محمد فراج
محمد فراج
223

مصر التي تأكُل أولادها.. عُلا حسين نموذجاً!

28/6/2018

في حيٍّ من أحياء مدينة نصر، تسكن عائلة مصرية أصيلة، مكوَّنة من زوج وزوجة، وأم وطفلتين صغيرتين، مريم ثلاثة أعوام، ومارية عام ونصف. أسرة شبه مستقرة في شبه الدولة التي يحيا بها مائة مليون مصري، الزوج أو رب الأسرة يعمل طِيلة النهار ليعود في آخره إلى أمه وزوجته وبناته، بينما الأم والزوجة يعكفون في البيت على تربية الأولاد وإعداد المعاش، الزوج هو "رامي عبد الحميد" مواطن مصري، والزوجة هي "عُلا حسين" مواطنة مصرية، والأم والأبناء كذلك مواطنون مصريون.
 
وعلى صعيدٍ آخر.. وفي هذه الأثناء.. ديسمبر 2016، يحدث تفجير إرهابي لكنيسة الكاتدرائية بالعباسية، فتُقام جنازة عسكرية يحضرها عبد الفتاح السيسي، وخلال حديثه يُعلن أنَّ هناك ثلاثة مشتبه بهم في التفجير بينهم سيدة، وأنَّ التفجير تم من خلال تنفيذ عملية انتحارية أو بحزام ناسف. وفي اليوم التالي الموافق 10 ديسمبر 2016 تنتظر "عٌلا" وبناتها زوجها "رامي" كعادتهم كل يوم، ولكنَّه لم يأتي، لتُفاجئ في اليوم التالي وبدون سابق إنذار، بقوات من الأمن المركزي تقتحم البيت المتواضع في ساعة متأخرة من الليل وتحوله إلى خراب، ويعتقلون "عُلا" وهي حامل في شهرها الثالث، ومن قبلها "رامي" بتهمة تفجير الكنيسة، لتبدأ المواجهة بين مصر العسكر من ناحية، وبين أبنائها المغلوبون على أمرهم من ناحية أخرى.
 

يا كل أحرار مصر.. لا تنسوا إخوانكم وأخواتكم داخل سجون مصر من دعائكم ودعمكم، ولا تجمعوا عليهم خوفين، خوف الأسر والمصير والمجهول

في زنزانة غير أدمية مٌكتظة بالجنائيات والمشبوهات، ترمي مصر بواحدة من أطهر بناتها "عُلا" التي لا تعرف حتى الآن لماذا داهمت قوات الأمن بيتها؟! كما لا تعرف أين زوجها الذي خرج ولم يعد؟!، تجلس "عُلا" في هذه المقبرة العَفِنة يتناوب عليها حيَّات وسجَّانات كان من أشرسهم واحدة تسمى/ أُم يحيَ- والتي كانت تُجبر "عُلا" على حمل جرادل المياه، ومسح عنابر السجن، دون مراعاة لحملٍ ولا لحالة صحية، بالإضافة لمنع الأدوية والأطعمة اللازمة لحالتها، مما تسبب في حدوث نزيف لـ "عُلا" أكثر من مرة داخل السجن، حتى أنَّ وكيل النيابة في إحدى مرات العرض لم يستطع تحمل ما تروية "عُلا" من انتهاكات بحقها، فتعاطف معها وأمر بشراء طعام وعلاج لها قبل أن تعود للسجن مرة أخرى. تمرُّ الأيام وحالة "عُلا" تتدهور بشكل سريع، حتى تعرضت هي وجنينها للموت المحقق أكثر من مرة خلف القضبان، بسبب الاهمال الطبي أثناء عملية الوضع، وبعد مدة استجابة ادارة السجن وانتقلت "عُلا" إلى عنبر الأمهات لتضع طفلتها "هنا" بعيداً عن أي مظهر من مظاهر الإنسانية، أو حتى أبسط الحقوق الممنوحة للحيوانات، ولكن كيف تحظى بها "عُلا" وأخواتها وهنَّ أسيرات في بلدٍ تتفنن في إهانة أولادها قبل أن تأكٌلهم أحياء.
 
تمرُّ الشُّهور ويخلو البيت من الزوج والزوجة، لتتحمل المسئولية كاملة السيدة "أم رامي"، التي تجاوز عمرها الستين، ومعها الجميلتين مريم ومارية، فتُجهز الزيارة كل اسبوعين، أو ربما شهر أو شهرين، حسبما ترى مصر ويوافق هواها، لتقضي السيدة "أم رامي" طِيلة الليل تُجهز الطعام -الذي يٌرمى بنصفه أمام السجن لكونه زائد عن المسموح-، وترتب ملابس الأطفال، فغداً عندهم يوم عيد وكيف لا! وهم سوف يحتضنون أرواحهم التي غيبتهم مصر في سجونها بلا أي ذنب أو جريرة، سوى رغبة قذرة في أن تأكل أولادها قليلي الحيلة، حتى أن "مريم" في زيارة عيد الفطر الأخيرة أخبرت جدتها بعد انتهاء الزيارة قائلةً: "لا أعرف يا جدتي لماذا تبكي عيني وحدها كلَّما نظرت إلى ماما وبابا؟"، بينما الصغيرة "مارية" تتمسَّك بملابس أُمها في كلِّ مرة ولا تتركها إلا بمعاناة، تريدها أن تعود معها للبيت ولكن مصر تأبى..!

 
 

 
تتوالى الجلسات ويأتي تقرير الطب الشرعي بأن التفجير تم عن بُعد، وليس كما قال السيسي وعصابته، مما ينسف أصل التهمة ويقضي بالبراءة، ولكن كان لمصر التي تستمتع وهي تأكل أعمار أولادها رأي أخر، وهو أن تُحول أوراق القضية إلى المفتي تمهيداً للإعدام غير عابئة لا بتقارير، ولا أدلة وبراهين، ولا حتى ببكاءِ طفلةٍ رضيعة تصرخ في كل جلسة تريد أن تتنفس هواء جديداً غير هواء الزنازين، الذي أصاب جسدها الهزيل بالمرض، ولكن أنىَ لمصر أن تسمع وقد أصيبت بالصمم منذ زمن!
 
ومنذ أكثر من شهرين يجلس "رامي عبد الحميد وزوجته عُلا حسين" في زنزانة "المخصوص"، -والتي يُقال عنها مقبرة الأحياء- منتظرين جلسة النَّقض القادمة، والتي ستكون يوم الأربعاء القادم٢٧ يونيو، ونحن كذلك معهم ننتظر لنرى هل شبعت مصر من أعمار أولادها المُهدرة خلف الزنازين أم لا؟!، وهل ارتوت من دماء شبابها الذين فقدوا أرواحهم على مِقصلة التعذيب في عنابرها أم مازالت تطمع في المزيد؟!

  
وأخيراً إلى جانب قضية "رامي عبد الحميد وعُلا حسين"، أريد أن أُخبر مصر بأنَّ هناك أكثر من تسعين سيدة مصرية تعرضوا للقتل خارج إطار القانون، إلى جانب وقوع خمسين حالة اغتصاب لبناتها المصريات، وأكثر من خمسمائة حالة فصل من الجامعات، من بينهم حالة الشقيقتين "سَارَة ورنا"، والتي أُلقي القبض عليهما قبل عامين، حيث تنتظر الأولى حكماً قضائياً بالإعدام في القضية المعروفة ب " تفجير سفارة النيجر". بينما تنتظر الثانية صدور الحكم في نفس القضية، بالإضافة لوجود أكثر من خمسة عشر أم معتقلة. هؤلاء أسرى داخل السجون، ولكن هناك أيضاً غيرهم الكثير والكثير من نساء وبنات مصر أسرى خارج الأسوار، يقضون أوقات الأعياد والمناسبات والزيارات بين حرارة الصيف وبرودة الشتاء، أمام تلك السجون منتظرين الإذن ليلتقوا بأرواحهم التي أخذتها مصر من بين أيديهم عُنوة دون سابق إنذار.
 
فيا كل أحرار مصر.. لا تنسوا إخوانكم وأخواتكم داخل سجون مصر من دعائكم ودعمكم، ولا تجمعوا عليهم خوفين، خوف الأسر والمصير والمجهول، وخوف الخذلان والنسيان، واخلفوهم في أهليهم وأولادهم بالخير، وفي المناسبات لا تنسوا عائلاتهم، وفي دوائركم ومعارفكم ووسائل تواصلكم انشروا قضيتهم وأسمعوا الناس عنهم، فهذا أقلُّ القليل حتى يأذن الله بالفرج، ويتحررون من مصر التي تأكل أولادها كل يوم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة