وليد العطار
وليد العطار
1.1 k

صديقي القرآن

4/6/2018

هذا ما أشعر به غيرَ ذي فضلٍ تجاه ذلك الكتاب العظيم. تأملت كثيرا فيما أسبغ الله علي من أُلفة تجاه القرآن الكريم وسوره، ولم ألتقط بالتحديد بداية خيط هذه الألفة الحبيبة، لكنني كنت أشعرها طوال الوقت، وأقدر على وصفها. تتمثل لك سور القرآن شخوصًا حية.. لك مع كل منها صحبة وذكرى خاصة، ولكل منها في حلقك وسمعك ووجدانك مذاق ووقع وشعور خاص، كما تشتاق لكل منها شوقا مختلفا. قد يكون هذا وجهًا لفهم حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: إن هذا القرآن مأدبة الله.. ولا يكون على مأدبة الكريم صنف واحد، بل صنوف وصنوف.

 

تسمع سورةً فتُهيج في نفسك معانيَ مختلفة عما تولده في نفسك أختُها، تتلو سورةَ الأنفال فتشم غبار بدر وتكاد تلمس بأناملك مطر السماء الذي ثبّت الله به عباده، وترى الحبيب مستغيثا ربه يسقط عن كتفه الرداء.. ترى القلة التي لم تذق نصرا ولا غنيمة قبل اليوم كيف تكاد تنجرف إلى الصراع على الدنيا لولا عصمة الله وتأديبه. تطالع آل عمران فيأخذك شَجَنُ القرح والدماءِ الزكية المصطفاة للشهادة.. تسمع الأنعام فيتبدى لك موكب نوراني من سبعين ألف ملك ينزلون بها جملة واحدة كما لم تتنزل سورة غيرها كما ذكرت بعض الروايات. لكنك في الوقت عينه قد تستقبل سورة فتهيج معها ذكرياتك أنت.. لا ذكريات تنزّلها أولَ مرة.. تلك السورةُ تلوتَها في يوم كذا فحرّكت قلبك، وهذه ما زلتَ تذكر جهدك في حفظها حتى يسرها لك القدير، وتلك يذكّرك قارئها بمجلس علم عُرض عليك فيه من تفسيرها ما لم تكن تعلم.

 

وسورة تذكرك بصوت شيخ، وأخرى بكربٍ قرأتها أو سمعتها فيه وكان قلبك حاضرا.. لا تظن قارئي الكريم أن ما سبق حكرٌ على علماء التفسير وحفظة القرآن وأولياء الله المقربين. لكل منا ذكرى مع شيء من كتاب الله قلّ أو كثر، ونتفاوت في ذلك بقدر عِشرتنا مع القرآن. إنك تحب صديقك وتحب شؤونه وما يُذكرك به.. تعرفه، وتفهمه أحيانا حتى قبل أن يشرع في الكلام. ومثل ذلك نسمات السور والآيات.. تهبُ على قلبك وعقلك مع أوائل حروفها لو كنتَ حاضرا.

كان لي تجربة خاصة ما زلت أتذوق جمالها مع سورة الأنبياء التي كلما قرأتها أو سمعتها (تحديدا من سيدي المنشاوي) شعرت بنسق مختلف في عرض خبر أنبياء الله

هل تملّ مني إن صحبتُك في ذكرياتي البعيدة والقريبة لعلي أدرك بمساعدتك كيف سعدتُ بصحبة القرآن حتى غدا كالبيت الذي أحفظ جنباته وغرفه وأثاثة (رغم أني لم أشرف بعد بحفظه كاملا للأسف)، لعله سمرٌ شريف يليق برمضان ودقائقه الغالية، وتحديثٌ بنعمة إلهية لا حول لي في تحصيلها ولا قوة.. لعل قارئا يدرك في نفسه قربًا من آيات ربه فيَنعمُ بها ويُنَعِّم بها غيره.

 

كلما ذكرتُ ذلك ذكرت أبي أكرمه الله وما كان يحرص منذ طفولتنا على تعليمنا القرآن وحملنا على حفظه. كأنني أراه الآن في تلك المجالس الأسرية يقرأ لنا من تفسير القرآن (بل من ظلال القرآن نفسه!! تخيل) كنت أكبر إخوتي وأفهم القليل ويغيب عني الكثير.. لكن ألا تكون تلك المحاولات غرسا مبكرا لعلاقة طويلة مع الظلال وكاتبه الفذ كما سأتطرق بعد قليل؟؟..

 

كان آباؤنا وأساتذتنا الأولون لا يشغلون أنفسهم كثيرا بما نشغل أنفسنا به اليوم مما ينبغي أن يقال أو لا يقال من الخير للناشئة.. كانوا يعلموننا كل ما كانوا يعلمون دون فلترة (إن جاز التعبير)، وكانت الأذهان أصفى وأقدرَ على الالتقاط بحكم قلة الجواذب السلبية الحديثة. ذات مساء ناداني أبي بحزم وأجلسني بين يديه قائلا: سمّعْ سورة الكهف! ماذا؟! أنا لا أحفظها!.. وهو يعلم.. كنت حينها في الرابع أو الخامس الابتدائي لا أذكر.. لكنه أصرّ، فافتتحت السورة على غير استعداد فوجدتني أنطلق فيها حتى أوقفني هو! يا إلهي.. أأحفظ الكهف وأنا لا أدري؟ قال لي بعتاب غاضب: هذه سورة لم تتعب فيها لكنك حفظتها بمجرد التلاوة يوم الجمعة، فكيف لو تعهدت ما تحفظ من سور ثم تنساها.. كانت تلك إحدى مطارداته الحثيثة لتكاسلي في حفظ القرآن، ولئن لم أستجب سريعا في حينه وأسأل الله المغفرة، إلا أن تلك المساعي الممتدة تركت في نفسي أعمق الأثر لاحقا.

 

في أوائل المراهقة كانت صحبة الخير لاعبا أساسيا... كان القرآن شاغلا مشتركا نتسابق في حفظه ونتنافس في مسابقاته وينعم الله علينا في تلك السن المبكرة بمن يجمعنا في المساجد في حِلَق التفسير، ويدربنا على تحفيظ الأطفال بينما نحفظ في الوقت عينه.. في تلك الأيام أذكر كلمة أستاذ كريم على باب أحد المساجد وكنت في المرحلة الإعدادية وكان هو في الجامعة: أدرك نفسك واحفظ في سنّك هذه فستنشغل كثيرا عندما تكبر.. وليتني فعلت!

 

في تلك المرحلة بدأت أشعر بشيء كان يدهش أبي وبعض من حولي من الكرام. غالبا لم يكن إمام يخطئ في آية وأنا أصلي خلفه حتى أجد نفسي أصحح له حتى وأنا لا أحفظ تلك السورة، أو لم أحفظها من قبل! الحمد لله لم أكن أشتط في ذلك بما يزعج الأئمة، ولكن هذا كان يثير حفيظة أبي بقدر ما يسعده: ما هذا الابن الكسول في الحفظ رغم استعداده! ليس هذا ما يعنيني الآن بقدر محاولة معرفة كيف وصلتُ لتلك الحالة.. لا أظنها قوة الذاكرة فقط.. ولكنه فيما يبدو: الاهتمام.. وسأوضح لك قصدي..

 

(أي سورة هذه؟!) هذا السؤال السحري العجيب الذي كان أبي يسأله لنا مرارا ونحن في السيارة بينما الشيخ يقرأ في المذياع.. صار سؤالا تلقائيا كلما سمعتُ القرآن، وأحسبه سببا مباشرا بفضل الله في تحفيز الانتباه والذاكرة كلما تليت عليك الآيات.. (أي سورة هذه؟!)، أحاول كثيرا طرح السؤال على أبنائي حاليا كلما سمعت سورة كانوا قد حفظوها.. ويتفاوتون في التجاوب معي لكنني بحول الله لن أملّ.. لا أجحد فضل الله الذي قادني إلى محاضن التربية القرآنية طفلا، ثم إلى رحاب دار العلوم شابًا حيث كنا في أنوار القرآن نسبح..

 

أدمنت في مرحلة الجامعة سماع المنشاوي وقراءة ظلال قطب رحمهما الله.. لقد تساءلت يوما: هل سمع سيد قطب ترتيل المنشاوي قبل أن يكتب ظلاله؟ أم أن المنشاوي قرأ الظلال قبل أن يرتل مصحفه الفريد؟! الله أعلم.. من يدري؟ فقد كانا في زمن واحد. أدعو لهذين العملاقين كثيرا فقد أذاقاني من حلاوة القرآن ما لم يفعل غيرهما. وأدعو أيضا لصحبة الكرام التي علمتني حتى تذوقَ مقامات التلاوة المختلفة رغم أني لم أعرفها تفصيلا، وأرجو أن أدرسها يوما فهي ممتعة فيما يبدو.

 

لا تجعلوا صِلات أولادكم بالقرآن جافة ثقيلة، ولا تعجلوهم على الحفظ.. ولا تتوقفوا عن تحفيزهم في ذات الوقت، فما سيتم الآن من أجل الجائزة سيكون خالصا لله بعد حين

غيتي
 

تبلورت في تلك الفترة فكرةُ صداقة القرآن وسُوَرِهِ بشكل شبه كامل، وخاصة حين بدأت لاحقا أقدّم خواطر في المساجد بين ركعات التراويح، وكانت تلك نعمة عظمى رغم ثقلها، فكان عليّ يوميا في رمضان قراءة جانب من تفسير آيات اليوم لأنطلق منها في خاطرة التراويح، ودخلت مذ ذاك جنةَ المعايشة اللذيذة لآيات الله التي أتساءل: كيف بلذتها لو كنت تخصصتُ في علوم التفسير مثلا؟ لكن لعله خير، فقد أراني الله عيانا معنى قوله الكريم: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ".

 

كلام الله قريب، رغم أنه قول ثقيل كما ذكرت آية المزّمل، قريب في فهمه ثقيل في تبعاته كما قال صاحب الظلال رحمه الله. ها أنا قد عدت مجددا دون ملل للظلال.. لا يخطئ فهمَ سيد قطب سوى جاهل بما كتب أو مغرض.. ليس هذا موضوعنا بالتأكيد، لكن السياحة في صفحات الظلال تدريبٌ فريدٌ على صحبة القرآن وتذوقِ طُعوم مأدبة الله الخالدة. درّبني الشهيد العظيم على مَسك خيطِ السورة مهما كان دقيقا.. لم أفلح دائما وحدي، لكنّ شغْلَ الذهن بهذا له متعة جليلة لا يعرفها إلا من ذاقها، ولي في هذا تجربتان.

 

في إحدى ليالي التراويح خلف أستاذنا محمد سعد كان سيشرع في سورة النحل، وقبل أن يدخل في الركعة قال لنا: سنبدأ سورة النحل، وهي سورة النِعَم كما يسميها المفسرون.. لكن لماذا خصّ الله النحل من بين تلك النعم ليسمي به السورة؟ فكّروا وسنجيب بعد الصلاة! لم أستطع الفكاك من التدبر، فقد أثارني السؤال كثيرا، وكان أكرمه الله وما يزال عبقريا في التفسير الموضوعي وله في ذلك مؤلفات.

 

لاحظتُ خلال متابعة الآيات أن النحلة هي الكائن الذي كان مثالا على مدار السورة في حسن توظيف نعم الله ونفع الناس بما آتاها الله من فضل: "كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ"، "يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ". أيكون ذلك إشارة لمهمة الدعوة إلى الله؟ بالفعل هذا ما أكده الإمام الجليل بعد الصلاة! لقد افتُتِحت سورة النحل واختُتِمت بإشارات للدعوة إلى الله: "أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ". "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ". كان شعورا جميلا جدا أن تشعر أن الله فتح لك بتدبر آياته جانبا من مراده.. والله أعلم بمراده.

 

كان لي تجربة خاصة أخرى ما زلت أتذوق جمالها مع سورة الأنبياء التي كلما قرأتها أو سمعتها (تحديدا من سيدي المنشاوي) شعرت بنسق مختلف في عرض خبر أنبياء الله.. تسلط السورة الضوء بشكل خاص على عطايا الله لأنبيائه واستجابته لدعواتهم، أكثر من التركيز على صدعهم بالحق وجهادهم لكفر أقوامهم.. وهذه الفكرة مصحوبة بنبرة عالية من تعظيم الله الذي فتق رتْق السموات والأرض، وقصم القرى الظالمة، ولا يؤخر العذاب حتى عمّن قد ينحرف من عباده المكرمين!..

 

لا بد من صياغة جديدة لعلاقة قلوبنا مع آيات الله، لا بد من حمل النفس على مصاحبة الآيات وتحفيز العقل والذاكرة ولو لحفظ مذاقها إن لم يكن حفظها هي

رويترز
 

كأن نبرات العظمة تقول لك من خلال ضمير الجمع الذي كثر في ثنايا السورة: هذا إله عظيم يجيب أولياءه المسارعين في الخيرات الداعين رغبا ورهبا.. كما أن عذابه يأتي الكافرين بغتة فيبهتُهم فلا يستطيعون رده.. أسلِم لآيات الله  عنانَ قلبك وعقلك.. وسترى العجب، وخلّدْ ذكرياتك (وإن كانت عابرة) مع كلمات ربك.. فتوشك أن تعظُم.

 

ذات يوم جميل لا أنساه أشهدني اللهُ مجلسا ضم قرابة عشرين من الأفاضل، وقال قائلهم: ليذكُرْ كلُ واحدٍ آية أسالت دموعه! يا الله! لا أنسى تلك الدقائق، رغم أني نسيت معظم الآيات إلا أنني أذكر جيدا صاحبي الذي كان على يساري وهو يتلو من بين دموعه: "وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ".. يا للفاجعة! وبالطبع أذكر الآية التي قرأتُها في ذلك المجلس والتي تهزني كلما قرأتها من سورة الحج: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ".

 

إنه فن صناعة الذكريات مع الآيات.. وأنا الآن بعد هذه السنين الطويلة، لا أدّعي انتظاما لا في تلاوة ولا في حفظ، أسأل الله العفو والمغفرة.. لكن لعل هذا ما حملني على تلك السياحة الطويلة بحثا عن خيوط تلك العلاقة الرائعة التي لم يهزمها الإهمال والتقصير.. لعل من كرم الله أن يرزقني الله أخيرا حافزا من همّة زوجتي أكرمها الله في حفظ القرآن، وهي في عمق الأعباء والمشاغل، فأجد نفسي من جديد أحيانا، بينما أغبطها، أصوّب لها آيات لم أحفظها قط، فتدفعني هي لمعاودة الكرّة التي أسأل الله ألا يقبضني حتى يتم لي ولها حفظ كتابه. وكما تحفزني زوجتي، فقد لفتني حرص أمي رحمها الله على الحفظ وهي في سن متأخرة وصحة متعبة.

 

لا يُدخَل على القرآن من باب واحد أيها السادة.. لكل منا مدخله الخاص، لكن لا بد أن ندخل.. لا بد من صياغة جديدة لعلاقة قلوبنا مع آيات الله، لا بد من حمل النفس على مصاحبة الآيات وتحفيز العقل والذاكرة ولو لحفظ مذاقها إن لم يكن حفظها هي.. لا تجعلوا صِلات أولادكم بالقرآن جافة ثقيلة، ولا تعجلوهم على الحفظ.. ولا تتوقفوا عن تحفيزهم في ذات الوقت، فما سيتم الآن من أجل الجائزة سيكون خالصا لله بعد حين. اسمعوا القرآن واعشقوا أصواتا بعينها (ولكن بتلاوة صحيحة لو سمحتم!) وانسجوا خيوط صداقتكم مع كل حرف من كتاب الله حتى يعرفكم يوم اللقاء فيشفعَ ويقودَ إلى الجنان ويقيَ مزالقَ الصراط.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة