محمد خير قزيها
محمد خير قزيها
486

الصين وطموحها نحو دولة ذات اقتصاد متقدم!

25/6/2018
عادةً ما تتميز الدول النامية بارتفاع معدلات نموها الاقتصادي إلى مستويات عالية، يرافق ذلك ارتفاع في معدلات التضخم يختلف من دولة إلى أخرى وفقاً لمقدرتها في وضع سياسات اقتصادية تلائم طبيعة اقتصادها، والسبب في هذا النمو المرتفع يعود إلى الفوائض الهائلة في الموارد الطبيعية والبشرية الكامنة لدى تلك الاقتصادات والتي لا يتم استغلالها أو توظيفها كما يجب. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الدول المتقدمة عادة ما تحقق معدلات نمو اقتصادية منخفضة لا تتجاوز الـ 3 بالمئة أحياناً، محافظةً بدورها على معدلات تضخم منخفضة، والسبب في ذلك يعود إلى التوظيف شبه التام للموارد الاقتصادية في تلك البلدان، حيث يصبح تحفيز الاقتصاد وبالتالي زيادة النمو الاقتصادي أمراً ليس بالسهل.

  
من خلال تلك المقدمة المختصرة نستطيع تصنيف الصين كدولة من تلك الدول النامية التي تكاد لا تتوقف عن تحطيم أرقام قياسية جديدة في نموها الاقتصادي، فمنذ أكثر من عقدين من الزمن اعتاد الاقتصاد الصيني تسجيل معدلات نمو مرتفعة ترافقها معدلات تضخم منخفضة، حيث تجاوز النمو الاقتصادي 14 بالمئة بينما لم تتجاوز معدلات التضخم 5.9 بالمئة طوال تلك المدة. أيضاً تمكنت الصين من تحقيق أعلى ناتج محلي إجمالي على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية والذي تجاوز 12 ترليون دولار عام 2017 بينما ارتفعت صادراتها لأكثر من 2 ترليون دولار لتصبح أكبر دولة مصدرة في العالم.

  
علاوة على ذلك، تعتبر الصين واحدة من أكبر الدول الدائنة في العالم كاليابان وألمانيا وسويسرا وهونغ كونج، والتي تتميز بفائض هائل في ميزانها التجاري "المكون الأساس للحساب الجاري" حيث تجاوز فائضها 357 مليار دولار عام 2015 والذي بدوره أتاح لها فرصة في إقراض العديد من الدول الأخرى التي تسمى بـ "الدول المدينة" وأبرزها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تحتل الصين المرتبة الأولى في حيازتها لسندات الخزينة الأمريكية والتي تقدر بأكثر من ترليون ومئة وثمانين دولار أمريكي.

  

إلى أين يتجه التنين الصيني؟!
من التحولات التي تجعل الصين في مصاف الدول المتقدمة هو التطور التكنولوجي المتسارع الذي وصلت إليه خلال السنوات الماضية

قبل أن نشرع بالحديث عن التحول في الاقتصاد الصيني لابد لنا أن نعطي فكرة مختصرة عن المراحل التي يمر بها الاقتصاد الناشئ. إنّ دورة حياة أي اقتصاد تبدأ أولاً في التركيز على الاستثمارات التي تتعلق بالقطاع الزراعي، حيث تتمكن الاقتصادات الناشئة من خلال تلك الاستثمارات تحقيق وتأمين اكتفائها الذاتي من المنتجات الغذائية الأساسية، ثم تشرع بعد ذلك بالتفكير مجدداً في تطوير بنية اقتصادها، فالقيمة المضافة من المنتجات الغذائية تصبح غير كافية لتلبية احتياجات السكان المتزايدة من السلع الأخرى، لذلك تلجأ الدول إلى القطاع الصناعي أي التصنيع، فالقيمة المضافة في التصنيع تبلغ أضعاف القيمة المضافة في الزراعة من جانب التصدير. وتستمر الدول هكذا في تطوير وتنويع صناعاتها الى أن تصبح دولة نامية ومن ثم تسعى إلى رفع سوية تصنيعها كي تنافس الدول الأخرى وتصل إلى مرحلة الدول المتقدمة.

  
أما مرحلة الدول المتقدمة فهي مرحلة تصل فيها الدولة إلى التوظيف شبه التام للموارد عبر استخدام تقنيات تكنولوجية عالية، والاهتمام أكثر برفاهية شعوبها من خلال التركيز على تحفيز كل من الاستهلاك، بشقيه الخاص والعام، وقطاع الخدمات بكافة فروعه، والذي يعتبر من أهم ما تتصف به الدول المقدمة. فيما يخص الصين فقد أعلنت الحكومة الصينية مؤخراً دخولها إلى ما سمته عصر التنمية الجديد، ومن أهم ما أكدت عليه هو بدء انتقالها من اقتصاد يعتمد على الاستثمارات في نموه إلى اقتصاد يكون المحرك الأساسي فيه كل من الاستهلاك وقطاع الخدمات. 

  
بعد عقدين كاملين من الفوائض كانت قد حققتها في حسابها الجاري سجلت الصين أول عجزٍ لها بمقدار 28.2 مليار دولار في الربع الأول من 2018، ويمكن اعتبار هذا العجز تغير حقيقي يطرأ على بينة الاقتصاد الصيني يُظهر وبكل وضوح مسار السياسات الاقتصادية المتبعة من قبل الحكومة، فالحساب الجاري عادة ما يتم تعريفه بأنه الفرق ما بين الاستثمارات والادخارات الوطنية، فوجود أي عجز في الحساب الجاري لدى الصين يعني وجود نقص في ادخاراتها الوطنية بشكلٍ تعجز فيه عن تمويل تلك الاستثمارات، وبالتالي تصبح مضطرة إلى الاقتراض من الخارج لتغطية ذلك العجز. 

  

أعربت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً عن قلقها إزاء محاولة الصين الحصول على أسرار صناعاتها التكنولوجية، واعتبرتها الأولى محاولة سرقة توترت على إثرها العلاقات بين الطرفين

رويترز
   

يمكن ملاحظة وجود تسريب واضح من الادخار إلى الاستهلاك في الاقتصاد الصيني يجعل نصيب الاستهلاك من الدخل يتجاوز حصة الادخارات التي طالما استحوذت على النسبة الأكبر من الدخل الوطني على مرّ السنوات الماضية، فوفقا لآخر الاحصائيات فقد انخفض معدل الإدخار كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 55.51 بالمئة عام 2010 إلى 46.38 بالمئة عام 2017، بينما تجاوز معدل الاستهلاك 53 بالمئة في عام 2017 بعد أن وصل إلى 48 بالمئة تقريبا عام 2010. حيث يعود السبب في ذلك الى حدوث تغيّر في النمط الاستهلاكي لدى المجتمع الصيني نتيجة التسهيلات والقوانين المحفزة لذلك بالإضافة إلى ارتفاع نسبة كبار السن وهي الفئة التي تعتبر عادةً أكثر فئات المجتمع استهلاكاً.

 

بالانتقال إلى قطاع الخدمات، فقد لوحظ أيضا اهتمام كبير من جانب الحكومة الصينية في قطاع الخدمات وخاصة فيما يتعلق بالمصارف وتيسير الحصول على قروض، وتكنولوجيا المعلومات، وما يخص خدمات البنية التحتية والمواصلات، وكان ذلك على حساب الخدمات التقليدية كخدمات بيع العقارات وبيع الجملة وخدمات المطاعم، فوفقاً لأرقام المركز الإحصائي الرسمي الصيني فإن معدل نمو قطاع الخدمات وصل تقريباً إلى 8 بالمئة عام 2017 والذي تجاوز بدوره النمو الاقتصادي الكلي الذي بلغ 6.9 بالمئة. كما وأظهر مؤشر China Caixin Services Purchasing Managers Index "وهو مؤشر يبين مدى تطور قطاع الخدمات في الصين" ارتفاعاً بلغ 54.7 في فبراير 2018 وهو أعلى رقم يصل إليه منذ مايو 2012.

   

هل ستفقد الصين تلك المعدلات المرتفعة في النمو الاقتصادي التي طالما ارتبطت باقتصادها؟ والجواب هنا قد تبقى الصين محافظةً على ذلك المستوى من النمو الاقتصادي لكن في المقابل قد تواجه عقبات أخرى

ومن التحولات الأخرى التي تجعل الصين في مصاف الدول المتقدمة هو التطور التكنولوجي المتسارع الذي وصلت إليه خلال السنوات الماضية، فلدى الصين تسع شركات تكنولوجية ضحمة تعتبر من ضمن أكبر عشرين شركة تكنولوجية في العالم ك Alibaba وTencent وAnti Financial، ناهيك عن محاولات الصين المتكررة من أجل الاستحواذ على شركات تكنولوجية متقدمة ذات أصول أجنبية، حيث أعربت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً عن قلقها إزاء محاولة الصين الحصول على أسرار صناعاتها التكنولوجية، واعتبرتها الأولى محاولة سرقة توترت على إثرها العلاقات بين الطرفين، حيث اتهم الرئيس الأمريكي الحكومة الصينية بمحاولة سرقة الملكية الفكرية للصناعات الأمريكية، الاتهامات التي استفاد منها وأعلن بسببها خطة محكمة لفرض عقوبات جزائية بقيمة 50 مليار دولار على شكل تعريفات جمركية على الواردات الصينية. 

  
وأخيراً فإن الارتفاع المتواصل في نسب الشيوخة في المجتمع الصيني هو سمة أخرى لبدء تحول بنية الاقتصاد الصيني إلى بنية اقتصادات الدول المتقدمة، حيث وصلت نسبة كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 64 عاماً 10.8 بالمئة من مجمل السكان في 2016، وعلى الرغم من أن النسبة في الصين لا تزال بعيدة عن النسب في القارة العجوز "أوروبا" والتي وصلت إلى 19 بالمئة نقريباً، إلا أنها تجاوزت متوسط نسب المسنين في بلدان العالم والذي يبلغ تقريباً 8.4 بالمئة.

  
كل تلك الظواهر تشير إلى أنَ هناك جهود كبيرة من قبل الصين في الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة، فالتطورات التي شهدها الاقتصاد الصيني في قطاع الخدمات بالإضافة إلى الخطة المتبعة من قبل الحكومة الصينية في تحفيز الاستهلاك المحلي على حساب الادخار ماهي إلا دلائل واضحة على محاولة الصين في إعادة هيكلة اقتصادها وتكييفه مع بيئة الدول المتقدمة، لكن هل يا ترى ستفقد الصين تلك المعدلات المرتفعة في النمو الاقتصادي التي طالما ارتبطت باقتصادها؟ والجواب هنا قد تبقى الصين محافظةً على ذلك المستوى من النمو الاقتصادي لكن في المقابل قد تواجه عقبات أخرى تتعلق بالعجوز المتعاقبة في حسابها الجاري مستقبلاً، أيضاً قد نطرح تساؤلاً أخر كم من الوقت سيستغرق ذلك التحول الاقتصادي؟! أما هذا الأمر فليس من السهل التنبؤ به أبداً!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة