أمين أمكاح
أمين أمكاح
3.5 k

الغش المدرسي من زاوية قيمية

22/6/2018

يعتبر الغش المدرسي من بين أكثر الأنماط السلوكية المنحرفة انتشارا، ويتمثل بالأساس في ممارسة مجموعة من التصرفات غير المسموح بها تربويا، والممنوعة قانونيا؛ كالتحايل والنقل وغير ذلك من الأفعال التي تقتل مبدأ تكافؤ الفرص، والتي يقوم بها المتعلم قصد الحصول على نتائج وكفاءات وامتيازات، لا بالاعتماد على المجهودات الشخصية والكفاءات الذاتية، ولكن باستعمال وسائل وطرق غير مشروعة.

  
وللحديث عن الغش المدرسي في عمقه القيمي لا بد أن نرجع أولا هذا السلوك المنحرف إلى سياقه العام الذي لا ينفصل عنه، إذ لا يمكن عزل الغش المدرسي عن المجتمع؛ فكيف لا يلتجئ المتعلم إلى الغش وما يراه في الحياة اليومية كله مبني على الغش؟! والذي له صور متعددة وأشكال متنوعة يمكن استقراؤها من الواقع الحاضر: كالغش في البيوع وغيرها من المعاملات: ببخس الناس أشياءهم، والنقص في الكيل والميزان، ونجد أيضا الغش الإعلامي المتمثل في: إشاعة الحقائق المزيفة، وتضليل الرأي العام واستغبائه بنشر الأكاذيب والافتراءات، ومما هو منتشر أيضا الغش في العمل والتخاذل عن أداء الواجب الوظيفي، بالإضافة إلى الغش العلمي الذي استفحل في الميدان الأكاديمي كثيرا؛ فكم من واحد قدم بحثا أو مؤلفا أو مشروعا ليس له فيه إلا اسمه على غلافه.

  

لقد أثبتت التجارب المتكررة فشل المقاربة الزجرية في الحد من الغش المدرسي، فلا يمكن أن يكون علاج هذا السلوك المنحرف جزئيا أو مرحليا مرتبط فقط بفترة ما قبل الامتحانات

ومن هذا المنطلق فالمتعلم لا يعتمد على الغش عبثا أو من تلقاء نفسه ما دام أن الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه يستشري فيه الغش وينخر جميع قطاعاته، بل ويشجع على الغش بالأساس؛ فيمدحه ويعتبره من الذكاء والفطنة، فالافتخار بالغش أصبح مبثوثا في مختلف التعاملات الاجتماعية.

  
والحقيقة أن طبيعة المجتمع الذي ينتشر فيه الغش، هو مجتمع سقطت فيه قيم كثيرة أهمها: الصدق والعدالة واحترام العمل الجاد وجعله وسيلة للارتقاء في السلم العلمي والمهني والاجتماعي، لكون هذا المجتمع أصبح ذا ضمير معتل، فالغش المدرسي ما هو إلا انعكاس للتشوهات القيمية والفكرية التي يعيشها المجتمع. من هنا يمكن أن نتساءل: أليست المدرسة بتنوع وظائفها حلقة الوصل النموذجية بين المتعلم والمجتمع؟؟ وهل يمكن عزل المتعلم عن وسطه وبيئته التي يعيش فيها؟ ألا تعتبر المدرسة آلية أساسية لترسيخ ثقافة وقيم المجتمع؟ ألا تمثل المدرسة نموذجا مصغرا للحياة الاجتماعية؟ كيف نطلب من المتعلم أن يكون نزيها وهو يعيش وسط مجتمع مليء بمظاهر الغش بكل أنواعه؟ وإذا كان الغش سلوكا غير سوي، فلماذا تحتضنه الأسرة التي تعتبر المحضن الأول للتربية على القيم؟ ألا يعني انتشار هذا السلوك المنحرف وجود خلل ما في النموذج القيمي الذي يتمثله المتعلم؟ بل أليس هذا مؤشرا على وجود أزمة قيم داخل المجتمع برمته؟ وفي الوقت نفسه ألا يحق لنا التساؤل ـ في هذا المقام ـ عن مدى نجاح محاولات الاصلاح التي قامت بها السلطة الوصية على قطاع التربية والتعليم للتخلص من هذا السلوك المنحرف وتعديله؟ 

  
تعد المؤسسات التعليمية بمثابة فضاءات تربوية لإنتاج القيم واستدماجها، لكونها رافدا أساسا لغرس قيم النزاهة، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص، وتخليق الحياة المدرسية، ولعل من أهم ما يساعد كثيرا على انتشار الغش في الوسط المدرسي هو: اعتماد المناهج التربوية على التلقين، والحشو، والمعرفية الكمية، بدلا من التشجيع على امتلاك مهارات التفكير السليم والإيجابي المساعد على حل المشكلات.

  
لقد أثبتت التجارب المتكررة فشل المقاربة الزجرية في الحد من الغش المدرسي، فلا يمكن أن يكون علاج هذا السلوك المنحرف جزئيا أو مرحليا مرتبط فقط بفترة ما قبل الامتحانات، ولا يمكن أن يتم العلاج أصلا ونحن نضع المتعلم موضع المجرم المنبوذ، ولهذا يستوجب أن تتم المعالجة ضمن مقاربة قيمية متكاملة تنطلق من أصل هذا السلوك غير السوي، ومن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء وجوده وانتشاره. ونتيجة لذلك فإني لا أرى أية فائدة لتطبيق العقوبات الزجرية المشددة إن كانت لا تحد من الغش المدرسي إلا انطلاقا من الدوافع الترهيبية، لا من باب التغيير الإيجابي والاقتناع بشناعة وضرر ما يمارس، فمنبع ذلك السلوك المنحرف في الأصل باطني، أي أن ذلك راجع لفقدان المناعة الذاتية من التصرفات غير السوية، وعدم يقظة الضمير الإنساني، وغياب الوعي التام بمخلفات ونتائج الغش بصفة عامة.

   

 

ولهذا السلوك المنحرف علاج فعال وحيد يبتدئ بالتركيز على إصلاح التمثل القيمي عند المتعلم، وذلك بإحداث تغيير جوهري على المستوى التربوي بعيدا عما هو شكلي، من خلال اعتبار بناء القيم مدخلا إجرائيا نحو صناعة جيل سوي يتبنى عمليا مبدأ تكافؤ الفرص انطلاقا من قيم المساواة والنزاهة والعدل والإنصاف والعفة والأمانة والإخلاص والصدق والإحساس بالمسؤولية، والتمكين من التشرب المطمئن لهذه القيم، والتي هي عملية مضنية في سبيل تثبيت هذه القيم الفعالة، وتخليص النفوس من درن السلوك غير السوي.

  
والجدير بالذكر أنه ليس بالأمر الهين إحداث تغيير قيمي فعال في سلوك المتعلمين، ونقلهم من دائرة السلوك المنحرف إلى دائرة السلوك السوي؛ أي الوصول للتعديل على المستوى السلوكي، لأن ذلك يتطلب أيضا تحقيق نوع من الرقابة القيمية، والتي تتجسد في الضمير ـالأنا العليا- وتنشط وتثبت بإحكام بما يواجه المتعلم من مواقف وتصرفات منحرفة في العالم الخارجي سواء الواقعي أو الافتراضي.

  
وما ينبغي التأكيد عليه في الأخير أنه لا جدوى لأي إصلاح حقيقي في ظل مناخ عام ينمي سلوك الغش، ويقصي ثقافة الجد والاجتهاد، ومن هنا أود أن أعيد التشديد على أن إصدار القوانين والعقوبات الزجرية، واستخدام آليات المراقبة المتطورة تبقى مجرد علاج لا يتجاوز أعراض هذا السلوك المنحرف، ولا يصل بتاتا إلى عمق الداء، الذي يحتاج إلى علاج جذري يستأصل الغش المدرسي من جذوره ولا يداوي أعراضه فقط، وهذا كله ما يستدعي اعتماد المقاربة القيمية الشمولية التي تلامس المتعلم تربويا وتعليميا ونفسيا واجتماعيا وأخلاقيا، إلى جانب الرفع من مستواه التحصيلي بتطوير تفكيره ومهاراته.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة