هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




هل ننتظر حل مشاكلنا حتى نفرح بنصر كروي عابر؟

30/6/2018

يعيش المغاربة أطوار كأس العالم بشيء من الشغف والاهتمام، خاصة مع ظهور المنتخب الوطني للكرة فيه بعد عقدين من الغياب. ويتكرر في مثل هذه المناسبات الحديث عن الرابط بين مفهوم الانتماء الوطني وتفاعل الناس مع منتخب بلادهم، وعما إن كان هذا التفاعل دليلا على وطنية صادقة أم لا.. ثم يزداد الإنسان حيرة، فيتساءل عما إن كانت الإنتاجات الغنائية التي تجود بها دور الانتاج الفني ابتهاجا بمشاركة رياضية مظهرا لما تحمله الوطنية من رسائل أم قضية تجارية ومصدر رزق للعديد من "الفنانين". 


يعتقد قطاع من الناس أن التسيير الرياضي سيئ في بلدان العالم الثالث، وهو لا يقل سوءا عن تسيير قطاعات الحياة الأساسية، ومن ثم فالاحتفاء بإنجازات رياضية عرضية حتى وإن كان صانعوها من نفس البلد الذي ننتمي إليه هو في الحقيقة تماهي وسند للفساد من حيث لا نحتسب، إذ أن الابتهاج بنصر كروي عرضي هو بمثابة فرحة بشيء ظاهره نصر وباطنه إخفاق، ثم ما الطائل من الانتشاء بفوز في مباراة لعبة كرة والمجتمع غارق في تحديات اجتماعية وفكرية مستعصية.


والحقيقة في نظري أن في هذه النظرية شيئا من الصواب، فحاجيات الإنسان تتسم بالتراتبية، إذ لا يبحث الانسان عن الترفيه إلا بعد أن يكون شبعانا معافي الجسد ومرتاح البال.. ولما كانت الكرة حبلا من حبال الترفيه في بلدان العالم الثالث الذي انتشرت فيه مظاهر التخلف جميعها وعاث فيها الفساد ما عاث، فإن الأولوية وجب أن تعطى وفق هذا الطرح للقضايا الحقيقية.

لماذا يصر البعض على الزج بحفنة ميؤوس منها من المغاربة في الإعلام الرسمي وتصويرهم كسفراء للمغاربة قاطبة بمحاولة لإشاعة نمط محدد لمفهوم حب الوطن

في الضفة الأخرى، يبرز سؤال حارق مفاده هل ننتظر أن تحل مشاكلنا وتصلح أحوالنا حتى نفرح بنصر كروي عابر.. أليست تحديات بلدان العالم الثالث أكبر من أن نربطها بمباراة كرة.. ثم من قال ومن حصر الحس الوطني في هتافات جماهيرية منتشية بفوز في مباراة كرة.


ويستشهد بأطروحة الباحث الأمريكي نعوم تشومسكي الذي رسم الأساليب العشر التي تنهجها السلطة في البلدان المتخلفة من أجل الحفاظ على السلطة و تشتيت انتباه الناس عن القضايا الحيوية من خلال خلق مواضيع فرعية تجذب الناس إليها و تؤجج مشاعرهم و تستهلك طاقتهم التي بقليل من التفكير كان بوسعها أن تسخر في خدمة قضايا المجتمع.


هذا الطرح، وإن بدا صحيحا ومتراصا، إلا أنه في نظري يخفي وراءه نوعا من المثالية، فما ذنب من تفاعل مع إنجاز كروي لمنتخب بلده؟ أليس من حقه أن يحس ولو لوهلة وحيدة بالانتماء لهذا الوطن؟ أليست الأمور أبسط من أن تربط بحسابات سياسية؟ ثم إن مباراة كرة من تسعين دقيقة ليست هي سبب تدهور أوضاعنا.


المشكلة الرئيسية وفق تصوري هي الصورة المزيفة التي يراد تسويقها، فيظهر من يقال عنهم إنهم شخصيات فنية مرموقة ومحبوبة في ثوب مواطنين صالحين يرفعون الأعلام الوطنية رفعا ويرددون النشيد الوطني ترديدا حتى وإن لم يحفظوه، ثم يظهرون وهم يشيدون بشخص الملك ظنا أن أسهمهم ترتفع في بورصة الوطنية، نعم أقول بورصة الوطنية لأن التشدق بها صار نوعا من الاسترزاق عند الكثير من الناس.

متابعة مباريات الكرة والحماسة بتشجيع الفريق الوطني مسألة فطرية عاكسة لحس الانتماء الذي يسري بنفوسنا، لكن اختزال الارتباط بالوطن وخدمته بمباراة كرة هو استهتار بالذكاء الجمعي للمغاربة

غيتي إيميجز
 

وبالعودة إلى موضوع الكرة، فإن النقاد والمتابعين يعلمون أن المنتخب هو نتاج تكوين أوروبي خالص لم تبذل فيه جامعة الكرة ببلادنا مجهودا، اللهم مجهودها وهي تزور العواصم الأوروبية من أجل إقناعهم أن المغرب بلدهم ووطن أجدادهم، عازفين بذلك على وتري الإحساس والعاطفة.. وهل تساءل هؤلاء المسؤولون الذين لا يتوانون عن الهرولة إلى أوروبا عن دواعي سر جودة التكوين الرياضي فيها وضعفه في بلادنا؟ ثم ماذا قدم المغرب كبلد لمغاربة أوروبا حتى يغاروا عليه رغم أن الغيرة هنا لا تقبل المساومة؟ ألم يخطر ببال المسؤولين في المغرب سؤال دواعي هجرة المغاربة إلى الخارج وعدم رغبتهم في العودة رغم حبهم لوطنهم؟ 


لماذا يصر البعض على الزج بحفنة ميؤوس منها من المغاربة في الإعلام الرسمي وفي وسائل التواصل الاجتماعي وتصويرهم كسفراء للمغاربة قاطبة في محاولة لإشاعة نمط محدد لمفهوم حب الوطن، وكأن قدر كل المغاربة أن يمارسوا الوطنية بالتلعثم في ترديد النشيد الوطني والإشادة بالمسؤولين السياسيين في سياقات لا رابط لهم بها في مشهد أشبه ما يكون بعبودية مختارة؟


باختصار شديد، أعتقد أن متابعة مباريات الكرة والحماسة في تشجيع الفريق الوطني مسألة مفهومة ومنطقية بل إنها فطرية عاكسة لحس الانتماء الذي يسري في نفوسنا، لكن اختزال الارتباط بالوطن وخدمته وحس الانتماء إليه في مباراة كرة وفي صيحات جماهير مصيبة كبرى هو استهتار بالذكاء الجمعي للمغاربة، الذين لن تغنيهم الكرة عن التفكير في قضايا التنمية الأساسية، بعيدا عما يبدو سجالا مختلقا بين شيئين مختلفين، فهذا وطن وتلك كرة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة