تركي لحسن
تركي لحسن
445

من الأزمات تولد الهمم.. لماذا يختلف الأمر عند العرب؟

18/6/2018
لقد علمتنا دروس الحياة وسنن الكون التي تجري على الخلق أن الأزمة تلد الهمة وأن الأمر لا يتسع إلا إذا ضاق، إلا أن الحال عند العرب يوحي بعكس هذه السنن. فالأزمة لم تلد إلا أزمات أشدّ وأعنف، والأمر لا يزداد إلا ضيقا وحرجا. الإنسان كائن إرادي متحرر ومبدع بالطبيعة، فإذا تنازل عن إرادته وحريته جرت عليه سنن باقي الكائنات الحية التي لا خيار لها في الحياة سوى أن تتبع غرائزها وأن تستسلم لما قد يعتريها من صروف الدهر. فالهمّة لا تولد إلا إذا كان الإنسان سيد نفسه.

   
من الغزو الاستعماري، إلى النكبة، إلى النكسة، إلى الخريف العربي وصولا إلى محنة القدس، لم يكنن القادة والساسة العرب سوى مبشرِين بأبواقهم التي تصدح في كل مكان، بغد أفضل، زارعين الأمل بين دهماء الناس ونخبتهم بخطاباتهم الشعبوية التي لا تتعدى حدود الشفاه. عاشوا لعدة عقود ضحايا لآناهم المتضخمة ونرجسيتهم المتعاظمة، يتفاخرون بتاريخ مليء بالفتن وسفك الدماء، وبالصراعات القبلية والعشائرية، والقتل والثأر المتبادل بين الأخوة وأبناء العمومة من أجل السلطة. كان من المفروض أن ننهض ونستيقظ ونتحدّ بعد هذه الأزمات والنكبات، إلا أننا ازددنا فشلا وتراخي وتفرق وتشتت. الصدمة الكهربائية تعيد الحياة للمشرف على الموت، ونحن لم تزدنا الصدمات إلا موتا.

  

ترزح معظم الشعوب العربية تحت وطأة الفقر والظلم والاضطهاد، فإذا تكرم القائد بخطاب يعظم فيه الشعب ويٌفخِّم آناه، فلن يلبث هذا الشعب المسكين أن ينهار تعاطفا وبكاء مع جلاده

منذ أن أشرقت شمس العرب على الغرب أيام كانوا مالكين لزمام أمورهم، أسيادا بين شعوب الأمم الأخرى، ونحن في انتظار أن تشرق علينا شمس هذا الغد الأفضل. مذ ذاك ونحن نأمل أن تعود للعرب عزتهم وسلطانهم، وأن يتحقق الحلم العربي الذي تحول في الآونة الأخيرة إلى كابوس. ليست مسألة حظ...فإذا كانت رياح التاريخ قد جرت بما تلا تشتهي سفننا، فذلك لأننا شعوبا تنازلت عنن مصائرها لقادة مملوكين لسادة أعاجم. ولقد أعلمنا المولى عزّ وجلّ أنه ما كان ليٌغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وما دام قد زودنا بإرادة حرة ومنحنا حرية الاختيار، فمعنى ذلك أنه قد خصنّا بأفضلية أن نكون عباده وليس عبيده. فما لنا إذا نتنازل عن حريتنا ونمنح الأحقية للغير لكي يستعبدنا؟

  
لا زالت غالبية الشعوب العربية رهينة الخرافات تستنجد في أمور الدنيا بالسحرة والمشعوذين، ويتوسل قادتها الرقاة والوسطاء الروحانيين للحصول على مناصب سلطوية، أو للبقاء لمدة أطول في مناصبهم القيادية. فتارة تستعبدها الغرائز والنزوات والأحقاد والضغائن، وتارة أخرى تستعبدها المطامع فتقع في شرك العبودية للحاكم. فتفقد في كلتا الحالتين سيادتها وحريتها. أما القادة والحكام فلن يصمد في السلطة إلا من أعلن الولاء لسادته وحماته في الغرب، وأذعن لخططهم ومخططاتهم التي لا تروم إلا للهيمنة والسيطرة وبسط النفوذ بغرض السلب والنهب واستنفاذ الثروات.

  
لم تعد الأزمات حافزا يوقظ همم العرب بقدر ما أصبحت منتجا ومولدا يعيد إنتاج سياقات ووقائع أشدّّ تأزما. فما دام العرب ينتظرون القائد المخلص والشخص الذي على يده يأتي الفتح والنصر، كما هو متصور في مخيالهم الجماعي، فلن ينالوا إلا العبودية والاضطهاد والظلم. كما هو حال غالبية الشعب الجزائري الذي ينتظر الخلاص من رئيس مقعد. 

 

ترزح معظم الشعوب العربية تحت وطأة الفقر والظلم والاضطهاد، فإذا تكرم القائد بخطاب يعظم فيه الشعب ويٌفخِّم آناه، فلن يلبث هذا الشعب المسكين أن ينهار تعاطفا وبكاء مع جلاده، في حين يسجد القائد إذلالا وخضوعا لأسياده في الغرب ويتقرب إليهم زلفى بالخيرات والثروات عسى أن يحظى برضاهم. ما ينطبق على غالبية الشعوب العربية مع حكامها هو ما ينطبق على هؤلاء الحكام مع أسيادهم في الغرب. فهي أشبه، والحال هذه، بما وصفه الله عزّ وجّل في السياق القرآني بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم" (76) النحل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة