رامي زوده
رامي زوده
138

ما هي التحديات التي سيواجهها المجتمع الرقمي بالمستقبل؟

11/7/2018

في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتقابل فيه التحديات، يظهر مصطلح "الاقتصاد الرقمي" كفرصة ومعضلة لدول ودول أخرى. فمنذ أن برزت العولمة كثقافة تجديدية نهاية القرن الماضي، وقد أضحت "لغة الأرقام" هي السائدة عبر الابتكارات التكنولوجية، وعلى رأسها الإنترنت والأجهزة المرتبطة بها. ففي مستجد الإحصاءات الدولية الأخيرة، نجد أن نصف سكان العالم مشبوكين بالأجهزة الرقمية والإنترنت -أي ما يقارب 3.5 بليون نسمة- ما فتح فرصاً خصبة للمستثمرين والمبتكرين في تسخير المعلوماتية للأعمال التجارية والاقتصادية، وذلك أن جلّ مستخدمي الشبكات الرقمية هم من المستهلكين اليافعين والناضجين ذكوراً واناثاً.

 

وفي هذا المضمار، فقد وصل حجم التجارة الإلكترونية عام 2015 إلى 25.3 ترليون دولار حسب الاونيكتاد (مؤتمر الامم المتحدة للتنمية) -وهو تقرير اقتصاد المعلومات السنوي الصادر عن الأمم المتحدة سنة 2017- بحيث احتلت الصين المرتبة الأولى عالميا بحجم 562 بليون دولار والولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الثانية بحجم 349 بليون دولار من حجم النشاطات التجارية الإلكترونية.

 

إن الأرقام الصادرة عن المصدر نفسه، تحدد 100 مليون فرد عامل في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فقد نمت صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنسبة 40 بالمئة بين عامي 2010 و2015، ومن جهة أخرى فقد ارتفعت التجارة الإلكترونية بين المؤسسات التجارية والمستهلكين عبر الحدود لتصل إلى 189 بليون دولار نهاية عام 2015.


إن التطوّر المتلاحق الذي أحدثته عمليات الاقتصاد الرقمي، دفع بعض الهيئات والمنظمات إلى تقسيم دول العالم على ضوء نشاطاتها الاقتصادية الرقمية، فقد حدد مركز فلتشر للتطور الرقمي 4 درجات من الدول، فالدرجة الأولى هي الدول المتقدمة رقمياً والتي تملك أرضية ميسّرة للاستثمار الرقمي في مجال الاقتصاد ونذكر منها الصين والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والسويد، في الدرجة الثانية تقع الدول التي وصلت إلى مرحلة متقدمة في الاستخدام الرقمي ولكنها غير ثابتة في مستوى تطورها، ونذكر منها فرنسا وبريطانيا وبلجيكا.

 

يبدو أن التقديرات تشير أن الدول النامية هي أقل الدول نيّة واستعداداً للدخول في النشاطات الرقمية والإلكترونية بشكل عام، وذلك نتيجة البيروقراطية المفرطة أو الأنظمة الداخلية المتشددة

أما المجموعة الثالثة، فهي الدول الواعدة والتي تملك الظروف الداخلية للتطور الرقمي أبرزها البرازيل والهند وجنوب أفريقيا. أما المستوى الرابع والأخير فهي الدول التي تملك الفرصة مثلها مثل باقي الدول ولكن تعوقها العوامل الداخلية الخاصة بها ما يؤثر على قدرتها الالتحاق بمصاف الدول المتقدمة وهي بشكل عام الدول النامية تقليديا إضافة إلى أجزاء من أوروبا الشرقية كالمجر وبولندا.

 

في هذا السياق، فقد بدت المنظمات العالمية مكترثة بتذويب العقبات التي تحول دون تطور الدول النامية في ركب التقدم الرقمي وذلك بنيّة تنسيق مسارات تؤدي إلى تجانس وتبادل الخبرات المعلوماتية في شتى المجالات، فقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيرس في تقرير الأمم المتحدة السنوي بعنوان "اقتصاد المعلومات العام، الرقمنة والتجارة والتنمية 2017" عن وجوب "وضع سياسات على الصعيدين الوطني والدولي للتخفيف من خطر أن توسع الرقمنة الفجوات القائمة وتنشئ فجوات جديدة".

 

فيبدو أن التقديرات تشير أن الدول النامية هي أقل الدول نيّة واستعداداً للدخول في النشاطات الرقمية والإلكترونية بشكل عام، وذلك نتيجة البيروقراطية المفرطة أو الأنظمة الداخلية المتشددة، وبجانب آخر فهي لا تملك الميكانيزم الخبراتي والإنتاجي الكافي والمهيّء لتشييد قواعد رقمية معلوماتية وخاصة في المجالات الاقتصادية وذلك يعود إلى عوامل الفقر الاقتصادي وسوء التعليم وانعدام الاستقرار العام.

هنا يجب الإضاءة على أبرز العوامل المهيئة والمنتجة للاقتصاد الرقمي بمعاييره الكاملة، وهي تنطلق بشكل خاص من السياسات العامة التي تبلورها الدول والحكومات في سبيل الوصول إلى الاقتصاد الرقمي المنشود. وتعتبر "التوصيلية" العامل الأهم في هذا الحقل، أي قدرة الدولة على إيصال شبكات الانترنت إلى كل أراضيها وذلك لتمكين جميع المواطنين من الوصول إليها، يضاف إلى هذا العامل وهو لا يقل أهمية عنه، ألا وهو تخفيض الدولة للرسوم والضرائب على الخدمات الرقمية الداخلية وتيسير وصولها، وهي بشكل عام مكلفة بشكل أعلى في الدول النامية منها في الدول المتقدمة.


أما العامل الآخر المهم، فهو تهيئة منصّة علمية أكاديمية تبدأ من السنين الأولى في المدارس والصروح الأكاديمية وذلك عبر مجاراة المقررات الأكاديمية مع ما يماشي العصر، فمع ذلك ظهر حديثا مصطلح "الأمية الرقمية" وهو يشير إلى الـ 50 بالمئة من العالم الذي لم يحظى بعد بالخدمات الإلكترونية والشبكات الرقمية الطبيعية. إن أسواق العمل بدأت تتفاعل مع عالم الحاضر والذي بدا أكثر فأكثر يتطلب مهارات جديدة وخبرات حديثة، كلها تتمحور في عالم البرمجيات والشبكات الرقمية، وذلك يعني تحويل التجارة والمهارات والوظائف، وذلك يعني أيضاً إعادة تأهيل اليد العاملة القديمة وتحضير تلك الحديثة، وذلك عبر "تكييف مهارات التدريس" وجعلها أكثر جاذبية للطلبة الأكاديميين.

أحدثت الشبكات الإلكترونية ثورة عميقة بحيث أضحت كل شركة قادرة على عرض منتجاتها إلكترونيا، وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك وانستغرام ومواقع خاصة كأمازون وايباي وغيره

مواقع التواصل
 

إن التحول التدريجي إلى الاقتصاد الرقمي قد أحدث نتائج حاسمة في عدة مجالات، فبدايةً دخلت الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم إلى عالم المنافسة مع الشركات الكبيرة، إذ لم تعد المعايير التقليدية كـ (عدد الموظفين وحجم الإنتاج) هي السمات الوحيدة لأحجام الشركات، بل دخل ما يعرف بـ "اقتصاد المعرفة" إلى سلّم المعايير، بحيث أضحت المعرفة-أي المعرفة بالاستخدام الرقمي- هي من أهم عناصر الإنتاجية والخبراتية وذلك مع ورود مصطلح (المكننة)، أي استخدام الماكينات الرقمية لإدارة العمل وتنظيمه.

 

وقد أصبح هذا العامل دينامية رئيسية في انطلاق الشركات الناشئة وخاصة الصغيرة منها وذلك لعدم اشتراطها على رأسمال ضخم من جهة ولسرعة وسهولة نقل الخبرات والمعلومات من جهة أخرى. في السياق ذاته، فإن الوظائف والمهارات بدأت تتحول بشكل جذري، بحيث أصبحت العناصر المعلوماتية حيوية في مجالات العمل، فالبرمجة وهندسة المعلومات وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي هي أكثر الوظائف ارتباطاً بالأرضية الرقمية والمعلوماتية للشركات والمؤسسات، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي –والتي بدأت منذ سنة 2014- باعتمادها كمنصات تسويقية إلكترونية هادفة.

 

وأخيراً فيما يتعلق بالتجارة والتسويق، فقد أحدثت الشبكات الإلكترونية ثورة عميقة في هذا المسار، بحيث أضحت كل شركة قادرة على عرض منتجاتها إلكترونيا، وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك وانستغرام ومواقع خاصة كأمازون وايباي وغيرها وهي مواقع خاصة بالتجارة الإلكترونية بالتجزئة، ما سهّل علاقة التواصل مع المستهلكين كما مع الشركات والمصانع الأخرى، فقد بلغت حجم مبيعات الشركات بين بعضها 90 بالمئة من نسبة التجارة الإلكترونية مقابل 10 بالمئة تجارة بين شركات ومستهلكين.


في الختام، يجب التوقف بشكل جدي على العوامل المشيّدة للعالم الرقمي، فيبدو أن العالم كله تحوّل إلى لغة الأرقام والشيفرات، ويبقى السؤال الأبرز -في خضم جهود الدول المتقدمة لإلغاء الهوّة الرقمية بينها وبين الدول النامية- هل بالإمكان مد بنية تحتية موحّدة لقيام مثل هذا النوع من الاقتصاد المتقدم؟ وهل الموارد البشرية الحالية كافية لتقويم النشاطات الرقمية والمعلوماتية المطلوبة لحمل الاقتصاد الرقمي الشامل؟ وهل الدول وعلى رأسها الدول نامية قادرة على تحمّل تكاليف تبعات أعباء ومسؤوليات الاستخدام الرقمي ابتداءً من المعاملات الحكومية؟ وأخيراً هل يثق العالم بالعالم الرقمي الافتراضي ويدخله في كل جوانبه الروتينية؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة