حضارة "عاد" وتكنولوجيا الخلود

19/6/2018

قامت العديد من الحضارات على مر الزمان وتواترت الأخبار عن قوت جيوشها وما حققوه من إنجازات وفتوحات، والبنيان الذي خلفوه ورائهم والقصور التي ما زالت قائمة منذ الاف السنين إلى يومنا هذا. فمثلا ورد في العديد من الكتب السماوية وبالأخص القرآن عن أخبار مملكة سبأ وأنظمتهم الهندسية في توزيع المياه وحضارة ثمود التي بنت مساكن من الصخر وما في ذلك من إبداع في نقل المياه وأنظمة التهوية والإنارة لهذه المساكن. وكان لقوم عاد نصيب لا بأس به من الذكر في القرآن وكتب التاريخ، حيث تشير أغلب المصادر التاريخية أن قوم عاد اتخذوا مدينة إرم عاصمة لهم والتي تسميها كتب التاريخ عبار (أسطورة الرمال)، وموقعها حاليا بين اليمن وعمان (١).

  
وجاء ذكر قوم عاد في القرآن على أنهم قوم أولوا حضارة وقوة تفوقت على من سبقهم حيث قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ(7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ" الفجر (٦-٨)، وذكر أيضا "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ" الشعراء (١٢٨-١٣٠). فتشير الآيات إلى أن قوم عاد قد تطوروا في علوم البناء والصناعة، وتقدموا في أساليب امتلاك القوة سوآءا كانت قوة بشرية بشكل مباشر أم قوة أساسها العلم والآلات والطرق الدفاعية والهجومية. إن الإنسان منذ أن بدأ يفكر فإنه قد أدرك بأن لكل كائن حي نهاية وأن الكائنات الحية بما فيها الإنسان حتى وإن نجت من أهوال الدهر فإن بنائها الحيوي يتقادم وينحو باتجاه الموت والفناء، ولم يستطع الإنسان تقبل هذه الحقيقة المرة وحاولت الحضارات التي نشأت على مر التاريخ بأن تجد المخرج من مأزق الموت والحتمية، واستخدمت ما أوتيت من علوم وأدوات بأن تصل للطريقة أو التركيب الذي يجعل الإنسان يحيى بلا نهاية.

   

ذكر المصانع في ذلك الكتاب الذي أنزل في عرض الصحراء على النبي محمد قبل ١٤٠٠ عام يجعل أي يشخص يستبعد فكرة وجود مصانع لقوم عاد في تلك الأزمان السحيقة على هيئة المصنع العصرية التي نعرفها

وتكالبت الملوك المتلهفة على الحياة على مخابر العلماء وافنت جزءا كبيرا من ثروتها للباحثين والمستشرفين كي يجدوا حلا لهذا المصير المشؤوم إيمانا عبثيا بأن علة الموت كمثيلتها من العلل التي تلم بالإنسان فلا بد أن يكون لها علاج أو طريقة. وتعج كتب التاريخ بالقصص التي تدور حول هذا المبتغى. فمنهم من جند الباحثين عن عشبة الحياة وآخرين لإيجاد نبع الخلود، وتكون حول هذا الهدف الضائع علوم تجريبية مثل الخيمياء التي كانت تزعم أنها تسخر الكيمياء وعلومها للوصول لوصفة سحرية تحقق الثراء والخلود.

   
وأشارت معظم التفاسير إلى أن الآية  "وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ" الشعراء (١٢٩)، هي إشارة إلى أن قوم عاد قد اتخذوا صروحا وقصور تستطيع مواجهة تقلبات الزمن ولكنهم أنفسهم نحو الفناء فلما هذا العبث، إلا أن نظرة شمولية لما كان يقض مضاجع الباحثين والعلماء في ذلك العصر وما سبقه وباستشراف الآية بروح عصرنا عصر العلم والتكنولوجيا نقول لما لا تكون حضارة عاد قد بنت فعلا مصانع بمفهومنا العصري للمصانع؟! ولما لا نأخذ الآية بمعناها الحرفي بأنهم بنو مصانع ومراكز بحثية على أمل الخلود وعلى الرجاء بأن يتوصل الباحثون لتركيبة كيميائية أو منتج أو طريقة يمكن بها الخلاص من حتمية الموت والفناء البشري.

  

لغاية يومنا هذا وبعصر العلم لا زال هنالك ثلة من الباحثين يلهثون وراء ذلك الأمل القديم والعقيم بأن يصلوا للخلود والتحرر من شبح النهايات الحزينة. فهنالك مجموعة بحثية تحاول عابثة في مختبراتها استخدام النتروجين السائل لتجميد الكائنات الحية وإعادة أحيائها بعد قرون، فبمنطق هؤلاء الباحثين فإنه إن أصيب شخص بمرض ليس له علاج بوقتنا الحالي فبإمكانه التجمد والعودة للحياة بعد مئتي عام لعل العلم قد توصل لعلاج له بذلك الوقت (٢)، وعلماء آخرون يستخرجون بكتيريا وفيروسات من كهوف قديمة قد اضطرت هذه البكتيريا للسبات لآلاف السنين ومن ثم حقن أنفسهم بها لعلها تعطيهم تلك الأبدية والخلود (٣).
    

ذكر المصانع في ذلك الكتاب الذي أنزل في عرض الصحراء على النبي محمد قبل ١٤٠٠ عام يجعل أي يشخص يستبعد فكرة وجود مصانع لقوم عاد في تلك الأزمان السحيقة على هيئة المصنع العصرية التي نعرفها، ولكن اكتشافا تاريخيا بسيطا كبطارية بغداد (٤) ينسف تلك القاعدة من جذورها، فوجود بطارية كهربائية منذ عام ١٦٠ قبل ميلاد المسيح تعمل على نفس مبدأ البطارية المستخدمة في أجهزتنا الإلكترونية اليوم يجعلنا نفكر ونهيم استغراقا بجذور تلك الحضارات وإنجازاتها، وخصوصا عندما نتذكر أن الحروب قد دثرت علوم تلك الحضارات وجعلتنا نبدأ من الصفر للوصول لتكنولوجياتنا الحالية، فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم.

__________________________________________________________________________________________________________
المصادر
١- http://articles.latimes.com/1992-02-05/news/mn-1192-1-lost-city
٢- https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3328517
٣- https://futurism.com/scientist-injects-himself-with-a-3-5-million-year-old-bacteria-to-extend-life
٤- http://news.bbc.co.uk/2/hi/science/nature/2804257.stm

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة