خالد النقيب
خالد النقيب
342

هل يمكن للأخلاق أن تحل محل الإسلام؟!

14/6/2018

يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، هنا نرى أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر بأن زمن الجاهلية زمن أخلاق غير مكتملة، ونفهم كذلك بأن هناك جملة من الأخلاق والقيم سادت في الجاهلية رغم عدم صحة معتقد أهلها بشأن التوحيد ومع ذلك كانوا الخامة الأنسب لتشرُّب الإسلام ومعانيه وكانوا أكثر تحضراً من غيرهم، فلم يكن الرومي يصلح لحمل رسالة الإسلام ولا الهندي ولا الفارسي، والسبب واضح وجلي وهو غياب منظومة الأخلاق عنهم، وإذا انتقلنا إلى عصرنا الجاهلي الذي نعيش فيه الآن وتحديداً إلى المجتمع الغربي سنرى أن لديهم أخلاقاً غير مكتملة أيضاً ومستوى مرتفعاً من التقدم مع أنهم غير سليمي العقيدة، وفي كلا العصرين نستنتج أن مؤشر التقدم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأخلاق لا بشيء آخر.

يقول ابن تيمية: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة". إلى هنا يمكننا القول بأن دوام الأمم هو بدوام أخلاقها، فحتى ابن تيمية رحمة الله يقول بأن منظومة الأخلاق مقدَّمة على الإسلام، ويقول ابن خلدون في مقدمته بأن "الظلم مؤذن بخراب العمران"، فإذا وُجد الظلم فإن ذلك يعني تنحي الأخلاق واندثارها وبالتالي خراب كل شيء، بينما عدم وجود الإسلام في بعض المجتمعات لم يؤذن بخرابها بل وربما كانت أفضل حالاً من المجتمعات المسلمة!


هل يمكننا القول بأن الأخلاق تحل محل الإسلام وأنه لولا وجود الأخلاق لما كان الإسلام؟ بدايةً لا بُدَّ أن نفهم الجوانب التي تُّراعيها الأخلاق والجوانب التي يراعيها الإسلام، الأخلاق تُعنَى بتعامل الإنسان مع غيره وتنظم هذه العلاقة بينما الإسلام يُعنَى بتنظيم العلاقة مع الإنسان وربه من جهة، والإنسان ونفسه من جهة، والإنسان مع غيره من جهة أخرى؛ لذلك كانت مظلة الإسلام أوسع وأشمل من غيرها، وإن وجود الكل يستلزم وجود الجزء فمتّى وُجِد الإسلام وجدت الأخلاق، وإن تحقيق الكل يتوجب تحقيق الجزء بدايةَ فكانت الأخلاق ممهدةً لاستقرار الإسلام في النفوس. وعندما قال ابن تيمية بأن الأخلاق مقدمة على الإسلام عنى بذلك أن وجود الجزء بأكمل هيئة هو أفضل من وجود الكل بصورة بالية!

علينا استعادة ما فُقِد منا، بأن نضع خطةً صحيحة لقيام المؤسسات التربوية والأخلاقية بعملها على أكمل وجه؛ من أسرة ومؤسسات تعليمية ومؤسسات دينية، حتى نبدأ بأول خطوةٍ إصلاحية

وهنا يكمن سر ضعفنا في عدم امتثال الإسلام الصحيح، فلقد ضيعنا الإسلام وضيعنا الأخلاق، وحتى نستر أنفسنا من العار الذي لحق بنا قلنا بأننا مسلمين مع أن الإسلام الذي نتمثله الآن لا يعدو أكثر من إسلام صوري خالٍ من فحواه، فلا صدق في كلام، ولا أمانة في معاملة، ولا إتقان في عمل. وعلى سبيل المثال نذكر بأن سر نجاح التجربة اليابانية كان هو الأخلاق؛ لذلك كانت فترة (إلايدو) هي مرحلة الانقلاب عندما بدؤوا برفع سوية الأخلاق فارتفع معها كل شيء. إننا اليوم نعيش في غيابٍ واضح لمنظومة الأخلاق فنتجت عنها أزمات وأزمات، وإذا فقدت الأخلاق فُقِد ما هو أعلى من ذلك؛ الإسلام.


لذلك علينا فعلاً استعادة ما فُقِد منا، بأن نضع خطةً صحيحة لقيام المؤسسات التربوية والأخلاقية بعملها على أكمل وجه؛ من أسرة ومؤسسات تعليمية ومؤسسات دينية، حتى نبدأ بأول خطوةٍ إصلاحية، فلنبدأ بالأخلاق وبعدها نستمر إلى تحقيق الهدف المنشود وهو امتثال الإسلام الصحيح. ولنتذكر دائماً قول الله تعالى في كتابه الكريم: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" فهي معادلة تحوي سبباً ونتيجة؛ فإن لم نتخذ بالأسباب فإن نتيجة التغيير لن تحصل. والإصلاح يبدأ بالفرد ثم تبدأ حلقته بالتوسع إلى أن يعم المجتمع بأسره؛ فالفرد يشكل الأسرة ومجموعة الأسر تشكل المجتمع.


ومن باب الإيجابية فما زالت مجتمعاتنا الإسلامية تحتفظ بشيء من الأخلاق الرفيعة والمحمودة، ولكنها غير كافية بانضباط المجتمع ككل وإنما تحتاج إلى تطوير والتمثل بها بشكل أفضل. وختاماً فإننا نسأل الله العلي القدير أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً وأن يرد الإسلام شامخاً عزيزاً، اللهم آمين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة