مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
385

سؤال مفخخ.. هل تستطيع أن تُغير الوسادة؟!

23/6/2018

هل تستطيع أن تغيير وسادتك؟! هذا السؤال المفخخ أقترح أن يوضع ضمن الأسئلة الراتبة في مقابلات العمل، واختبارات الشخصية، بل وحتى عند أخصائيي العلاج النفسي، ومؤسسات إعادة التأهيل. إن علاقة الإنسان بالوسادة أو "المخدة" كما نسميها بالدارجية السودانية أعمق بكثير مما تبدو، إذ أن الوسادة ليست مجرد فقط ذلك المكان الذي نضع فيه رؤوسنا لنستغرق في السبات، تأثيرها يتجاوز ذلك بكثير، يتجاوز منامنا إلى التأثير في يقظتنا، وتصرفاتنا.. بالتأكيد ليست الوسادة هي التي تفعل ذلك بطريقة مباشرة، لكن العلاقة التي تنشأ بيننا وبينها تكشف لنا عن بعض مكنونات شخصياتنا التي لا ندري عنها شيئاً.


لا أدري بالضبط كيف أغفل علم النفس الحديث هذه الوسادة - ذلك المكان الذي يضع فيه الإنسان رأسه لأكثر من نصف عمره، لك أن تتخيَّل أنه لو قُدِّر لك أن تعيش ستين سنةً على هذا الكوكب البائس، فستقضي ثلاثين عاماً منها هناك ورأسك على الوسادة، باطمئنان وهدوء بعيداً عن كل نفاق أو زيف، لا أتفهم كيف لهذا العلم أن يتجاوز هذه العلاقة، بينما ينفق علماؤه جل وقتهم في دراسة علاقة الإنسان بالهواتف الذكية أو مواقع التواصل الاجتماعي.. والوسادة من ذلك أهم!


سؤال الوسادة الغريب أعلاه يكشف لنا عن جانب مهم من الشخصية الإنسانية، عن مدى تقبلنا لفكرة التغيير من عدمه، هل نحن من أولئك النفر المرتبطون بوسائدهم، المتعلقون بها، والغير قادرين على تغييرها - اللهم إلا بسبب ضرورات قاسية لا مفر منها، هل نحن من تلك الشخصيات المسكونة بالألفة والمستعمرة بالحنين، والغير قادرة على التخلي. تلكم المسكينة المتمسكة بالماضي وإن كان مؤذٍ لها ومقيد لحدودها وإمكانياتها، أولئك المسكونون بالأشياء، والمسجونون بها وفيها معاً.

يجب أن نتعامل مع الحياة بموضوعية أكثر وبعواطف أقل. لا بأس أن نتخلى عن الوسادة لكن ثمة مبادئ لا يمكن التخلي عنها

الشاعر الرائع أبو الطيب المتنبي كان واحداً من هذه الشخصيات المتلبسة بالحنين - ولربما العاجزة عن تغيير "المخدة" - كتب شعراً يعبّر عن هذه الذات الأسيرة للحنين والغير قادرة على التخلي. كتب فقال:

خُلقت أولفاً لو رُجعت إلى الصبا .. لفارقت شيبي موجع القلب باكياً


تصوروا لو عاد به الزمان شاباً يافعاً لفارق كهولته وشيبه بالدموع والأحزان، الكهولة بكل ما فيها من ضعف ويأس والشباب بكل ما فيه من أمل وقوة لم يشفعا لأبي الطيب في دفع إلفته وحنينه الدفين.. الأمر ليس مبالغة أدبية كما يتبادر إلى الأذهان، هو أيضاً ليس "نوستالجيا" حزينة كما قد يظنها البعض - والنوستالجيا لمن لا يعرفها حالة من الحنين إلى الماضي والتشبث به وتشذيبه في الذاكرة الإنسانية، يمكن أن نقول عنها أنها يا سادة جراحة تجميلية للماضي تتم في سراديب الذاكرة البشرية، هكذا دون أطباء أو غرف عمليات مجهزة - إلا أن رفاق "المخدة" يختلفون قليلاً عن النوستالجيون، فهم لا يجملون الماضي ولا يزخرفونه في الأذهان وإنما يحنون إليه كما هو.. هكذا بمآسيه وبكائياته.


يخشون المستقبل ويتهربون من ملاقاته كأنه الموت أو الجحيم بالنسبة لهم، وليس الأمر بسبب أن المستقبل قد يحمل لهم ما قد يسوؤهم إنما فقط لأنه سيسلب منهم حاضرهم الذي اعتادوا عليه وألفوه وسيجلب معه واقعاً جديداً غير الذي كان مألوفاً لديهم.. هؤلاء يفضلون العصفور الوحيد الذي في اليد على العشرة أو العشرين أو حتى المائة التي ربما قد تكون في الشجرة، ليس لديهم حس مغامرة ولا يستهويهم التغيير، متعلقين بأستار الحاضر وأشياءه، عالقين في الواقع الذي ألفوه وتعودوا عليه. وإن كانوا أكثر قدرة على تحمل مآسيهم اليومية بفعل جرعة الألفة الزائدة في دمائهم إلا أن ذلك يجعل منهم أقرب بخطوتين للمازوشية ممن سواهم من الناس.

 

على النقيض منهم تماماً يوجد شعب القساة، الذي لا يدين بالحنين لأحد - وِسادةً كانت أم بشراً - أناس مهيأون للتخلي، شغوفون للتغيير على أي شاكلة كان، إن هؤلاء يمارسون السادية على واقعهم، يقدسون المستقبل ويحتقرون الماضي بشدة. كلا الفريقين على خطأ بيّن لا تخطئه العين، إذ أن الأحداث والأزمان ماضياً وحاضراً ليست اعتبارية إلى هذه الدرجة في تقيِّمها.. ولا ينبغي لها أن تكون كذلك، إنما يجب أن نتعامل مع الحياة بموضوعية أكثر وبعواطف أقل. لا بأس أن نتخلى عن الوسادة لكن ثمة مبادئ لا يمكن التخلي عنها، لا بأس أن نخشى من المستقبل، لكن لا يجب أن نتهرب منه.. يجب نستعمل مشاعرنا في الحياة بترشيد، هكذا بلا إفراط ولا تفريط.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة