شريف محمد جابر
شريف محمد جابر
1.8 k

الخصومة بين أبي حنيفة وأهل الحديث

4/6/2018

زعم أحد روّاد مواقع التواصل الاجتماعي يدعى سعيد الصرفندي في منشور له أنّ أسباب خصومة أهل الحديث مع أبي حنيفة النعمان رحمه الله هي ثلاثة أسباب:

1) أنّ أبا حنيفة كان من أهل الرأي ويردّ من الروايات ما يخالف العقل، أما أهل الحديث فأرادوا إلغاء العقل بحجة اتباع النصّ بزعمه.

2) أنّ أبا حنيفة كان معارضا للسلطة، بينما كان أهل الحديث أدوات بيد السلطة.

3) أنّ أبا حنيفة تتلمذ على جعفر الصادق أحد أئمة آل البيت.

وأخيرا يخلص إلى نتيجة يقول فيها: "عندما نفهم الظروف التاريخية والسياسية فهما صحيحا نستطيع الحكم بشكل أدق على ما وصلنا من التراث، ونتأكد أنّ يد السياسة والطائفية والمذهبية تلاعبت في تراثنا حتى أفسدت صورة الإسلام النقية". وكأنّ عدمَ الرواية لأبي حنيفة رحمه الله في كتب أهل الحديث سببٌ عنده في إفساد صورة الإسلام النقية! أو كأنّ هذه السطور السطحية القليلة التي كتبها كافية لتفهّم الظروف التاريخية والسياسية وفهمها فهمًا صحيحًا للحكم على التراث بشكل دقيق! والواقع أنّ كلامه مع استنتاجه المبنيّ عليه متهافت لأسباب، تفصيلها في النقاط التالية:

 

أولا: الأسباب الرئيسية لطعون أهل الحديث بأبي حنيفة

من يراجع كلام أهل الحديث في أبي حنيفة سيجد نوعين من النقد الموجّه إليه:

أ‌) نوع بسبب ضعف بضاعته في الحديث.

ب) ونوع بسبب رأيه في مسائل دينية ومنها الرأي. والنوع الأول هو الذي جعلهم لا يروون عنه بشكل أساسي، أي ضعفه في الحديث.

أما النوع الأول، فستجد أهل الحديث شبه مجمعين على ضعفه في الحديث مع اختلاف آرائهم ومذاهبهم وأزمانهم، بل إنّ بعضهم مع إجلاله لأبي حنيفة فهو يقرّ بأنّه كان ضعيفا في الحديث ولهذا لم يرووا عنه. فليس الأمر راجعا في ذلك لكونه على مذهب أهل الرأي، وإنما لتقويمٍ من أهل علم الحديث الحاذقين لفقيهٍ كبير لم يكن يمتلك أدوات الحديث وإنْ كان عَلَمًا في الفقه.

 

وأما النوع الثاني، فهو كونه من أهل الرأي ومذهبه في ذلك، وكلامه في تعريف الإيمان وأخذه لمذهب مرجئة الفقهاء، وهو مذهب قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي بعد ذلك إنّ خلاف أبي حنيفة فيه مع أهل الحديث لفظي.

 

لو راجع القارئ ما تركه أبو حنيفة من تراث، وتحديدا ما رواه عنه أصحابه كأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن سيجد أن أبا حنيفة لم يكن متمسّكا بالسنّة فحسب، بل كذلك بآثار الصحابة

ومما يؤكد أنّ سبب عدم الرواية عن أبي حنيفة لم يكن اختلافه المذهبي في الأساس؛ أنّ أهل الحديث رووا الكثير من الأحاديث عمّن يعتبرونهم من أهل البدع كالشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم، وخلافهم مع كثير من هؤلاء أشدّ من خلافهم مع أبي حنيفة، ومع ذلك رووا عنهم حين عرفوا إتقانهم للحديث والرواية، ولم يلتفتوا لآرائهم. وهذا الإمام أبو داود (ت 275 هـ) يقول في سؤالاته عن الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ): "سمعت أحمد يقول احتملوا المرجئة في الحديث".

 

وهذا العلامة الحافظ معلى بن منصور الحنفي (ت 211 هـ)، من أصحاب الرأي، قال عنه أبو حاتم كما نقل الذهبي في السير: "كان صدوقا في الحديث، وكان صاحب رأي". فلم يكن "الرأي" سببا في تضعيفه! ووثّقه يحيى بن معين ويعقوب بن شيبة وغيرهما. وإنْ كان الإمام أحمد لم يأخذ عن معلى الحديث للرأي، فإنّ قبوله عند بقية أهل الحديث يدل على أنّ كون الرجل من أهل الرأي ليس سببا لرفض حديثه، وإنما كان السبب الأساسي في سياق أبي حنيفة هو ضعفه في الحديث، وهو ما تؤيّده تعليلات أهل الحديث الذين ضعّفوا أبا حنيفة:

 

قال ابن المبارك: "كان أبو حنيفة مسكينا في الحديث". وهو نفسه ابن المبارك الذي روي عنه أنّه قال: "أبو حنيفة أفقه الناس". وقال ابن حبّان في "المجروحين": "لم يكن الحديث صناعته، حدّث بمائة وثلاثين حديثًا، ما له في الدنيا غيرها، أخطأ منها في مائة وعشرين حديثًا، إمّا أن يكون أقلب إسناده أو غيّر متنه من حيث لا يعلم، فلمّا غلبَ خطؤه على صوابه استحقّ ترك الاحتجاج به في الأخبار". وقال النسائي في رسائله في علوم الحديث: "وأبو حنيفة ليس بالقوي في الحديث، وهو كثير الغلط والخطأ على قلّة روايته".

 

والخلاصة في هذا الباب أننا لا ننكر نقد أهل الحديث لأبي حنيفة، سواء لرأيه، أو لاجتهاده في مسألة تعريف الإيمان، أو لدرجته في رواية الحديث، ولكنّ الغالب على رفض روايته من قبل المحدّثين كما بيّنّا هو ضعفُه في رواية الحديث، وإلا فقد روى أهلُ الحديث عن بعض أهل البدع، وعن كثير من أهل الرأي، وليس هذا هو السبب الرئيسي في غياب أبي حنيفة عن كتب أهل الحديث.

 

وفائدة أخرى نحصّلها من متابعة ما وصلنا من مرويات أبي حنيفة في كتب الأحناف ومن أقوال نقّاد أهل الحديث فيه، وهي أنّه كان قليل الحديث، فمع ضعفه في هذا العلم فالحديث يدور عن روايات قليلة جدّا كما ذكر ابن حبان والنسائي، وإذا كان الرجل لم يرو إلا النزر اليسير، فضلا عن ضعفه في هذا العلم، فكيف يُراد لرواياته أن تنتشر في كتب أهل الحديث؟ وما الفارق الذي ستصنعه؟

 

ثانيا: الخلاف ليس بين العقلانيين والنصوصيين

حاول صاحب المنشور أن يصوّر الخلاف بين أبي حنيفة وأهل الرأي من جهة، وبين أهل الحديث من جهة أخرى كما لو كان خلافا بين من يمحّصون الروايات بعقولهم، وبين من يُلغون عقلهم تماما بحجّة التمسّك بالنصوص! ومن تتبّع الأمر، أي منهجية تعامل أهل الرأي مع الأحاديث والآثار ومنهجية تعامل أهل الحديث سيجد في كتب أهل الحديث ردّا للكثير من الروايات وتضعيفها، وكانت لديهم مناهجهم العلمية الصارمة جدّا في كشف ضعفها ومواطن الخلل في متونها وأسانيدها، بل كانوا متشدّديين في قبول الأحاديث أكثر من أبي حنيفة وأصحابه. وقد اشتُهر بعض المحدّثين من الأحناف بالتمسّك ببعض الروايات الضعيفة لنصرة مذهبهم، أما أهل الحديث عمومًا فقد اشتهروا برواية كل ما صحّ عندهم، وهذا الإمام المعتزلي عمرو بن بحر الجاحظ يشهد لهم في كتابه "العثمانية" فيقول: "وأصحابُ الأثر من شأنهم رواية كل ما صحّ عندهم، عليهم كان أولهم".

 

لو راجع القارئ ما تركه أبو حنيفة من تراث، وتحديدا ما رواه عنه أصحابه كأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن سيجد أن أبا حنيفة لم يكن متمسّكا بالسنّة فحسب، بل كذلك بآثار الصحابة رضي الله عنهم، فهو رجل "نصوصيّ" إنْ صحّ التعبير، متمسّكٌ بالآثار وعليها يبني مذهبه وفقهه. واقرأوا كتاب "الآثار" لمحمد بن الحسن على سبيل المثال لتلمسوا ذلك. فهو وأهل الحديث يشتركان في حجّية الأخبار النبوية وآثار الصحابة، وعليها يبنون فقههم، ولكن افترقتِ المدرستان في المنهجية العلمية في التعامل مع هذه الآثار، وليس الأمرُ أنّ أهل الرأي عقلانيّون وأهل الحديث مهملون للعقل، بل كان لدى أهل الحديث مسالكهم العلمية الدقيقة وأحكامهم التي تدلّ على تفكير عقلاني رفيع والتي ردّوا بها الروايات، وكان الحكم على المتون - إلى جانب الأسانيد - من أهم ما اشتغلوا به والتفتوا إليه. وليراجع من أراد الاستزادة تدوينة لي بعنوان "هل انشغل المحدّثون بالأسانيد وغفلوا عن المضامين".

 

ثالثا: التمازج بين أهل الحديث وأهل الرأي
الزعم بأنّ أبا حنيفة كان معارضا للسلطة وأنّ أهل الحديث في المقابل كانوا أدوات في يد السلطة هو كذب محض واستخفاف بالقارئ، فجميع أئمة المذاهب الأربعة اضطُهدوا من قبل السلطة

أي باحث جادّ في التراث الإسلامي، وتحديدا تراث القرون الأولى، يعلم أنّ الكثير من أهل الرأي الأحناف كانوا كذلك أهل حديث، بل كان بعضهم على مذهب أبي حنيفة في الرأي وعلى مذهب أهل الحديث في قبول الأحاديث والدفاع عنها، بل وعلى مذهبهم في إثبات الصفات. والاطلاع على هذه المساحة المشتركة من الشخصيات العلمية التي لها وزنها مهمٌّ جدّا؛ لأنّه يدلّ القارئ على أنّ الأمر بين الأحناف وأهل الحديث لم يكن بتلك الصورة التي حاول صاحب المنشور تصويرها، وهي: أنّ أهل الرأي عقلانيون منفتحون، وأهل الحديث نصوصيّون يلغون العقل! وسأذكر على عجالة بعض الأسماء لأئمة من أهل الرأي كانوا في نفس الوقت من أهل الحديث:

 

منهم أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة (ت 182 هـ)، قال عنه الذهبي في السير: "حدث عن هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وأبي إسحاق الشيباني، وعبيد الله بن عمر، والأعمش، وحجاج بن أرطاة، وأبي حنيفة، ولزمه وتفقه به، وهو أنبل تلامذته وأعلمهم. تخرج به أئمة كمحمد بن الحسن، ومعلى بن منصور، وهلال الرأي، وابن سماعة وعدّة. وحدث عنه: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجعد، وأسد بن الفرات، وأحمد بن منيع، وعلي بن مسلم الطوسي، وعمرو بن أبي عمرو الحراني، وعمرو الناقد، وعدد كثير".

 

ومنهم الحافظ معلى بن منصور الحنفي (ت 211 هـ)، وقد مرّ ذكره معنا وكلام أبي حاتم الرازي فيه، وقد حدّث عن مالك بن أنس، والليث بن سعد، وأبي عوانة، وابن لهيعة وغيرهم. ومنهم بشر بن الوليد الكندي الحنفي (ت 238 هـ)، قال الذهبي في السير: "سمع من عبد الرحمن بن الغسيل وهو أكبر شيخ له، ومن مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وحشرج بن نباتة، وصالح المري، والقاضي أبي يوسف وبه تفقه وتميز". ومنهم "شيخ الحنفية أبو جعفر، أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى البغدادي الفقيه المحدث الحافظ" (ت 280 هـ) كما وصفه الذهبي في السير. حدّث عن عاصم بن علي، ومحمد بن عبد الله بن سماعة، وسعدويه الواسطي.

 

ومنهم محمد بن علي الترمذي الملقّب بالحكيم الترمذي (توفي نحو 295 هـ)، وقد حدّث عن قتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجر، وعلي بن خشرم، ويعقوب بن شيبة وغيرهم. وهو مع ذلك على مذهب أهل الرأي في الفقه، ومعظّمٌ لأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، يستشهد بهم في كتبه، وله الكثير من الأسانيد العالية. وتجده في كتبه كثير الدفاع عن الروايات ويوجه نقده لمن يردّها بأدنى شبهة، وفي نفس الوقت يناقش مضامين روايات أخرى بمنهج علمي صارم ويردّها. وله كتاب "نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول". وله كلام في كتاب "المسائل المكنونة" يقدّم فيه أهل الحديث على أهل الرأي في مسألة أخلاقية.

 

ومنهم أبو جعفر الطحاوي الأزدي الحنفي (ت 321 هـ)، وصفه الذهبي في السير بأنّه "الإمام العلامة الحافظ الكبير، محدّث الديار المصرية وفقيهها". حدّث عن خلق كثير، وبرز في الحديث والفقه، وله من الكتب في الحديث "شرح معاني الآثار" و"شرح مشكل الآثار" و"حديث أبي جعفر الطحاوي" و"التسوية بين حدّثنا وأخبرنا". وله متن العقيدة المشهور، المتلقّى بالقبول عند أهل الرأي وأصحاب الحديث. ومنهم أبو بكر الكلاباذي الصوفي الحنفي (ت 380 هـ)، صاحب كتاب "التعرّف لمذهب أهل التصوّف"، وصاحب كتاب "بحر الفوائد" والذي يروي فيه بأسانيده الكثير من الأحاديث ويشرحها، والذي يذهب فيه مذهب أهل الحديث في الصفات.

 

الخصومة بين الكثير من أهل الحديث وبين أبي حنيفة هي خصومة علمية في شأن رواية الحديث وفي شأن بعض الآراء الفقهية والعقدية

مواقع التواصل
 
رابعا: هل كان أهل الرأي "ثوريين" وأهل الحديث أدوات بيد السلطة؟

إنّ الزعم بأنّ أبا حنيفة كان معارضا للسلطة وأنّ أهل الحديث في المقابل كانوا أدوات في يد السلطة هو كذب محض واستخفاف بالقارئ، فجميع أئمة المذاهب الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد) اضطُهدوا من قبل السلطة، فقصة أحمد بن حنبل معروفة ومذهبه في اعتزال السلطان معروف، والشافعي سُجن لاشتباه بعلاقته مع العلويين المناوئين للعباسيين، وأما مالك فقد ضُرب من السلطة كما هو مشهور! فعن أي أدوات يتحدث؟! وهؤلاء الثلاثة (أي مالك والشافعي وأحمد) هم من أئمة أهل الحديث.

 

فالمسألة في العلاقة مع السلطة لم تكن لها علاقة بأهل حديثٍ وأهل رأيٍ، بل ستجد من أهل الرأي من كان جزءًا من السلطة، بل من خواص تلاميذ أبي حنيفة؛ فهذا أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني كلاهما من رؤوس الأحناف ومدرسة أهل الرأي، ومع ذلك كانا في مناصب رسمية في قضاء السلطة العباسية. فستجد من أهل الرأي وأهل الحديث من ارتبط بالسلطة، كما ستجد من الفئتين من اعتزلها. والشائع عند أهل الحديث هو التغليط على من يقترب من السلطان، وأدبيّاتهم في هذا الشأن معروفة للقاصي والداني ومبثوثة في كتبهم ومروياتهم، حتى هجروا بعض من كان يتقرّب من السلطان، فكيف يقال إنهم أدوات بيد السلطة؟!

 

خامسًا: موقف أهل الحديث من جعفر الصادق وأهل البيت

أما زعمُه بأنّ تتلمُذَ أبي حنيفة على يد جعفر الصادق كان سببا لطعن أهل الحديث فيه؛ فهذا من أقبح ما قاله، ويعلم بطلانه من يراجع كتب الحديث والعقائد والتراجم عند أهل الحديث. وقد ذكر ابن عدي في كتابه "الضعفاء" عن يحيى بن معين أنه قال في جعفر الصادق: "ثقة". وروى ابن عدي أيضا عن عمرو بن أبي المقدام قال: "كنتُ إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنّه من سلالة النبيّين".

وقد حدّث عن جعفر الصادق عدد من أهل الحديث ورواياته مبثوثة في كتبهم؛ فقد روى عنه مالك بن أنس في "الموطأ" نحو أربعة عشر رواية. وحدّث عنه سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة، ويحيى القطان وغيرهم من أهل الحديث، فكيف يُقال إنّه سببٌ في انصراف أهل الحديث عن أبي حنيفة؟!

 

أؤكد دائما على أهمية سعة الاطلاع في التصدّي لأي اصطياد في الماء العكر، وفي مواجهة أي مقولة تعتمد على جهل القارئ بالتراث

رويترز
 

ولعل صاحب المنشور يريد أن يلمح إلى وجود إشكالية عند أهل الحديث تجاه آل البيت، وهذا باطل كل البطلان، ومن يقرأ كتب أهل الحديث سيجد أبواب فضائل أهل البيت بل حتى في كتب العقائد التي كتبوها، بل رُمي بعض أهل الحديث بالتشيع كالإمام النسائي، وهو من أئمة أهل الحديث المقدّمين، وكتابه في الكتب الستّة محفوظ. ولهذا فإنّ زعم الكاتب أنّ تتلمذَ أبي حنيفة على جعفر الصادق سببٌ في طعن أهل الحديث بأبي حنيفة هو زعم باطل يدل على استخفافه بعقول قرّائه أو جهله بالأمر.

 

وأخيرا: إنّ النتيجة التي أراد صاحب المنشور الوصول إليها، وهي أنّ مثل هذا الطعن بأبي حنيفة وعدم الرواية عنه هو جزء من تشويه الصورة النقية للإسلام؛ هي نتيجة باطلة، لأنّ مذهب أبي حنيفة في الفقه والعقائد قد شاع وانتشر عبر تلاميذه، فما الذي يجده في فقه أبي حنيفة المنقول لنا من قبل أبي يوسف والحسن وغيرهما من أهل الرأي مخالفا بشكل جذري لفقه أهل الحديث؟ وهبْ أنّنا طرحنا كل فقه أهل الحديث وعقائدهم وأخذنا بمذهب الأحناف الفقهي والعقدي، هل كنّا سنجد إسلامًا آخر غير هذا الذي نعرفه؟ ولو روى أهل الحديث تلك الروايات القليلة التي عند أبي حنيفة في كتبهم كصحيح البخاري ومسلم، فما هو ذلك التغيير الجذري الذي سيُعيد الإسلام نقيّا؟! من هنا نعلم أنّ ادعاءات الكاتب واستنتاجاته لا معنى لها ولا قيمة!

 

والواقع أنّ هذه الخصومة بين الكثير من أهل الحديث وبين أبي حنيفة هي خصومة علمية في شأن رواية الحديث وفي شأن بعض الآراء الفقهية والعقدية، ولكنها لم تكن خصومة بين منهجين مختلفين اختلافا جذريا في فهم الإسلام حتى يلمّح الكاتب إلى أنّ عدم روايتهم له ساهمَت في إفساد صورة الإسلام النقية، فقد كانت خصومة داخل دائرة أهل السنّة.

 

ولست آسف على وجود مثل هذه الآراء المغلوطة بقدر أسفي على سهولة خداع بعض المسلمين بهذه الأقوال السطحية. ولهذا فإنني أؤكد دائما على أهمية سعة الاطلاع في التصدّي لأي اصطياد في الماء العكر، وفي مواجهة أي مقولة تعتمد على جهل القارئ بالتراث. وصحيحٌ أن التفصيل والتمحيص متعبٌ ويحتاج إلى جهد، ولكنه أشرف ألف مرّة من أن نترك عقولنا فارغة في أيدي مغرضين ليحشوها بما شاؤوا من معلومات مغلوطة وأفكار متهافتة!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة