لو كان الفقر على أي هيئة لقتلته!

19/6/2018

كان يوماً عادياً، الفرح، والغضب، والتعب، والمفاجآت، وحتى الزحام، كلها أحداث غير متوقعة، الروتين فقط سيد اليوم ككل الأيام، وكان هو ككل البسطاء لا يتوقع شيئاً. ثلاث دورات حول نفس المكان لم تكن كافية لأجد موقف جيد لسيارتي، إلى أن أشار لي من بعيد، ركنت سيارتي أخيراً في مكان ضيق فنزلت صديقتي إلى الدكان أو ما نسميه اليوم "السوبر ماركت" واضطررتُ للبقاء انتظرها وانتظر أحدهم يخرج لآخذ مكانه وألحق بها. شكرته بإشارة صامته، فلولاه لما وجدت هذا المكان وإن كان لا يتّسع وإنما أوفى بالغرض، فمشكلة الازدحام ومواقف السيارات كغيرها من مشاكلنا لا حل لها وإنما نجبر ذكاءنا على أن نستمر رغم وجودها ونحتال عليها، عاد يكمل عمله يكنس الشارع، ويجمع كراتين كبيرة خلفتها المحلات التجارية في الشارع ذاته.

  

كانت أيامه تدور حول عامه الخمسين، يعمل بتثاقل كأن هزيمه ما لحقت به، راقبته خلسة، ليس لأني أهوي المراقبة بل لأن تلك المرآة التي تحذرنا من عدم الاتكال عليها لأن الابعاد من خلالها غير دقيقة أو حقيقية، تلك المرآة فاشية الأسرار في زاوية السيارة، كانت تعكس بعدا غير مرئي لهذا الرجل، فلطالما كُشِفت الأسرار لأسباب ظلت مجهولة لأصحابها.

 

 غرقت في محيط الدهشة ولم يرحمني موجه الثائر.. وغيمة رمادية محتقنة توارت خلف قلبي تنتظر الجواب.. كم ندفع ثمن أيامنا، مع من نقايضها، وبماذا؟

راح يمشي ببطئ شديد إلى أن وجد مساحة فارغة يحميها الظل من إصرار شمس آب المشاكسة، وجلس راكنا ظهره إلى الخلف، ممسكا بالمكنسة كسيف، كأن استراحته هذه هدنة مع التعب. أخرج من جيبه شيئا أسودا صغيرا بدا أنه هاتف خلوي، نظر إليه، تأمل هاتفه كثيرا قبل أن يتخذ قراره ويرد على المتصل، لم أسمع شئيا فتلك المرآة لا تعكس أبعادا صوتيه، لكن صوته الذي ارتفع وبحدة كان كفيلا بالأمر، سمعته يقول بتوتر: هل تصدق؟ كلفني اليوم إلى الآن ثلاثة دنانير، هل تصدق! دينار علبة سجائر، ودينار غداء، ودينار مواصلات.. لا أعلم ماذا أفعل.. كلفني هذا اليوم ثلاثة دنانير! تخلى عن المساحة المظللة التي جلس بها وراح يمشي، ينقر بمكنسته على الأرض وكأنه يعاقبها لأنه دفع ثلاثة دنانير ثمن وجودة على هذه الأرض.

 

لم أبكِ كامرأة تشهد ضعف رجل، بل شحذت من أفكاري استنكارا وأنا أسمع خبرا عبر الراديو عن سيدة ناشطة في حقوق الحيوان تدعو إلى مظاهرة لحماية حيوانات حيها، وأرى من يخرج من السوبرماركت يحملون أكياسا ثِقَل بُؤس هذا الرجل، كم كلفتهم هذه اللحظات؟ وأنا أيضا، "لو كان الفقر رجلا لقتلته"، ولو كان على أي هيئة لقتلته. أما هو، من احترف عدّ حبات الغبار في الشوارع، بماذا سيقايض الساعات المتبقية من يومه، إن كان قد دفع كل ما يملك مقابل الساعات الماضية؟

 

استعدت أسرار الموسوعة غير الكاملة للمنطق، لم أجد تفسيرا، غرقت في محيط الدهشة ولم يرحمني موجه الثائر.. وغيمة رمادية محتقنة توارت خلف قلبي تنتظر الجواب.. كم ندفع ثمن أيامنا، مع من نقايضها، وبماذا؟ عادت صديقتي تحمل كيسا وإن كان متوسط الثقل إلا أن صوت حركته داخل السيارة كان يردد كالصدى: كلفني هذا اليوم ثلاثة دنانير..

ثمن هذا اليوم ثلاثة دنانير..

ثلاثة دنانير..

ثلا..ثة..

دنانير..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة