أسطورة الحسد في المجتمعات العربية!

11/7/2018

كعابرٍ عربيٍّ أو سائحٍ أجنبيّ في سوقٍ شعبيٍّ عربيّ، لا بدَّ من ملاحظة وجودِ العديدِ من الكُتُبِ الصَّارخةِ بالطبِّ الروحيّ الذي يُعنى بعلاجِ السّحرِ والعينِ.. كلّما مررتَ بجانبِ بسطةِ كتبٍ أو دخلتَ مكتبةً، ولا عجبَ أنْ تلمحَ كتابًا بعنوان (عالج نفسكَ من السّحرِ والعينِ في بيتك).


وكوننا نعيشُ في مجتمعاتٍ غارقةٍ في هذه التّصوّرات، فإنّنا لا نكادُ نجدُ قريةً عربيّةً تخلو من معالجٍ روحيٍّ "شيخًا كانَ أو كاهنًا"، والّذي ما إن أتيتَهُ ليقرأَ عليكَ بعضَ الآياتِ والأدعيةِ أو التَّمائمِ معَ كثيرٍ من (التّـف) على جانبهِ الأيسر حتّى تستسلمَ لما يقرّرُهُ ويتنبَّؤُهُ، فتعود من عندهِ كالعائِدِ منَ الحربِ العالميّةِ الثَّانيةِ، من كثرةِ وشدّةِ الجلدِ والضَّرب على المعدةِ، والوضعيَّاتِ الّتي أرغمكَ على تمثيلِها بجسدك، والّتي لا يتقنُها لاعبُ جمبازيوم في عامهِ الثّالث، وإن كانَ رؤوفًا وكنتَ ذا حظٍّ فإنّكَ ستعودُ لمنزلكَ بزجاجةِ ماءٍ أو زيتٍ مباركةٍ بقراءتهِ عليها.

 

المشاعرِ السلبيّةِ هيئةَ السّحرِ والعينِ في نظرِهِ، فما تخبّطُ المرءِ حقيقةً وصراخُهُ ودخولُهُ في نوبةٍ من نوباتِ الصّرعِ

إنّ أحدَنا عاينَ أو يحفظُ على الأقلِّ قصتين من حالاتِ العينِ والحسدِ والتلبُس، وفي الحقيقةِ إنَّ أغلبَ هذهِ الحالاتِ ما هي إلّا انعكاسٌ لمخاوِفِنا من فقدانِ شيءٍ أو عدمِ تقبُّلٍ لفكرةِ الفشلِ أو تقاعسٍ عن إصلاحِ ذواتِنا، ونظراً لسهولةِ إيجادِ سببٍ نتذرّعُ به وننسبُ لهُ حالنا المستعصي، فإنّنا تلقائيًا نُلبسُ الأمرَ لبوسَ الحسدِ والعين ونظراً لقلَّةِ وعيِ الكثيرِ منَ المعالجينَ أو طمعهم فَمن النَّادرِ أن يقولَ لكَ أحدُهم أنّك سليم، بل يجعلَكَ ملبوساً بسبعةٍ من الجنّ متعددو الدّياناتِ من المسلمِ إلى المسيحيِّ، إلى الملحدِ أحياناً، والغريبُ في الأمر أنَّ مصادفةً ربانيّةً تجعلُهُم يحملونَ أسماءَ جيرانِكَ وأقاربِكَ، ليخرجَهُم منكَ جميعَهُم إلّا واحداً؛ حتّى إذا انتكستَ مرّةً أخرى وقرّرتَ مراجعةَ الشّيخِ متسائلًا عن السّبب في عدمِ جدوى العلاج، سيقولُ لك: استعصى علينا واحدٌ وهو السّبب، فيزيدُ الطّينَ بلّة ويحيلُكَ حسّاسًاً لأدنى مخاوِفِكَ مهووسًا في التّقصّي والحذرِ من كلّ شيءٍ تفعلُهُ، ويشغِلُكَ عن إصلاحِ ومواجهةِ المخاوف السَّبع الّتي في داخلِكَ لا الجنّ السبعة في رأيِهِ.

 
قد يطرحُ أحدُنا سؤالاً، إذًا لماذا نرى الأشخاصَ الّذينَ يأتونَ للشُّيوخِ بمجرّدِ أن يُقرَأَ عليهم تصيبُهُم حالةٌ منَ الصّرَعِ والصُّراخِ والتّثاؤب، أليسَ هذا دليلاً على أنَّه قد سُحِرَ أو حُسِد! نقول: عندما تكتشفُ شركاتُ إنتاجِ الأدويةِ عقارًا جديدًا وتريدُ اختبارَ فعاليّتهِ في علاجِ مرضٍ معيَّنٍ فإنّها تقومُ باختيارِ مجموعتينِ منَ المرضى تُعطى المجموعةُ الأولى الدّواءَ الجديد وتعطى المجموعةُ الثانيةُ دواءً مزيّفًا يسمى "بلاسيبو Placebo" هو عبارةٌ عن ماءٍ و سكَّرٍ أو نشاء "دون إضافةِ أيّ مادةٍ كيميائيةٍ فعالةٍ"، ويتمُّ بعدها مقارنَةُ نتائجِ المجموعتينِ، والغريبُ في الأمرِ أنَّ المجموعةَ الّتي لم تتناول دواءً فعّالًا لوحظَ أنَّ لديها استجابةً فعّالةً في علاجِ المرض، كما في المجموعةِ الأولى، ولكن بنسبٍ متفاوتةٍ وهذا ما يُعرَفُ علميًّا بالعلاجِ بالإيحاء.

 

كما أنَّ هناكَ العلاجُ بالإيحاءِ فإنّ هناكَ المرضُ بالإيحاءِ، ويُذكَرُ أنَّ الايحاءَ الذّاتيَّ قَد يُفاقمُ مِن حِدَّةِ أعراضِ المرضِ، ويُؤثّرُ الايحاءُ بحيثِ تُصبحُ كلمةٌ معينةٌ بمكانةِ "الشرارةِ" التي تُنهكُ الفردَ وتجعلَه صريعاً للوهمِ أو الوسوسةُ الموصلةِ للمرضِ النفسيِّ.

 
فـمنْ شمَّ شيئًا منفّرًا أو لمسَهُ أحدٌ أو دفعهُ للمسِ شيءٍ ما، أو رأى أمرًا مريبًا مثلَ مياه مرشوشةٍ حولَ بيتِهِ، أو حجابٍ دُسَّ تحتَ بطّانيّتهِ أو وسادته، أو سمعَ تعويذةً تُقرَأُ على مسامِعِهِ، أو شرِبَ مياهً وأدركَ من طعمها أنَّ شيئًا قد أذيبَ لهُ فيها، فإنّه يُدركُ ببديهتِهِ وانكشافِ بصيرتِهِ أنَّ أحدهم قد عقدَ لهُ عملًا "يا ويلي عليه".

   

الحقيقةُ أنَّ هناكَ أكثر من 100 نوعٍ منَ الأمراضِ النّفسيّةِ، ولأنَّ هذهِ الأمراض غير معروفةٍ للرّقاةِ التّقليديّين فإنّهم في الغالبِ يُرجِعونَ هذهِ الأمراض لغيبيّاَتٍ مستوحاةٍ من مواقفَ أو مرئيّاَتٍ دينيَّةٍ

مواقع التواصل

   

ويحاولُ العقلُ الباطنُ إحداثَ توازنٍ في الجسمِ بترجمةِ هذهِ المشاعرِ السّلبيّةِ لأعراضٍ بدنيِّةٍ ومعَ التَّركيزِ على هذهِ المشاعرِ السّلبيّةِ تتخذ شكلاً تتجسَّدُ بهِ، وحضورُ الشَّيخ أو الرّاقي يُمثِّلُ دورَ المجهرِ الّذي يستخدمُ عدسةَ السّحرِ والعينِ، فـتتخذُ هذهِ المشاعرِ السلبيّةِ هيئةَ السّحرِ والعينِ في نظرِهِ، فما تخبّطُ المرءِ حقيقةً وصراخُهُ ودخولُهُ في نوبةٍ من نوباتِ الصّرعِ إلّا وقوفُه وجهاً لوجهٍ أمامَ مَخاوفِه ومشاعرهِ السّلبيّةِ. 

  
إنّنا حينَ نعرِّضُ أبناءنا إلى مشاهدَ أو مواعظَ تتحدّثُ عن المسِّ بالجان أو السّحرِ أو العينِ أو الحسدِ، أو نصطحبَهُم معنا إلى معالجينَ و رقاةٍ ينقصُهُم الكفاءةُ والمهنيّة والنفسيَّةُ وإدراكُ كيفيّةِ التَّواصلِ الأمثلِ للمرضى الّذينَ تستحوذُ أفكارهم وساوسَ وأوهام، فبدَلَ أن يُعَزّزَ لديهم ثقتهم بأنفُسِهم بهدفِ طردِ تلكَ الوساوسِ والأوهامِ، تجدُهم يؤكِّدونَ لمرضاهم أنّ عللَهم الّتي يشكونَ منها لا تخرجُ عن مكوّناتِ المجتمعِ الثّقافيّةِ السّائدةِ، مثلَ "العينِ" أو "السّحرِ" أو "الحسدِ" او "المسِّ". وهنا يكونُ دورهم دورًا سلبيًّا سيفاقمُ من حالةِ مرضاهم كونُهم يعزِّزونَ لديهم بعضَ الإيحاءاتِ النّفسيّةِ الّتي أوصلتهم إلى هذهِ الحالةِ المرضيّةِ.

  

والحقيقةُ أنَّ هناكَ أكثر من 100 نوعٍ منَ الأمراضِ النّفسيّةِ، ولأنَّ هذهِ الأمراض غير معروفةٍ للرّقاةِ التّقليديّين فإنّهم في الغالبِ يُرجِعونَ هذهِ الأمراض لغيبيّاَتٍ مستوحاةٍ من مواقفَ أو مرئيّاَتٍ دينيَّةٍ قد تكونُ صحيحةً في زمنٍ معيَّنٍ أو أنّها حدثت بالفعلِ لكن في سياقِ أحداثٍ تاريخيةٍ معيَّنةٍ ولا يصلحُ تعميمُها، ومن هنا تصبحُ المعالجةُ والتَّشخيصُ بهذهِ الصيغِ التقليديَّة إشكالًا صحيًّاً ونفسيًّاً، غيرَ مقبول، وإنَّ أضرارَ هذهِ الممارساتِ التّطبيبيّةِ التّقليديّةِ ستتعدّى التَّأثيراتِ السلبيّةِ للبعضِ إلى إلحاقِ ضررٍ جسيمٍ بالدّين نفسه نتيجةَ تطوّرِ وسائلِ المعرفةِ وأثر ذلكَ على التّصوُّرِ المجتمعيِّ المؤسّسِ على مثل هذا التّعاطي غير العلميِّ، أضف إلى ذلكَ أنَّ المراحلَ المتأخرةِ للمرضِ أو حينما يستفحلُ فإنَّ المريضَ قد لا يسعفُهُ التَّدخلُ العلاجيِّ لاحقًا.

  
في الحقيقة.. نحنُ بحاجةٍ إلى تطويرِ مفاهيمنا حولَ الكثيرِ منَ الإشكالاتِ التربويّةِ والنّفسيّةِ ذاتِ الأصولِ التّراثيّةِ أو الدّينيّةِ. إنّنا لا ننكرُ وجودَ العينِ أو الحسدِ، لكنّنا ننكرُ استفحالَها في المجتمعاتِ وسيطرتَها الكبيرةِ على العقولِ وأنّها السببُ الرئيس والأوضحُ في مشاكِلِنا، وننكرُ تصدُّر من يَنقُصهم الكفاءةَ لعلاجِها، وأدعو صادقًا مفكّري الإسلامِ اليومَ إلى مراجعاتٍ سريعةٍ وعاجلةٍ حولَ الكثيرِ من تلكَ المفاهيم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة