يسين قعدوة
يسين قعدوة
292

Black Swan.. حين تقتلنا المثالية!

26/6/2018
نعرف جميعاً، قصّة الفتاة العذراء الطيّبة المسجونة في جسد بجعة، كانت تُرٍيدُ لهذا الكابوس أن ينتهي، ولم يكن في استطاعة أيّ شيء في الدنيا تخليصها سوى حبٍّ حقيقي خالص، تجسّد في شابٌ وسيم أَوْشَكَ على البوح بمشاعره وتخليص الفتاة المسكينة من ذاك الجسد البائس، حتَّى ظهرت توأمتها السوداء، مُحوّلةً ناظريه إليها، لتُفسد فرحةً لم تكتمل، فرحةٌ تحوَّلَتْ إلى مأساة بإلقاء البجعة البيضاء بنفسها داخل المياه واضعةً حدًّا لحياتها.. ويقال أنها وجدت الخلاص داخل ظُلمات الموت.


هي قصّةٌ قصيرةٌ قرأناها وحَفِظْنَاهَا مُنْذُ نُعُومَةِ أظافرنا، لكن العبقرية السينمائية التي تَنْقَادُ مُطِيعَةً للإخراج الاستثنائي دارِن أرونوفسكي، جَعَلَتَ مِنَ البساطة جمالاً، ومن الوقاحة سِجالاً، ومن التمثيل حِرفةً، ومن التصوير خدعةً، ومن الحِبْكَةِ قُوةً، ومن العقدةِ نشوةً. يَقُودُنَا الفيلم للتّعرف على بطلته، راقصة باليه في نهاية العقد الثالث تُدعى "نينا"، فتاةٌ شغوفةٌ لدرجة الهوس بالرّقص، تدفعها أحلامٌ مُنْكَسِرَةٌ لأمّْ تَوَقَّفَتْ مسيرتها الفنيّة مع حملها بنينا. نهايةُ حُلْمِهَا في أن تغدو راقصة باليه من الصف الأول، جعلها تتحكم في كل تفاصيل حياة ابنتها، فنُشاهد هذه الأخيرة خاضعةً وبشكل كاملٍ لأمّها التي ترى فيها محور حياتها، وملاحظةٌ مشاهدتيةٌ لغرفة نومها الطفولية تُعْطِيْ الانطباع المُسبق أنَّ ابنة الثماني والعشرين ربيعًا لا تزال حَملاً وديعًا في نظر والدتها، ودلالة ذلك اسمها الذي يعني بالإسبانية "الطفلة الصغيرة".

الفيلم يأخذنا في عوالم نفسية مُقْلقِة، يمر بها كل شخص مرّة واحدة على الأقل طيلة حياته، فيعلمنا أن المثاليّة تكمن في النّقصان، وأن الهوس بالشّيء يستدعي العديد من التضحيات

في الجهة الأخرى اختار المخرج المُمثل "فينسينت كاسال"، ليقوم بدور المدرب أو قائد الفرقة متقمصًا شخصيّة نرجسيّة ساديّة، لا تَحترم سوى الموهبة ولا ترى في "نينا" سوى وجه إعلامي جديد للفرقة فأيقونتها السّابقة "باث" صارت من الماضي بعد أن جاوزت الثلاثين، هذه الظروف ساعدت نينا في الفوز بدور ملكة البجع في الرّقصة الأخيرة، إضافة إلى موهبتها وعملها الجاد والدؤوب الذي نلاحظه من خلال مشاهد غثيانها المستمر وآلام رجليها وأصابعها.

 

 ولأنّ أفلام أرونوفسكي لا تخلو من الحشو النفساني العنيف (نتذكر جيداً فيلمه requiem for a dream)، فإنّ نينا وتحت ضغط الدور والأضواء وهوسها المفرط ببلوغ المثالية، اختلقت شخصيّة ثانية باسم "ليلي"، تعكس تطرُّفها الشهواني وإخفاقها المبرر، والبجعة السوداء التي كانت تفتقدها، فمنذ البداية لم تكن "نينا" سوى بجعة بيضاء نقيّة، وعلى النّقيض منها جاءت "ليلي"، الغريمة التي تنازعها كل شيء، ورجوعًا إلى بعض المشاهد الأولى من الفيلم، نسمع العديد من الكلمات والعبارات التي تُنبِّئُنا بما سيحصل لاحقًا، من قبيل (التحوّل بين البَجعة البيضَاء والسّوداء، كوني عفويّة، كُفّي عن كونك ضعيفة، أُرقصي وكأنّ سوادًا شيطانيًّا يتغلب عليك، فقط استسلمي له)، عباراتٌ كانت لها الوقع المهول على لا وعيها، فمع ازدياد الضغط واقتراب موعد الرقصة، أصبحت ترى خيالاتها في المرآة وتتخيل ريشًا ينبت على ظهرها، وأصابع تلتصق ببعضها البعض، وانعكاسها في جسد "ليلي".


كل هذا الشرّ ظهر بشكله المثالي في الجزء الأخير من الفيلم، حين غرست قطعة من الزجاج في بطن غريمتها فأردتها قتيلةً، ثم اتجهت إلى المسرح لتؤدي دورها بمثالية منقطعة النظير وبنسخة كربونية عن مشهد إنتحار البجعة البيضاء، وكأنّ شيئاً لم يكن! المشهد الأخير يرسم تلك اللوحة الفنية السينمائية الخالدة: لقد بلغتها، المثالية!


مع نهاية الفيلم، ارتسمت ابتسامة عريضة على محياي، فالفيلم تمكّن منّي وسيطر على انتباهي طيلة ساعة وثمانٍ وأربعين دقيقة، كلّ جزئيّة كانت مثالية، انطلاقا من التّمثيل الرائع لـ "ناتالي بورتمان"، والحقيقة التي لن تخفى عن مُتتبِّعي السّينما هي القُدرات المميّزة لمن تقمّصت دور "ماتيلدا" ابنة الثالثة عشر في فيلم Léon، ودور "إيفي" في الفيلم الثوري V for Vandetta، إلى الموسيقى الرائعة التي أتحفنا بها "كلينت مانسل" وقد أخذها من باليه بحيرة البجع للخرافي "تشايكوفسكي"، لكنّه عمل على تغييرها بشكل جذري لتتلاءم مع الفيلم، مرورًا بالتصوير الفريد الذي عرف به رفيق "أرونوفسكي" في كل أفلامه "ماثيو ليباتيك".


الفيلم ترشّح لخمسة جوائز أوسكار عن فئة: أفضل مُخرج، أفضل مُمثلة في دور رئيسِي، أفضل فيلم، أفضل تصوير، أفضل مُونتاج، لتظفر في الأخير "ناتالي بورتمان" بجائزة أفضل مُمثّلة عن دور رئيسِي، بعدما ظفرت قبلها بأيام بنظيرتها من الغولدن غلوب، ومن غيرها يستحق الجائزة ذاك العام؟


الفيلم يأخذنا في عوالم نفسية مُقْلقِة، يمر بها كل شخص مرّة واحدة على الأقل طيلة حياته، فيعلمنا أن المثاليّة تكمن في النّقصان، وأن الهوس بالشّيء يستدعي العديد من التضحيات، قد تصل في بعض الأحيان إلى التضحية بأعز ما يملكه الإنسان، ألا وهي حياته!، ولعلّ هذا الموضوع اختصاص "أرونوفسكي" بامتياز (هي مواضيع أفلامه الثلاثة)، الفيلم ملغوم بالرمزية، فمثلا اسم "ليلي" والتي تمثل الشطر الثاني من شخصية "نينا"، يعني "النقاوة" لكن المشاهد للفيلم يدرك أن ليلي أبعد ما تكون عن النقاوة، بالإضافة إلى ذلك نَلْمَحُ في أحد المشاهد القصيرة جدًّا وشم أجنحة سوداء تُغطّي الجزء العلوي من ظهر ليلي، وكأن التلاحم بين ليلي ونينا يُقرّب الأخيرة من هدفها المُؤرّق ومثاليتها المجنونة، بل حتى تقمّصها المثالي لدور البجعة السوداء جعلها تضطرب في أدائِها الأوّل، وتلك ضريبة الهوس، وكأنّ بالمخرج يضع ملاحظة على ذلك المشهد: بلوغ الغايات يتطلّب تضحيات جسيمة، ونينا بلغت دورها الثاني بعدما فقدت الكثير من الصّفاء والأخلاق.


في الأخير وجب الإشارة إلى أنّ الفيلم مُستوحى من فيلم الأنمي الرائع Perfect Blue للرّاحل "ساتوشي كُن"، والذي يُرجّح كثيرًا أن أرونوفسكي استعمل فكرته لبناء فيلمه هذا. هذا النوع من الأفلام يدعونا لطرح العديد من الأسئلة المهمة والتي تُعدُّ مفتاحًا لفهم غايتها: إلى أيّ قدرٍ يُمكن للإنسان أن يذهب بأحلامه؟ هل هو مستعد للتخلّي عن أخلاقه لبلوغ غاياته؟ وهل يمكن له أن يقتل ذاته ويخلق كيانًا جديدًا مُغايرًا لماهيّته الأولى؟ إذا كان الأمر متاحًا.. فما ضريبة ذلك؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة