أنس شليوة
أنس شليوة
149

كيف يربي فينا رمضان إرادة الامتناع؟

5/6/2018

يعتبر شهر رمضان فرصة للتغيير بامتياز، تغيير من السيء للحسن ومن الحسن للأحسن، يتجلى فيه قول الحق سبحانه وتعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ" عَليمٌ. الأنفال: 53.

  
ومن هذا التغير أنه يربي فينا إرادتين غايتين في الأهمية، فحتى يعيش الإنسان سويا متزنا يجب أن يربي فيه هذين النوعين من الإرادة وهما: إرادة الاقدام وإرادة الامتناع، وشهر رمضان كفيل بتربيتهما معا شريطة أن تُؤخذ هذه الشعيرة الربانية الخالصة بصدق وعزيمة قوية، لا كما يعتبره الكثير منا للأسف أنه موسم للراحة والاسترخاء والتقاعس والتكاسل، بل حتى موسم للسب والشتم، فهؤلاء ليس لهم حاجة في أن يدعوا طعامهم وشرابهم وليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش كما في الحديث النبوي الشريف، بل حديثي هنا عن المؤمنين الصادقين الذين يأخذون الكتاب بقوة، ويشعرون بتغير جذري في حياتهم العامة والخاصة في هذا الشهر المبارك، خاصة في هذه الأيام الأخيرة التي نعيشها منه، يشعرون فعلا بنعمة الإسلام وكيف يفعل فعله في النفس البشرية ويعيدها إلى ذاك الزمن السعيد، زمن المحبة والوفاء والانتصارات والفتوحات، وفي نفس الآن يقف بنا رمضان بشموخ وثبات أمام كل سيول العولمة والحداثة، التي تعسى جاهدة لفرض رؤيتها الفكرية ونمطها الثقافي والاقتصادي على كافة سكان المعمورة، وطمس كل ما هو خاص ومتميز بكل شعب، فرمضان يحفظ لنا هويتنا وثقافتنا وخصوصيتنا.

  

شهر رمضان شأنه جدير بأن يحتفى به، ويسعد به كل مسلم ويحسن استقباله ووفادته، بصوم نهاره وقيام ليله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه والامتاع منها، حتى ننتصر كما انتصر أسلافنا

فلا ريب أن رمضان إذا أخذ بهذا الشكل أنه يربي فينا إرادة الإقدام على كل ما هو حسن وجميل، وليس الأمر بالهين، فحتى الإقدام يحتاج منا لعزيمة قوية وأي عزيمة، عزيمة على فعل الخيرات والفضائل والعكوف على القرآن نعمة رمضان الكبرى وتلاوته بمنهج التلقي وتعلِيمه وتعَلُّمه بمنهج التدارس والتزكية به وبأخلاقه بمنهج التدبر، فلا يأخذ بهذه الخطوات إلا من تربى بإرادة الإقدام.

  
وفي المقابل وكنتيجة لما تقدم فإن هذا الشهر الفضيل يربي فينا إرادة الامتناع، وذلك بالامتناع عن أمرين أساسين يعتبران أهما شرطين من شروط البقاء واستمرار النوع البشري، جاء رمضان لتربيتهما وكبح جماحهما، ألا وهما غريزة الطعام والشراب التي هي وسيلة استبقاء الذات البشرية، وغريزة الجنس والجماع، التي هي وسيلة استبقاء واستمرار النوع البشري، وهذين الغريزتين ليسا مقصودين بحد ذاتيهما، وإنما هما وسيلة لتربية ما هو أعمق وأخطر، تربية النفس الأمارة ووضع حدود لمتطلباتها الكثيرة المهلكة، فميدان المعركة بينك وبين نفسك فقد جاء رمضان ليعلمك كيف تنتصر عليها، فإذا اقتدرت عليها وكبحتها كنت على غيرها أقدر، وإذا خسرت أمامها كنت على غيرها أضيع. فلا يسعى رمضان من خلال هذه التربية الممنهجة القضاء على هذين الغريزتين، بل على العكس من ذلك تماما يسعى لصرفهما في المكان المناسب وبالقدر المناسب في الوقت المناسب.

  

والتاريخ أكبر شاهد على ما نقول، فهذه أهم الغزوات والمعارك التي انتصر فيها المسلمون كانت في شهر رمضان المبارك، وما انتصر فيها أصحابها إلا لما تحلو بتعاليم هذا الشهر الفضيل وتمثلوا لإرادة الاقدام وإرادة الامتناع حق التمثل، فهذه غزوة بدر الكبرى كانت في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وبعدها بسنوات وقعت غزوة فتح مكة في العاشر من رمضان في السنة الثامنة، وتلك معركة القادسية سنة خمسة عشر، وفتح الأندلس سنة 92، ومعركة الزلاقة العظيمة سنة 479، ومن أهم المعارك التي وقعت في رمضان موقعة عين جالوت التي قضى فيها السلطان قطز على خطر التتار سنة 658، وقبلها موقعة حطين الشهيرة سنة 584، وليس عنا ببعيد حرب أكتوبر سنة 1393/1973 ضد الكيان الصهيوني، التي تم فيها تحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، فهذه بعض الأمثلة وأهم المعارك التي انتصر فيها المسلمون في هذا الشهر المبارك.

  
فهذا الشهر شأنه جدير بأن يحتفى به، ويسعد به كل مسلم ويحسن استقباله ووفادته، بصوم نهاره وقيام ليله، وامتثال أوامره والاقدم عليها، واجتناب نواهيه والامتاع منها، حتى ننتصر كما انتصر أسلافنا، وما انتصروا إلا لما انتصروا على أنفسهم، فالله سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، كما قال تعالى: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ" الرعد: 11.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة