تمارة عماد
تمارة عماد
291

المرأة السعودية تقود المجتمع!

26/6/2018

مستحيلات الأمس هي واقع تم الوصول إليه اليوم، وإن كان الطريق محفوف بالمخاطر. هذا ما خاضته المرأة السعودية وناضلت لكي تصل إليه خلال مسيرة استمرت سنوات، وسوف تستمر لسنوات مقبلة في مطالبتها بحق المواطنة والمساواة إلى جانب الرجل في سبيل تعزيز حضورها الفعال في المجتمع، الأمر لا يقتصر على إصدار الأوامر الملكية بل المهمة الأصعب تقع على عاتق المرأة السعودية وقدرتها على تنفيذها وتطبيقها دون خوف، والنزول لأرض الواقع وغرس جذورها لتكون حاضرة بقوة وعزيمة.
   

وهذا تماماً ما حصل في قرار السماح بقيادة المرأة السعودية للسيارة كان يعتقد البعض؛ لا بل الكثير من السعوديين انها لن تتحقق بالغد القريب على الأقل، وتحتاج لعقدين من الزمن أو أكثر..! لكنها باتت واقع لا يسع الأفراد إلا تقبلهُ والتعايش معهُ اليوم إن أعجبهم أو لم يعجبهم. وكان قرار قيادة المرأة للسيارة قد شغل حيزاً إعلامياً واسعاً في العالم العربي والغربي عند صدوره، والذي انطلق تطبيقهُ رسمياً في 24 من يونيو/حزيران 2018.
   

عندما تقرر القيادة السياسية وأصحاب الأمر والنهي في الحكم بتحويل مسار البلاد نحو وجهة جديدة تناسب مصالحهم وتحفظ لهم البقاء في السلطة سوف يفعلون كل ما هو متاح لهم من أجل تحقيق ذلك

وبالرغم من ذلك ما زالت هنالك شريحة كبيرة من المجتمع السعودي في حالة من الذهول والرفض التام لتلك التحديثات المَصيرية، خصوصاً وأن تلك الجماعات كانت تساهم في توجيه المجتمع نحو عادات وقيم تهدف للتشدد والتطرف، وعدم التساهل في أمور بسيطة لم يحرمها شرع الله أو السنة النبوية الشريفة، بينما بدأ الحال مختلف مع تغيّر القيادة السياسية للبلد، حيث كان لهذهِ الجماعات رأي ورؤية مختلفة ليس فقط للدور الذي تلعبهُ المرأة السعودية في المجتمع بل لكل تلك التغيرات السريعة التي طرأت خلال الفترات القليلة السابقة، مما وضعهم في دائرة ضيقة جداً وفي موضع شك من قبل أبناء مجتمعهم .حيث كانت هذه التغييرات قد بدأت عام 2016، عندما أطلق الأمير محمد بن سلمان، ما سمي بـ "رؤية 2030" التي تهدف إلى إجراء إصلاحات شاملة في المملكة.

 

ويذكر من هذهِ التغيرات أن الأمر لم يقتصر على السماح للنساء بقيادة السيارات في المملكة بل سبقته خطوات اصلاحية اجتماعية عدة، من بينها اعادة فتح دور السينما واقامة فعاليات وحفلات موسيقية مختلطة تقوم بها هيئة الترفيه وحضور لافت للعديد من المطربين العرب، وحضور النساء لمباريات كرة القدم في ملاعب المملكة .وتمهيداً لرفع الحظر عن قيادة السيارات، قامت السعودية بإقرار قانون يعاقب المتحرش بالنساء تصل العقوبة فيه إلى السجن مدة خمس سنوات ودفع غرامة قدرها 300 ألف ريال (80 ألف دولار). وجاءت خطوة تعيين امرأة نائبة لوزير العمل مباشرة بعد الإعلان عن فتح باب التجنيد الاختياري أمام الفتيات للالتحاق بالحياة العسكرية برتبة مجند، الأمر الذي تداولته وسائل الإعلام على نطاق واسع.

   

 

وتلقى الإِصلاحات تأييد كبير من جيل الشباب في المملكة، والذين يطغون على التركيبة السكانية حيث أن أكثر من 75 بالمئة من السعوديين في سن الشّباب .وهذا التأييد الواسع كان من الممكن أن يكون قوة رفض تشكل خطراً كبيراً بالنسبة للقيادة للحاكمة في السعودية لو لم يتم احتوائها في الوقت المناسب، وبذكاء سياسي واجتماعي خصوصاً مع الثورات والحروب القائمة في عالمنا العربي، فالمجتمع السعودي كان يعيش حالة احتقان كبير على عدة اصعدة سياسية واجتماعية وكان بمقدورها أن تطيح بالنظام الملكي لكن تم تدارك كل ذلك وتقديم للجيل الشاب السعودي ما يرضي طموحاته في الوقت الحاضر، ويشغلهُ عن الانخراط في حركات معارضة للسلطة الحاكمة.

 

حيث إن هذا الوضع جديد الذي نشهدهُ اليوم في المملكة هو ما يقال عنهُ أولى قطرات الغيث نحو مفاهيم جديدة ومختلفة عما عهدته السعودية خلال العقود الماضية خصوصاً وأن الرؤية الجديدة للسعودية تهدف إلى إعادة المملكة للإسلام المعتدل. وتأتي هذه التغييرات التي شملت مستويات مختلفة في الدولة والمجتمع، كما يرى المراقبون، استجابة لعوامل خارجية في مقدمتها الحرب في اليمن، وأخرى داخلية تتعلق بترسيخ ولي العهد، محمد بن سلمان سيطرته على مفاصل الحكم وبسط يده على أكبر قدر ممكن من القرارات المصيرية في القيادة، إضافة إلى السعي في تعزيز الوضع الاقتصادي الذي يعتمد أداؤه على النفط.

 

في جُملة ما ذكر يتضح لنا أن الحاصل في السعودية اليوم بمثابة انقلاب على كل الأسس والعادات والتقاليد والقيم التي كان وما زال يعتبرها الكثير من أبناء المجتمع السعودي بمثابة أمور ومُسلمات أخلاقية لا يمكن تجاوزه. لكن عندما تقرر القيادة السياسية وأصحاب الأمر والنهي في الحكم بتحويل مسار البلاد نحو وجهة جديدة تناسب مصالحهم وتحفظ لهم البقاء في السلطة سوف يفعلون كل ما هو متاح لهم من أجل تحقيق ذلك، ليس في السعودية فقط بل في اي بلد من العالم في سبيل مواكب روح العصر السياسي وكسب تأييد حلفائها من دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة