينة لأن كليهما يميل بطريقة حضوره المتغلغل داخل الحاضرة إلى التنافس والتسابق على ترسيم العلاقات الاجتماعية واحتواءها وشبكها بما يخدم جانب مصلحته وغاياته الرئيسية. الدولة طبعا تقوم بهذا عن طريق الاضطلاع بالمزيد من المهام والخدمات المقدمة للفرد وللمجتمع مع استدخال النواة الأسرية وامتدادتها المؤسساتية الاجتماعية التعليم الصحة تقنين أوقات العطل إلخ في مرمى مقاصدها.

  
أما الرأسمال المستقل فيعلن سلطته ويفرضها داخل الأسواق الاقتصادية من خلال تداول وتسييل الرساميل وضخها واستثمارها في عدة قنوات تجارية بحيث يجعل حركيته المتفاوتة حضورا أو غيابا صعودا أو هبوطا تطوف حول مراكز ودوائر الأعمال ومشاريع الربح وعلى نحو أكثر برودة وحيادية أحيانا خالقا بهذا المناخ الحاضن والمزكي لكل الممارسات والتعاملات التنافسية المشروعة التي لا يمكن أن تجد فيها بعض قيم المجتمع كالتضامن والمؤازرة مرادها، لأن منطق السوق يبقى في معارضة شبه تامة مع أغلب السلوكيات الأخرى ذات السمة والمرجعية القيمية التعاونية التي تفترض قبليا وجود تآخي وتلاحم ورعاية مصدرها عقد اجتماعي ضمني مسبق يلزم الكل.

   

من المسلم به أن هذه المبادئ الكونية المجمع عليها في المنتديات السياسية الدولية من خصائصها الرئيسية والأولية أن تبرمج مباشرة للتحيين بعدما تم المصادقة عليها، فليست معطاة لتكون عرضة للتماطل

لهذا الدولة أمام دينامية الأسواق الاقتصادية الحرة أو بعبارة أخرى حينما ينتصب الرأسمال المستقل الخاص في مواجهة السياسة لا ينعقد نشاطهما بالضرورة في التخطيط لأمر مشترك أو يصب في اتجاه واحد مع أهدافهما المستترة مزامنا بالتالي بين حركيتهما وغايتها داخل قطاعات واسعة تتجذر في تلافيف وتربة الواقع، بل الذي يطرأ غالبا هو العكس. فالمعروف أن غالبًا ما تتعارض وظائف الضبط والتعديل والتدخل وإعادة التوزيع التي من المفترض ان تفعلها وتجسدها مؤسسات الدولة الراعية للصالح العام مع قيم التبادل المتحيزة اساسا الى شراهة ونزوات البيع والشراء والبحث عن الربح والمردودية، وهذا ما يميز طبيعة الأسواق ويجعل من عملية الزيادة في القيم المضافة وتراكم الرأسمال شحذا لديناميتها العميقة بامتياز ونهج لا يمكن الاستغناء عنه من طرفها لأنه يشكل كنهها الحقيقي.

   
في الغرب مثلا ومند بداية مسلسل الترسيخ التدريجي لركائز النظام الديمقراطي وتبعا لمبدأ تحصين المؤسسات السيادية أولا من سرطان الفساد سيتم إفشال قانونيا وتشريعيا خطة اعتماد المال كرافعة، وكامتياز، وجسر يسهل الوصول إلى تلك المناصب المتمنعة وبالتالي الاستحواذ عن طريقها على جهاز الدولة السياسية. فدسترة الدولة ديموقراطيا وتقنين علاقاتها بالأفراد الذين يخضعون طوعا لسلطة الواجب وتحمل المسؤولية ينجم عنه جعل المواطنة والتصويت والانتخاب حقوقا مرتبطة بعدالة مؤسساتها كأساس وحيد وطريق نزيه للوصول إلى كراسيها، وبالتالي لا يمكن للنسب والألقاب ولا العرق ولا الدين ولا ثروة المال أن تبرر التمييز بين أفراد المجتمع السياسي.

 

من المسلم به أن هذه المبادئ الكونية المجمع عليها في المنتديات السياسية الدولية من خصائصها الرئيسية والأولية أن تبرمج مباشرة للتحيين بعدما تم المصادقة عليها، فليست معطاة لتكون عرضة للتماطل وللمرواحة الافتراضية على الورق أو تركها في وضع مقتضيات معلقة أو جعلها قناعات صنمية محنطة بدلا من التسريع بإنزالها فورا وحقنها في شرايين الواقع الحي الملموس، وكما هو مسجل تاريخيا فهذه من بين السلبيات البارزة المساهمة في أعطاب المجتمعات السائرة ببطيء على سكة ما يسمى مرحلة الانتقال الديمقراطي.
 
هذا الانتقال الديمقراطي إذن الذي حسب نظرة كثير من المراقبين الدوليين لم يخرج بلدنا بعد من متاهاته السياسية الرمادية غير الشفافة مند أن أمسى عالقا في شباك مطباته العصية على الحل هو الذي سيحيلنا على مسألة راهنة ما زالت تداعياتها تثير أسئلة حارقة وتستدعي مقاربات متعددة ألا وهي زواج المال بالسياسة. بداية لقد كانت دوما الأموال تحشر أنفها "القذر" في السياسة إما بشكل متعجرف كما كان الأمر في عهد النظام العتيق الذي حضنها في حظائر الريع السائب ونماها رويدا رويدا حتى تقوت سلطويا أو بطريقة تريد أن تكون مبهمة ومحتشمة كما هو حال رجال الأعمال عندنا الموسمين بفرسان الجيل الذهبي وأبطال منجزات العهد الاقتصاد الجديد، ولهذا لم يمكن من الممكن أبدا أن يتجاهل رأسمال العائلات الثرية وقتها المحمية من فوق عموديا والمتحالفة من تحت أفقيا المداخل التي تؤدي الى قلب دهاليز السياسة وهذا حتى لو غيرت هذه الدهاليز صباغ جدرانها المتهالكة بفعل رطوبة وطحالب الفساد الأخطبوطي العالق بها مند تعقيدات فترة الاستقلال إلى يومنا هذا.

 

عزيز أخنوش (الجزيرة)

 
فلطالما أراد الكثير من النخب والخبراء المحللين الحربائيين عبر منصات الدعاية المنتشرة كالفطر طرح صورة أخرى عنهما تارة إما بوصف علاقات المال والسياسة في المغرب وبدون خجل بأنها عرفت طريقا شاقا حتى بلغت محطة الاستحقاق المتبادل وأنها فعلا حصيلة مشرفة لقصة نجاح شبه أسطورية، مع أن السؤال البسيط الذي يتبادر: هل هذا الاستحقاق مستحق أصلا؟ ألن يثير اي ريبة خاصة في أذهان أولئك المتشككين المغرضين أمثالنا الذين في أنفسهم بقايا من حرف حتى تجاه اشخاص يخيمون على المشهد السياسي الاقتصادي المعاصر بظلال مشاريعهم المالية الضخمة التي تطاردها كل مرة شبهة تنازع المصالح le délit d intérêt فهناك مثلا تشخصيتان عموميتان آثارتا جدلا متواصلا في النقاش العمومي سنين متوالية أولهما، السيد رجل الأعمال والوزير "عزيز أخنوش" أمين عام حزب تكنوقراطي لصيق إداريا بالدولة ثم يتبعه رجل شركات التأمينات بامتياز الوزير الليبرالي الطموح "مولاي حفيظ العلمي" كنموذجين لا يمكن غض الطرف دون الاستفهام عن مصدر تضخم ثروتهما ولا يمكن المرور دون طرح أسئلة حول الامتيازات الاستثنائية التي حصداها خلال كل هذه المدة.

 

تبني وكالات التنقيط ومنها موديز وستاندار آند بورز خلاصاتها على معايير نقدية وبالتالي فهي تقوم بتحاليلها وبتقييم المخاطر من زاوية مالية محضة رغم كل ما يقال أنها دراساتها تعتمد على ما تجنيه ميدانيا

وتارة أخرى بختم تلك العلاقات وصبغها ببريق الانسجام المصطنع والتلاحم المعجز الغامض الذي سيفتن حتما، ويغري المتفائلين السذج من أبناء الشرائح الصاعدة المحسوبة على تلك الطبقات الوسطى الناشئة وربما يسيل لعابهم ويدفعهم للمحاكاة والتقليد، مع أن عين العقل هو الاعتراف من طرفهم ولو بشكل محتشم أن هذا التحالف بين المال المحصن بالأعراف وكماشة السلطات السياسة المتوغلة مزيدا في خصوصية الشؤون الاقتصادية هو في آخر المطاف الذي سيفسر جزئيا الأزمة التي أثرت على مناخ الأعمال في المغرب وخرجت مباشرة من ألاعيب حلبة السيرك السياسي الذي هيمن خلال كل هذه العقود المتوالية.

 

وإذا انتقلنا بسرعة من زيف تحاليل الخبراء إياهم الذين ذكرناهم فوق سنصطدم الآن بزجاج أوهام النخبة الاقتصادية، وذلك أن التبعية الاقتصادية غير المباشرة للخارج وإشعاع الهيبة الذي تعكسه مؤسساته المالية الغربية ومكانتها الدولية المهيمنة على اقتصاديات الدول غير النامية فضلا عن معقد النقص الدائم إزاء قوتها والانبطاح المستمر لوصاياها هي كلها عوامل بمقدورها أن تساعدنا نسبيا على إعطاء تفسير مقتضب لمبعث ذلك الاطمئنان والانشراح الذي يبديه دوما جزء من النخبة السياسية والمالية عندنا في أوقات الانفراج فعلا انشراح ينتشي بإنجازات لم تبلغ أهدافها كما هو العادة. وذلك مثلا من خلال الترحيب بتحسن طفيف لمؤشرات نمو الاقتصاد المغربي المسطرة في تقارير البنك الدولي أو عند تلقف لفتة إيجابية مفاجئة صادرة من جناب قداسة أولياء صندوق النقد الدولي تبارك التدابير المعتمدة بالداخل أو أخيرا عند تلقي خبر نصف سار بأن مناخ وبيئة الأعمال حافظا على التنقيط السيادي الممنوح من طرف وكالات التصنيف العالمية، وكالات التنقيط هذه التي بالضرورة يستوجب أحيانا التساؤل عن وظيفتها الفعلية ومدى تأثيرها على القرار الدولي العالمي ماليا واقتصاديا، والأهم في كل هذا مدى المصداقية الممنوحة لها من لدن الأوساط المراقبة لتطور الاقتصاد العالمي.

 

الأوساط المراقبة لتطور الاقتصاد العالمي

كما هو معلوم تبني وكالات التنقيط ومنها موديز وستاندار آند بورز خلاصاتها على معايير نقدية وبالتالي فهي تقوم بتحاليلها وبتقييم المخاطر من زاوية مالية محضة رغم كل ما يقال أنها دراساتها تعتمد على ما تجنيه ميدانيا من آراء الفاعلين الاقتصاديين وأصحاب القرار في كل بلد على حدة، فهناك من يحاول أن يداري على ماضي أخطائها الكارثية في مجال التنبؤ الاقتصادي لأنها سابقا كانت المتهم الرئيسي في نظر المستثمرين واﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻷﺧﺼﺎئين والخبراء اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳن في كثير من الأزمات التي كان سببها الأول توقعاتها الخاطئة وتنقيطاتها المشبوهة والمختلة ﻣﻦ ﺧـﻼل اﻟﻄﻌـﻦ في ﻣـﺪى ﻣﺼﺪاﻗﻴﺔ وﺷﻔﺎﻓﻴﺔ ﺗﺼﻨﻴﻔﺎﺗﻬﺎ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻌﺪ ﻣﺎ أﺳـﻔﺮت ﻋﻠﻴـﻪ أزمة العقار المالية لـ ساب برايم subprime في أمريكا سنة 2008.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة