جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
344

هذا ما قاله لي أنطوان تشيخوف!

29/6/2018

في الذكرى العاشرة لوفاة الكاتب الروسي الكبير انطوان تشيخوف، كتب الشاعر فلاديمير مايكوفسكي سنة 1914 في معرض تأبينه لتشيخوف عبر مقالة وصفها البعض بالاستفزازية، حيث قال فيها: إنّكم لا تعرفون تشيخوف، أنا لا أعرف تشيخوف.. أنا لا أعرف تشيخوف؟ وستلتقطون مباشرة عبارات عديمة الحياة من صحيفة علاها الغبار. تشيخوف يمتلك شعر شاعر، وصحافي ملتزم بعمق ذو نكهة غنائية أنه مغني الفجر. إنه هجّاء مدمر. إنه كاتب هزلي. وسيصدح شاعر ملحمي يرتدي قميصا روسيا: هو أحب الناس، ذاك الحب الرقيق كما تحب امرأة، مثلما تستطيع أم فقط أن تحب أبناءها.


ربّما حاد ميوكوفسكي عن خطّ النقّاد الذين خندقوا تشيخوف في خندق واحد باعتباره شاعرا أمميا نهض بالأدب والإنسان على نحو ما يقوله الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسّو، حيث قال: إنّ القلب ذاته يخفق في كلّ الصدور الإنسانية. طبعا هذه الصورة النمطية التي وُضع فيها تشيخوف قد حدّت من وهج اشعاعه كأديب بالسليقة، وهذا ما دفعنا لكتابة هذا المقال، فقد قرأت كثيرا لانطوان تشيخوف وفي كلّ مرّة أجده يقول لي شيئا جديدا.


أوّلا، لا نريد أن نسقط في الاجترار التاريخي عبر نبذة لحياة هذا الشاعر، فتشيخوف أشهر من نار على علم، لهذا سنوفّر الوقت للحديث أكثر عن كينونته ككاتب وفلسفته كإنسان. أوّل ما شدّني في كتاباته تلك المسحة الرثائية، ذلك أنه ميّال إلى امتلاك الإحساس بالرثاء عندما يعزف ضيوفه على البيانو طوال اليوم في الغرفة المجاورة للغرفة التي خصصها لمحاولاته للكتابة القصصية. وقد اعترف بهذا مرارا وتكرارا، لا تصريحا ولكن تلميحا من خلال رؤيته لجمال الطبيعة الروسية عكس منطق القول.

على طريقة نجوم الشباك في السينما استطاع أنطوان تشيخوف تجاوز الفضاء الأدبي المحدود للتحليق نحو فضاء أرحب هو فضاء الإنسانية

مواقع التواصل
 

فهو يرى في هذا الجمال كآبة ما بعدها كآبة. وقد لخّص حياته في قوله: الطب هو زوجتي والأدب هو عشيقتي. فتقوقع تشيخوف بدأ من نضوجه المبكّر عندما بلغ عشرين سنة عانق خلالها الفقر والمرارة والاضطهاد، حتّى كانت الضربة القاصمة في سنّ الرابعة والعشرين حيث مرض بالسلّ، ورغم محاولاته الشجاعة في تجاوز هذا المرض الفتّاك إلأّ أنّه استسلم له في كتاباته.

 

فأكثر ما أخبرني به تشيخوف هو الثورة، خاصّة من أقصوصته الساذجة والتي حقّقت شهرة عالمية وتمّ تحويلها إلى فيلم يدوم حوالي 15 دقيقة. وتعد قصة الساذجة دليلا على براعته الكتابية فقد كتب تشيخوف في الصحافة الروسية لكي يعيل نفسه وأسرته من الفقر والجوع والحاجية، فقد قال في مذكّراته: العمل ثم العمل إن لم تجد من يقدم إليك يد المساعدة. ولقد أكسبه عمله الصحفي سهولة الأسلوب الكتابي وبراعة استعمال اللغة، ناهيك عن قربه للعامة، فتشيخوف كان يكتب للعامة ويضع نفسه موضعهم، وما أكسبه اللغة السهلة أيضا هو قربه من الفقراء والكادحين والجياع، فكان سفيرهم والناطق الرسمي باسمهم والقلم الذي يكتب عنهم وعن همومهم.

 

وهذا ما يفهمنا السبب الحقيقي الذي جعل تشيخوف يتّخذ معظم أبطال رواياته ومسرحياته وأقاصيصه من الفقراء والعبيد والمستضعفين، كما أنّه جعل في نهاية أعماله دائما النصرة والغلبة للفقراء والمستضعفين والمظلومين.. وبالعودة لأقصوصة الساذجة وربطها مع ما أسلفنا ذكره، نلحظ ذاك التعبير الثوري الذّي استنهض به تشيخوف همم القرّاء على الثورة ولكن بطريقة سلسة وغير مباشرة.

 

وهذا في منظور الأدب السياسي أسلوب قلّما يتمتع به كاتب، إلاّ أنّ تشيخوف كان مختلفا عن غيره وأظهر رجاحة عقل وحكمة ممّا بوّأه ذلك المقعد العالي في صرح الأدب الروسي. وممّا قاله لي أيضا من خلال أقصوصة الألم الشهيرة، حرصه على القيم الأخلاقية خاصّة ألا يظلم أحد أحداً آخر وعدم السكوت عن الحق وعدم الاستسلام ومناصرة المستضعفين. فلطالما جسّد تشيخوف في مجمل أعماله مفهوم الصراع بين الطبقتين البرجوازية والطبقة الكادحة عبر سردية عاطفية تعمل على استمالة القارئ والتحكّم في مشاعره التي هي في النهاية مشاعر إنسانية يشترك فيها كل إنسان يؤمن بايتيقيا المشترك في هذا العالم.


في الختام، وعلى طريقة نجوم الشباك في السينما استطاع أنطوان تشيخوف تجاوز الفضاء الأدبي المحدود للتحليق نحو فضاء أرحب هو فضاء الإنسانية حيث خلّد كتاباته كواحدة من ركائز الثورة الإنسانية ضد قمع واستغلال الإنسان. انطوان تشيخوف قال لي الكثير ولعلّ كن إنسانا هو أسمى ما قاله لي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة