عمر المخيلف
عمر المخيلف
94

الرحم الذي أنجب التنظيم الذي لا يستحي

6/6/2018

ما زالت عالقة في مخيلتي تلك المشاهد المفجعة لدخول الغزاة إلى بغداد، كنت أنظر لبغداد كعاشق يسرقون منه حبيبته أمام عينيه، بالرغم من صغر عمري كنت استذكر جيداً تلك الحكايات التي رويت عن بغداد، وكيف بناها العباسيون، وكيف دخلها المغول، كيف أحمرّ ماء نهرها بدماء الشهداء، وكيف أزرق بحبر كتبها العلمية الملقاة في قعر النهر.

 

كانت تنتابني حرقة من إثر النيران التي تشتعل بين أكناف صدري، كنت أقف أمام التلفاز وأرى جنود الاحتلال يمشون بدباباتهم على طرقاتها الرقيقة، وأشعر بتلك الطرق وهي تتألم، أرى من خلال المشاهد الحية التي تنقل من هناك بغداد وهي مقهورة وكأن الزمان كله قد انقهر، كان كبريائها يخدش، كانت تضام كلما مر جنود الاحتلال في ازقتها.

 

كنت أتألم كما تألمت مآذنها وشواهدها العريقة. وبعد أسبوع تقريبا دخل الأمريكان بدباباتهم من أمام بيتنا في مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار غربي بغداد، كنت في الثالثة عشر من عمري، ولكني نظرت لهم نظرة اكبر حتى من عمري، كانت نظرة بعمر بغداد، كان الناس رافضون لوجودهم فمنهم من حمل نعاليه يلوح بهما للأمريكان ومنهم من فضلوا أن يترقبوا ما تخفيه لهم الأيام، ولكنهم جميعاً كانوا يتألمون، كنت انظر إلى أبي وهو يستجمع كمّاً من الألم ويخفيه في داخل صدره، في كل مرة يرى فيها تلك الدبابات، يا له من ألم.


أذكر جيداً في أحدى المرات كيف كنا نتجول في سوق الرمادي، وقرب جامع الشيخ عبدالجليل رحمه الله، فمر رتل امريكي من قربنا، كنت في تلك اللحظة ثاني مرة اشاهد رتلاً أمريكيا بصورة مباشرة بعد ان رأيته مر قرب دارنا قبل عدة أيام، فخرج أمريكي أسود يلوح بيديه وكأنه يستفز الناس، فهبوا جميعا يتجمهرون أمام الدبابة يلقون عليها من الحجارة والنِعال ما تيسر، كان أبي يصرخ بأعلى صوته كلاماً لا أفهمه لأني لم أسمعه لكثرة الضجيج وأصوات الرصاص التي اطلقها الأمريكان، كان وجهه قد ابيضّ وشحبت ملامحه، كان في غاية الانفعال ثم وبعد أن هربوا فرحنا جميعاً وكأنهم هربوا إلى خارج العراق، حينها عرفنا كم أن المحتل ضعيف وكم نحن أقوياء.

 

بات تنظيم القاعدة ينفذ عمليات القصاص ضد الناس والعشائر أكثر من استهدافه للقوات الأمريكية، وأسس محكمتهم الشرعية واختطف مئات الشباب، ونفذ عمليات طائفية كانت امتداد لعمليات الميليشيات الطائفية الشيعية

فمرت الأيام بحذر شديد وما زال الأمريكان يبنون ثكناتهم وينقلون معداتهم، كانوا جسما غريبا مرفوض بكل ما تعنيه الكلمة، فمرت الأيام مثقلة، وفي يوم لا أذكر تاريخه انفجرت عبوة ناسفة استهدفت عربة هامفي في شارع عشرين في وسط الرمادي، وسرعان ما انتشر الخبر، كان خبرا مفرحاً تفاعل معه الجميع يبشر به أحدهم الآخر، ثم وبعد ذلك تعالت وتيرة اعمال المقاومة الوطنية وتشكلت الكتائب هنا وهناك، كانت الرمادي مسرحاً لتلك العمليات ضد القوات الأمريكية، كانت المناطق الشرقية مثل شارع عشرين وحي الملعب وحي الضباط مرتعاً لتلك العمليات، لم يجرؤ الأمريكان على دخولها، كانوا حذرين، ولم يدخل رتل في تلك المناطق إلا وخسر الأمريكان نصف عدده وعدته.

 

ثم تصاعدت وتيرة العمليات أكثر حتى أصبحنا نرى ارتال الأمريكان عبارة عن أموات يمشون على الأرض، كان الخوف بادياً في وجوههم، كانوا يبكون في الشوارع، لا يعرفون من أي مكان تصطادهم النيران، ولا يعرفون أي أرض ستتفجر بهم. كانت الكلمة الطولى للمقاومة، كنت أشاهد الجزيرة وهي تنقل أحداث المواجهات مع الأمريكان، وكنت يوميا أحصي قتلى الأمريكان على التلفاز كانت إحصائيات غير دقيقة، لأن الأمريكان دائما ما يصغرون أعداد قتلاهم.

 

ثم وبعد فترة أصبح الأمريكان يعتقلون الناس بصورة عشوائية في سجني بوكا وأبو غريب ومعتقلات أخرى في معسكراتهم، حتى امتلأت تلك السجون والمعتقلات بالمساجين الأبرياء. كان السجين يقضي شهر إلى سنة ونصف وقليل منهم قضوا سنتين في تلك المعتقلات، ولكنهم حينما خرجوا من تلك المعتقلات كانوا اناس مختلفين، كانت أفكارهم غريبة، كانوا يتحدثون بجفاء، كنت أحسب أنهم يفعلون هكذا جراء حالتهم النفسية التي تضررت بسبب أساليب الأمريكان الذكية بالتعذيب النفسي والجسدي خصوصا ما أفضت إليه فضائح سجن أبو غريب.

 

ولكن مرت الأيام والأشهر فشكل هؤلاء المعتقلون السابقون مجاميع مسلحة، كانوا يمتلكون من العدة والعدد والإمكانيات ما يثير الشك، حتى عملياتهم كانت عمليات نوعية، كانوا يواجهون الأمريكان ويشتبكون معهم من مسافة صفر، وكل يوم كانوا يزدادون قوة، كانوا ينافسون رجال المقاومة الوطنية، ولكنهم كانوا أقوى لأنهم كانوا يستقطبون الكثير من الشباب بأساليب مختلفة، فهم يستغلون اندفاع الشباب للمقاومة، بالإضافة لأعداد الشباب الذين كانوا يخرجون من معتقلي بوكا وأبو غريب، كانوا يمتلكون شبكات تجنيد في داخل معتقلات أبو غريب وبوكا وغيرها، ونسبة كبيرة من هؤلاء المعتقلين انظموا إليهم بعد مغادرتهم السجن، لأنهم واجهوا مزيجاً من الأفكار المتطرفة مع التعذيب من قبل السجانين ما جعلهم يخرجون كأنهم وحوش.

 

حيث كان سجني بوكا وأبو غريب رحم الإرهاب الأول وكان بمثابة الجامعة التي تخرج منها رجال التنظيمات المتطرفة، حيث تصاعدت وتيرة عملياتهم، فاستهدفوا الامريكان في داخل المجمعات السكنية والاسواق وخلفت عملياتهم الكثير من الخسائر في صفوف المدنيين، على عكس عمليات المقاومة الوطنية التي كانت تتجنب الاماكن المأهولة بالسكان كي يجنبوهم النيران العشوائية الأمريكية التي كانت تشتعل بعد كل تفجير يستهدفهم.

 

ثم تطورت عملياتهم واستخدموا العمليات الانتحارية، حيث مثلت طفرة نوعية استمالت تعاطف الشباب أكثر، ولكنها في نفس الوقت كانت عمليات ضخمة بسيارات باهظة الثمن ومتفجرات كثيرة على عكس الإمكانيات المتواضعة لفصائل المقاومة الأخرى، ثم توالت الأيام وأعلنوا أنفسهم للأعلام، من جيش المجاهدين ثم تنظيم القاعدة في العراق إلى دولة العراق الإسلامية.

 

ومن هنا بدأ مسلسل الدم حيث وبعد أن انتشروا كالسرطان في جسد المقاومة باتوا يوجهون عملياتهم ضد الناس من العامة والموظفين وحتى رجال المقاومة الوطنية، أصبحوا يقتلون ويجلدون ويختطفون كل من يعارضهم، قتلوا الكثير من رجال الدين أمثال الشيخ عبدالعليم السعدي والشيخ طه سرحان رحمهما الله، حيث كانا من ابرز منارات العلم في المدينة، ثم اصبحوا يبثون عمليات قتل ما يسمونهم العملاء على العامة، ثم اعلنوا قيام امارتهم الاسلامية واستضعفوا كافة رجال المقاومة من الفصائل الأخرى الذين هرب غالبيتهم إلى سوريا في ذلك الوقت.

 

دخل التنظيم بالآونة الاخيرة الأراضي العراقية مدعيا بنصر أهل السنة الذين نكبهم بجرائمه السوداء قبل أعوام، وارتكب المجازر بأبناء العشائر وشرد أربعة مليون مدني سني

رويترز
 

وبعد فترة باتوا ينفذون عمليات القصاص ضد الناس والعشائر أكثر من استهدافهم للقوات الامريكية، واسسوا محكمتهم الشرعية واختطفوا مئات الشباب، ونفذوا عمليات طائفية كانت امتداد لعمليات الميليشيات الطائفية الشيعية، حيث كانوا كالحلقة يكمل بعضهم البعض. وذاق الناس بسببهم مرارة ما بعدها مرارة، كانوا يقتلون ويفجرون دون رحمة، وبذلك تمكنوا من السيطرة على الرمادي ومناطق اخرى في العراق مما أجبر الناس على الثورة ضدهم في مؤتمر الصحوة أو ثوار الرمادي أو جيش الثوار الذي ضم عدد من ابناء العشائر السنية بالإضافة لعدد قليل من شباب المقاومة الوطنية.

 

وبذلك انتهت حقبة تنظيم القاعدة في الرمادي كما انتهت قبله حقبة المقاومة ليتمكن الامريكان من السير في ازقة الرمادي وشوارعها دونما يستهدفهم أحد، كان الناس يلومون تنظيم القاعدة الإرهابي لأنه من شوه صورة المقاومة وزرع اليأس في صدور الناس، كان الناس يخافون أن يقاوموا المحتل ويعود إليهم ارهاب القاعدة. ثم توالت السنوات التي اوشكنا على نسيان آلام هذا التنظيم وافعاله القبيحة، حتى أزهر الربيع العربي، وانتشرت فصائل المعارضة السورية والجيش الحر وأوشكوا على حصاد ثمار هذا الربيع، ثم ظهر التنظيم من جديد ولكنه هذه المرة باسم مختلف، فقتل وأهلك وشرد وفرق، وسرق الثورة وبنى دولته المزعومة على شتات اراضي اخذها عنوة من فصائل المعارضة، لينهي حلم الثورة.

 

كما أن مسلسل هذا التنظيم لم ينتهي هناك، فهو يظهر كلما ارادت هذه الامة ان تصحوا وتلملم شتاتها، حيث دخل التنظيم في الآونة الاخيرة الأراضي العراقية مدعيا بنصر أهل السنة الذين نكبهم بجرائمه السوداء قبل اعوام، وارتكب المجازر بأبناء العشائر وشرد اربعة مليون مدني سني من مدنهم وقراهم، وجعل من تلك المدن اطلال من بقايا مساجدهم ومستشفياتهم وبيوتهم، دمر تراث الموصل ومكتبتها وجامعتها ومتحفها، حتى هذه اللحظة اتألم حينما استذكر ذلك الداعشي الذي يهشم بمعوله الحديدي وجه الثور المجنح، ذلك الثور الذي لطالما كافح ودافع بجناحيه عن رافدي العراق على مر التأريخ، وهو نفسه التنظيم الذي استهدف انتحاريه مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ودائما ما يصب فيض وحشيته في تسجيلاته الاعلامية، حيث يحرق الناس ويدمر دور العبادة ويتعمد لأن يفعل كل أمر مشين، وكأنه وجد ليثبت للعالم أن هذه الأمة مجرمة هو بالفعل تنظيم لا يستحي.

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة