محمد زركان
محمد زركان
370

مسيرات العودة.. بين كورش وترامب

9/6/2018

يكفي القارئ العربي والمتتبع لأحداث القضية الفلسطينية، الاطلاع على العبارة التي دونها رئيس الكيان الصهيوني السابق إرييل شارون في مذكراته، ليُفهم رمزية صورة العملة النقدية التذكارية التي أصدرها مركز مكداش مؤخراً؛ والتي تجمع بين الإمبراطور كورش والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والعبارة تقول: "لم أنظر في يوم من الأيام إلى إيران على أنها عدو". فعلا، الجملة وحدها كافية لفهم حقيقة العلاقة بين إيران والكيان الصهيوني، والعملة التذكارية وحدها أيضاً كافية لتأكيد صحة تدوينة شارون.


صدرت العملة التذكارية، كما هو معلوم، بمناسبة افتتاح سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في القدس، وقد وضعت صورة ترمب تكريماً له، ولوفائه بالوعد الذي قطعه في حملته الانتخابية. ووضعت صورة كورش خلفه تكريماً له أيضاً، واعترافاً له بصنيعه التاريخي مع اليهود. العملة التذكارية تُظهر جلياً وبوضوح صدق العلاقة بين الجانبين؛ الكيان الصهيوني وإيران من جهة، ومن جهة أخرى تبرز حقيقة الاتهامات المزيفة المتبادلة بينها.

 

فالمتتبع للخرجات الإعلامية للرؤساء الإيرانيين، منذ ثورة الخميني، يصيبه الذهول من عدد التصريحات الإيرانية بمسح إسرائيل من الخريطة، وفي المقابل تعددت بدورها التهديدات الصهيونية تجاه إيران وبرنامجها النووي. والواقع يؤكد عدم وجود أي صراع أو خلاف بينهما، فقط التهديد والوعيد من الطرفين، بل يؤكد العكس؛ بأن هناك حلفاً قوياً وخفياً يجمع بين رؤيتهما المستقبلية لمنطقة الجزيرة العربية. فهناك مخطط صهيوني إيراني، يهدف إلى تمكين إيران من الوصول إلى مكة المكرمة والسيطرة عليها، وتمكين الكيان الإسرائيلي من أخذ المدينة المنورة وضمها إلى حدودها الجغرافية المُتخيلة، وقد صرح بذلك الكاتب الإسرائيلي "آفي لبكن" في كتابة الطريق إلى مكة. والأمر نفسه أكده المحلل السياسي الكويتي "عبد الله النفيسي"، بحيث صرح بأن الأحداث الأخيرة تهدف إلى عزل المملكة العربية السعودية عن محيطها العربي، لتنفيذ ما اتُفق عليه.

كان أبرز حدث وقع لليهود مع كورش هو عودتهم إلى مملكة يهوذا، لكن مع ترمب كانت عودة أخرى؛ عودة بمفهوم مخالف، عودة فلسطينية هذه المرة، عودة بدعم رباني ليست بدعم جهة معينة

استغلت إيران منذ ثورة الخميني القضية الفلسطينية، من أجل كسب تعاطف جماهير الأقطار الإسلامية، وقد أسست لذلك فيلقاً عسكرياً سمته ب "فيلق القدس"، الفيلق الذي حارب في كل الجبهات، باستثناء القدس الشريف، كما جاء في كلمة للدكتور فيصل القاسم في أحد برامجه. لا يتطلب الأمر الكثير من البحث وحشد المزيد من الأدلة لكشف الهدف الحقيقي لنظرة إيران السياسية للمنطقة؛ بنشر التشيع والسيطرة على مكة المكرمة؛ قبلة المسلمين الأولى. كما لا يحتاج الأمر استحضار قرائن أخرى من أجل فهم نوايا الكيان الصهيوني في المنطقة، فهي واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وأيضاً معلنة؛ من النيل إلى الفرات مع ضم المدينة المنورة (خيبر) جنوباً والجنوب السوري شمالاً.


يدفعنا ما ذكرناه للتساؤل عن سر العلاقة التاريخية بين إيران والكيان الغاصب، خصوصاً في فترة الحاكم كورش؛ المحتفى به. فعلاقة إسرائيل بالولايات المتحدة الأمريكية واضحة، ولا تحتاج لشرح، فالولايات المتحدة الأمريكية تهتم بجميع شؤون إسرائيل على أساس أنها ولاية أمريكية. فما هي قصة الإمبراطور كورش مع اليهود؟ وماذا فعله حتى يستحق هذا التقدير؟ وهل هناك علاقة بين السياق التاريخي الذي جاء فيه كورش وما تشهده الساحة الفلسطينية اليوم من تنظيم مسرة العودة؟ 

نظرة حول العلاقات التاريخية بين كورش واليهود

بعد وفاة نبي الله سليمان سنة 975 ق.م انقسمت مملكته إلى شطرين؛ شمالية وكانت عاصمتها السامرة وزعيمها "يربعام بن نباط" وتظم عشر أسباط، ومملكة جنوبية عاصمتها أورشليم وزعيمها "رحبعام بن سليمان" وتظم سبطين. سقطت مملكة السامرة (الشمالية) في السبي الأشوري على يد الملك شلمنصر الخامس سنة 722 ق.م، وسقطت بعدها مملكة يهوذا (الجنوبية) في السبي (1) البابلي على يد الملك نبوخذ نصر (بختنصر) البابلي سنة 587 ق.م.

 

بقي السبي الأول مدة 135 سنة، استمر السبي الثاني مدة 70 سنة، بمعنى أن بنى إسرائيل بقوا في الأسر زهاء 205 سنة تحت حكم الإمبراطورية الأشورية والإمبراطورية البابلية في بلاد ما بين النهرين؛ أي العراق حالياً، إلى أن سقطت بابل تحت الحكم الفارسي سنة 538 ق.م على يد الملك كورش (سيروس عند اليهود).


كان أول عمل قام به كورش هو إصدار مرسوم ملكي، ضمن به ليهود السبي العودة إلى عاصمتهم أورشليم بمملكة يهودا. وبرعاية وعناية مباشرة منه، فقد ساعدهم في إعادة بناء الهيكل من جديد. واعترافاً بجميل فعل كورش، نقش اليهود خريطة مملكة الفرس على مدخل الهيكل، بل والأكثر من ذلك، فقد خصصوا لكورش، ولمن أتى من بعده حاكماً على رأس الإمبراطورية الفارسية، قرباناً يقدم يومياً في الهيكل على شرفه (2). وقد خلد العهد القديم اسمه وذكر في أكثر من موضع مرفقاً بعبارات التبجيل والتقدير لموقفه معهم وحسن صنيعه بهم. 


تحول كورش في الوجدان اليهودي إلى مخلص (3) وتحولت العودة إلى مملكة يهودا إلى خروج ثان (4) في المخيال الديني اليهودي، وقد احتوت أسفار التوراة على تفاصيل مبالغ فيها في تصويرها للحدث. لم يكن الانتقال من بابل إلى يهودا مجمعاً عليه من طرف كل اليهود، فقلة هي من هاجرت إلى يهودا، وأغلبهم من الكهنة، لارتباطهم بالهيكل وللمكاسب المادية التي كانوا سيحصلون عليها بعد إشرافهم على الهيكل وإقامة الصلوات وتقديم القرابين.

 

أما أثرياء اليهود فقد فضلوا البقاء في بابل ولم يتحمسوا لترك تجارتهم وأسواقهم. لم يتحمس أيضاً البسطاء لمغادرة مساكنهم، لأن يهودا كانت مقاطعة خاضعة للإمبراطورية الفارسية، لذلك لم تكن لديهم شجاعة الانتقال من وضع معلوم إلى آخر مجهول، فمغادرة بابل إلى يهودا هو بالدرجة الأولى سفر داخل الحدود الفارسية، وتحت الحكم الفارسي؛ فلن يتغير شيء، لذلك فضلت الأغلبية عدم الاكتراث للأصوات الداعية إلى الهجرة، واختارت الذوبان في المجتمعات التي استقرت بها ولم تغامر بالخروج منها.

سبعون عاماً من النكبة لم تفلح القنوات السياسية الرسمية من إيجاد حل سلمي لتحرير الأرض من يد هذه الجماعة الوظيفية الصهيونية، التي تحركها ميثولوجيا توراتية

رويترز
 
العودة والعودة المضادة

كان أبرز حدث وقع لليهود مع كورش هو عودتهم إلى مملكة يهوذا، لكن مع ترمب كانت عودة أخرى؛ عودة بمفهوم مخالف، عودة فلسطينية هذه المرة، عودة بدعم رباني ليست بدعم جهة معينة، ولا برعاية منظمة بعينها، هي عودة أصحاب الحق، وأصحاب القضية لأرضهم وديارهم التي هُجروا منها. عودة أربكت الاحتلال الإسرائيلي، ووحدت جميع الفصائل الفلسطينية.

 

كانت عودة اليهود إلى مقاطعة يهودا عودة فئوية خاصة بنخبة معينة، طبقة كهنوتية، يتزعمها الأحبار، طمعاً في تحقيق مصالح دنيوية ومكاسب مادية مؤقتة، لذلك انقسم اليهود ولم يستجيبوا لدعوات النخبة المدعومة من الإمبراطورية الفارسية. أما عودة الفلسطينيين اللاجئين إلى ديارهم، فقد كانت عودة شعبية، وحدت كل أطياف الشعب الفلسطيني؛ سواء في الداخل أو في الخارج. وحدت العودة جميع القوى والمؤسسات الفلسطينية، وحرص الجميع على شرف المشاركة وكتابة تاريخها الجديد بدمائهم. عاكست مسيرة العودة وأفشلت كل المخططات التي حاولت إسكات الشعب الفلسطيني، وطمس هويته، وهضم حقه في العودة. 


"تنتزع الحقوق ولا تعطى" هي الحكمة التي أراد الفلسطينيون إيصالها إلى كل المتتبعين للصراع الدائر في فلسطين. سبعون عاماً من النكبة لم تفلح القنوات السياسية الرسمية من إيجاد حل سلمي لتحرير الأرض من يد هذه الجماعة الوظيفية الصهيونية، التي تحركها ميثولوجيا توراتية. وقد أظهرت التنقيبات الأثرية، وشهادات بعض الأكاديميين الإسرائيليين مثل: شلومو ساند وإسرائيل فلكنشتاين وزئيف هرتسوغ ونيل سيلبرمان وغيرهم، زيف الادعاءات الصهيونية بحقهم التاريخي في فلسطين. فما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وما ضاع حق وراءه طالب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) رفض المسيري رحمه الله كلمة سبي، لأنها حسب وجهة نظره تفيد أن المهجرين كانوا يرفضونن الاستقرار في بابل، وأنهم مكثوا فيها لأنهم كانوا مكرهين، والتاريخ يكذب ذلك، فعندما صدر مرسوم كورش رفض كثير منهم العودة. وقد أصبحت كلمة سبي لصيقة بفترة تاريخية معينة من تاريخ العبرانيين، وقد انتقلت إلى الكتابات التاريخية. لذلك يفضل المسيري كلمة تهجير عوضاً عن كلمة سبي. يُنظر المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، ص ص 414-415.
(2) المسيري، ص 410.
(3) المسيري، ص 415.
(4)المسيري، ص 416.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة