سيلفي.. اكتفينا ذاتياً فهنيئاً لنا!

24/6/2018

بمصادفة تكثر فيها الاحتمالات، استوردنا اكتفاءنا الذاتي كباقي ما استوردناه، وتخلصنا بجدارةِ الزمن والتطور من أي تبعية قد تعكر صفو لقاء أنفسنا بصورها.. في طريقي إلى أحد المطاعم للقاء صديقتي لنسرق ساعتين من الثرثرة والأخبار الخفيفة والذكريات، تأخرت قليلاً، ليس لأني في مدينة أرصفتها طاردة للمشاة لا تعترف بحقوقهم فتوجب عليك التنقل بسيارة لتقطع مسافات بسيطة، ولا لأن الشوارع المزدحمة بناسها وسياراتها تخرق كل أنظمة المرور، ولا لازدحام أماكن الاصطفاف الذي بات أرقاً حقيقياً لكل من يغادر منزله، ولكني حين ألقيت القبض أخيراً على موقف لسيارتي، وجب علي الانتظار طويلاً، حتى ينهي شاب عشريني وحيد داخل سيارته التي يتجاوز سعرها المئة ألف دولار بباب واحد ليكتمل مظهر أناقته الشبابية، انتظرته لينهي ابتسامته أمام صورة "سيلفي".

 

ولأن "العزلة لا تملك تاريخاً" بحسب الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، وجدتني أتنقل في أغوار الأفكار، أداعب مللي، فلا أدري كم تساوي الوحدة التي أمضاها العظماء الخالدون من الأدباء في بورصة الأيام المهدورة الآن، لكن إنتاجهم الأدبي أو الفلسفي كان ومازال الشاهد الأقوى على فن الوحدة والعزلة. السيلفي ظاهرة قديمة، قديماً كان يأبى علماء الدين والكون والأدب والبحوث العلمية والفلاسفة، وصفة الإجابات الجاهزة، يرحلون إلى عزلتهم، ويسافرون "سيلفي" أي وحدهم وبأنفسهم بحثاً عما يشفي عقولاً في شوق إلى إجابات تفضي غالباً لمزيد من البحث.

 

السيلفي الحديثة وحدة قسرية نفرضها على أنفسنا، واكتفاء نتاجه صورة، لسنا بحاجة لأحد، السؤال مذلة، نحن نلتقط الصورة، نرى أنفسنا، نصورها، نبتسم أو نضحك وحدنا

يقول إبراهيم الكوني "تقوقعت حول نفسي لأني وجدت أن العزلة أحسن سلاح للدفاع عن النفس"، هو الذي اختار عزلته ليهدينا أجمل الكتب، ويهديه العالم أهم الجوائز الأدبية. صوت نيتشه على لسان زرادتشت جاءني ليبدد غيمة انتظاري "طويلاً بقيت قابعاً في وحدتي حتى أنني نسيت الصمت... لست الفم الذي يصلح لهذه الآذان"، وجاد بعد دهر من الوحدة والانعزال بحكمة وفلسفة ما زالت عصية على الفهم ومحلاً للجدل، ذلك أن الوحدة غالباً ما كانت شرطاً أساسياً للإبداع. كذلك هم الأنبياء في وحدتهم، وهل الأديان سوى تدفق صوت الصمت الوحيد بعد عزلته نحو البشر.

 

أما السيلفي الحديثة وحدة قسرية نفرضها على أنفسنا، واكتفاء نتاجه صورة، لسنا بحاجة لأحد، السؤال مذلة، نحن نلتقط الصورة، نرى أنفسنا، نصورها، نبتسم أو نضحك وحدنا، نعيش اللحظة والذكرى والصورة معاً، وحدة من نوع آخر، وحدة صحراوية جافة، عزلة، زاهدون في احتياجنا للآخر، واجتماعياً ننتقل إلى المثوى الأخير بصمت نروي صور حياتنا، ضجيج صامت حولنا، لو نستعيد الضجيج المليء بالضجيج! ربما نسيِتْ هذه الوحدة، بحلّة الرماد الجديدة، أن الوحدة هي انعزال عن الجماعة، فالآخر حاضر حتى بها، لعل هذا ما عناه تشي غيفارا حين قال "العز في العزلة، لكن لابد للناس من الناس". هناك برد لا دفء منه، كيف نبني عظام أيامنا القادمة من ثدي الوحدة؟!

 

منذ فترة وجيزة تصدَّر خبر "رجل يأخذ سيلفي أثناء أدائه الصلاة" قائمة الأخبار الأكثر قراءة وتداولاً، السيلفي أصبح حاضراً في صلاتنا، الخبر كان الأكثر قراءة والأول على أخبار غزة وسوريا والعراق، بل وتفوق على خبر الاتفاق النووي التاريخي بين أميركا وإيران، كذلك هي أخبار سيلفي المشاهير وخلفهم كلابهم وقصورهم.

 

في كاليفورنيا مدينة الشاطئ الملوّن، منذ عام تقريباً، أذكر أن رجلاً وامرأة أوروبيين في الستين من العمر، بدا لي أنهما جاءا ليحتفلا بعيد زواجهما في مدينة لا تعرف المستحيل، هي التي حولت مكب نفاياتها إلى وجهة سياحية، وفي ركن قريب اجتمع مجموعة أصدقاء يتأملون زجاج الشاطئ المنثور وألوانه الكرستالية المتوهجة لهيباً وجمالاً، سألاهم أن يساعدوهما بالتقاط صورة، يبدو أن اللغة كانت جسر عبور فرحتهم حين عرفوا أنهم من البلد ذاتها، أخذوا لهم مجموعة صور، وأكملوا بعدها جميعهم الطريق معاً.

 


سؤالان أذكر أني ما عرفت لهما جواب، هل كان أي منا ستطغى عليه ذات السعادة لو التقى بعربي في بلد غريب، نحن الغائبون في وطن حاضر، وماذا لو فعل الزوجان العكس وتبنيّا موجة السيلفي؟ وسيلفي.. أقصد.. وحدي.. أكملت طريقي للقاء صديقتي، مشيت قليلاً لأصل إليها، ومررت بمشاهد "سيلفية" كثيرة في طريقي، وكأني عبرت مشهداً مسرحياً صامتاً، ربما لأن الصباح بطبعه صامت، ولأن السلفي تحتاج لصمت أيضاً، لقد حلت الوحدة فلتغفروا لنا وحدتنا، لقد مات الضجيج، فلترحم أصواتكم ضجيجنا.

 

في نهاية جلستنا أردت وصديقتي أن نحفظ لقاءنا بصورة، طلبنا من سيدة تجلس مع طفلتها أن تساعدنا، عرفنا أنها من الجزائر في زيارة عمل قصيرة، كان اسمها "نزيهة"، لكل امرئ من اسمه نصيب، وكم أحسنت الجزائر في تسمية أبنائها، ولمّت الصورة شمل عروبتنا، فقد تم اعتقال تلك اللحظة بوحدة عربية في مساحة لا تتجاوز الخمسة أمتار، ضحكنا بمزيج دقيق متناسق من الخبث والحزن والحسرة، وتمردنا على الثورة العكسية الجديدة التي تدعى "سيلفي". نسيت أن أقول لكم أني كنت أخبئ في حقيبتي عصا السيلفي.. فما قيمة القرار إن لم يكن أمامك خيار.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة