سـيـف زغـدود
سـيـف زغـدود
363

قرآنيون خارج منهج القرآن!

8/6/2018

يعتبر المنتوج الفكري والعلمي المتجلي في البحوث الأكاديمية العلمية من الأشياء التي لا تتأتى لصاحبها إلا بالجد وبذل الجهد الحثيث لتحقيقه، لا سيما إذا كان صاحب العمل متحري للقيم البحثية كالمصداقية، الدقة، الرصانة، والموضوعية في مراحل إنجازه لعمله الذي يريد له أن يجد لنفسه اعترافا ومكانة في أروقة الفكر والمعرفة كي يكون له دخرا وفخرا ببصم اسمه عليه.


ولكن قبل بلوغ ذلك لا بد من استعدادك أولا في بدايات مشوارك البحثي لأن تتلقِّي النقد أكواما من (التصغير والتقليل من الشأن) لدرجة أن ناقدك قد يبدي لك بمحياه قسمات توحي إليك لوهلة بأنه يشك في مدى سلامة عقلك "فـقـط" لأنك ارتكبت خطأ منهجيا في بحث أو مذكرة تخرج لدرجة علمية ما بالخصوص في إحدى ميادين العلوم الإنسانية والاجتماعية.


وهو أمر مقبول لمن يحترم العلم وأهله، فلا بد لكل مجتهد في العلم أن يتواضع ويخفض جناحه له، فلا ينتظرن أن تكال له المدائح والتبجيليات من طرف من هم أعلى منه رتبة وعلما بمجرد تقديمه أولى أعماله، إذ يمكن تشبيه ذلك من حيث الدور إلى حد ما بالذي كان يعرف في زمن مضى بكهنة المعبد الذين يأتمنون الناس على ديانتهم، فكذلك هم لجان مناقشة المنتوج العلمي الأكاديمي والقامات النقدية عموما بمثابة حراس مدخل مبنى ذلك التخصص من دخول أيا كان له إلا بعد التأكد من استوفاء الولاج شروط الولوج، وإحدى أو بالأحرى أساس تلك الشروط هو التحكم في منهجية التخصص.

هناك من يسفهون من قامات العلم المختصين في الدراسات الدينية، جاعلين من بعض التفاصيل والقضايا غير الجوهرية والخلافية واجهة لكل تدخلاتهم ونقاشاتهم

يقال بأن الخطأ أو الاختلاف في التحليل أو اللغة ممكن حصوله ما دام الجهد بشريا، إلا المنهج فيجب التدقيق فيه وتحري الصحة والثبات عليه في كل فصول العمل لأنه الضامن لسلامة البحث وخط سيره - حتى قيل: العلوم الإنسانية والاجتماعية ليست علوم دقيقة، لكن المنهجية علم دقيق في العلوم الإنسانية والاجتماعية - فالمنهج هو الضابط والموجه الذي يقيد البحث من التيه خارج الموضوعية العلمية، فهو الوعاء المعنون بالأكاديمية العلمية الذي في بوتقته يستخلص الاعتراف بالجهد المبذول فيه، وعلى أساس التحكم فيه خلال العمل تحسن الدراسة أو تسوء ويقـلد صاحبها بالدرجات الأكاديمية التي تتيح له الآفاق للغوص في التخصص أكثر، وهي طريقة مثلى أو دعنا نقل بأنها عادلة بما فيه الكفاية.


لكن المحير وغير المعقول بتاتا أن تجد بأن هؤلاء الذين يدافعون باستماته عن المنهج في تخصصاتهم، يذهبون إلى تخصص آخر غير تخصصهم وأقصد هنا بالضبط العلوم الدينية " الإسلامية" وبالتحديد القرآنية منها، ثم يعيثون فيها خرابا بتفسيراتهم التي تبدى لهم من قراءاتهم السطحية المتفردة، أو من خلال ما تمليه عليهم أدمغتهم التي تشكلت في سياق تنشئة زمكانية معينة وتيار فكري محدد.


بل يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك عندما يسفهون واسعا من قامات العلم المختصين في تلك الدراسات والذين لهم باع طويل في تناول المواضيع المتعلقة بالتخصص والبحث والنشر فيها، جاعلين من بعض التفاصيل والقضايا غير الجوهرية والخلافية واجهة لكل تدخلاتهم ونقاشاتهم دون المسائل الأساسية، فيضيفون بذلك اختلافا إلى الاختلاف الموجود، رغم أن الاختلاف في حد ذاته ليس عيبا ولكن الابتذال فيه ونقله من الحيز الأكاديمي بكونه نقاش نخبوي تخصصي ليصبح سائرا على كل الألسن التي لما تلم بعد بمعلومات الدين بالضرورة مما يؤدي إلى التشرذم والتشتت عن الفهم الصحيح وفسح المجال للتمييع الذي يؤثر مباشرة على الممارسات والسلوكيات الفعلية بين الناس .


نؤكد بأن ليس المقصود هنا بعدم أحقية الناس من خارج التخصصات أو حتى غير الأكاديميين في الاطلاع وبحث المواضيع التي لا تكون ضمن دائرة تخصصهم العلمي أو مجال حياتهم، ولكن كما يقال: (إنما العلم بالتعلم) وفي التعلم ضرورة للأخذ بالتراكم الذي بين أيدينا لا من أجل الاطلاع عليه ثم نسفه جميعا كالذين قالوا بأن لا حاجة لهم للمذاهب والموروث إطلاقا، ولا من أجل الأخذ بحذافيره دون سعي للاكتشاف والتدبر والتجديد كالذين قالوا بإغلاق باب الاجتهاد بتاتا، ولكن وجب على متحري الدقة والصدق الانطلاق منه انطلاقة إطلاع ومراجعة تكون مؤسسة تأسيسا سليما، إذ متى سلمت البدايات كانت النهايات أسلم.


لذلك فلا مناص من التقيد بالمنهج الصحيح في تناول هذه البحوث، فليس من المعقول أن يكون لكل العلوم مناهج وطرق بحث ونظريات تعتبر مداخل بل وركائز تقوم عليها تلك الأدبيات، ثم لما يأتي الدور إلى العلوم القرآنية نجد بأن كل مار أو محتاج للتحجج بها كيفها وفقه ليدلي بدوله دون تقيد بمنهج واضح ذا ركن شديد في البحث ودون تهيّب للوقوع في الخطايا التي قد يستميت في دحضها إن حصل وقوعها في اختصاص آخر غيرها.

 

هناك من يريد أن يخبرنا بأنه لا وجود لمنهج مضبوط يرتبط بالدراسات الدينية والقرآنية وأن الاجتهاد والاستنباط متاح للجميع دون اعتبار أو قيد

رويترز
 

فكيف يعقل لمن لا يسخر وقته وجهده لتعلم مداخل كحفظ القرآن وعلم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم إعجاز القرآن، وعلم إعراب القرآن والقراءات، وعلم عد الآيات وفواصلها، وعلوم الدين الإسلامي من فقه وأصول وحديث، وتاريخ الديانات ومقارنتها، وعلوم اللغة العربية من نحو وبلاغة، بل وحتى الاطلاع على أدبيات أخرى كالاجتماع والنفس والسياسة وعلوم الطبيعة والأحياء.. أن يتطفل بشرح آيات القرآن وتأويله ثم يدعي بأن ما استخلصه من نتائج كاف لإعادة صوغ الدين والدنيا وفق نهجه الجديد؟

كيف أمكن لمدعوا القرآنية أن يقولوا بهذا الادعاء وأن يصرحوا على حد قولهم: بأنهم اكتفوا بتفسير القرآن من القرآن فقط ودون امتلاكهم لمنهج يعملونه؟ إن الواقع يكذب ما يقولون فليس بإمكان أحد أن ينطلق من الصفر في جهد علمي إلا إذا استند على خرافات عقلية وأساطير وهمية لا يمكن التثبت من صحتها بتاتا.


أقول هذا ونحن نشهد في عصر الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي كمّا لا يحصى من الذين يحسبون على الثقافة والفكر بما يحملون من درجات علمية وأكاديمية، أغرقوا وأسرفوا في المواضيع الدينية عموما والتفسيرات القرآنية خصوصا، بادعاء مصداقيتهم وأحقيتهم في تناول وطرح الرؤى المختلفة استنادا فقط لكونهم أصحاب درجات أكاديمية في تخصص ما، حتى لو لم يكونوا على اطلاع البتة بمناهج تفسير القرآن وعلوم الدين.


إلا إذا كان يريد أن يخبرنا أولئك المتطفلون بأنه لا وجود لمنهج مضبوط يرتبط بهذه الدراسات وأن الاجتهاد والاستنباط متاح للجميع دون اعتبار أو قيد، إذن ففي هذا فتح المجال لعبث العابثين وأيضا لإنكار المناهج التي تتعلق بدراسات ومباحث أخرى على غرار تخصصاتهم التي يدافعون عن جوهرية المنهج فيها، لتحل الراديكالية والديماغوجيا محل العلم والمعرفة العقلانية الصحيحة. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة