الأقدام الدافئة.. هل الهجرة ضرورة أزلية وحق كوني؟

12/7/2018

إنّ العالم الذي تمر به بعض الوجوه التي تغيرت معالمها وتكسرت. وتحولت من نمط معاش إلى واقع حتمي يقلب معادلات كثيرة. ترك الإنسانية تقف بمركز المسائل عن أحوال القضايا المعاصرة. بل تجتهد في إيجاد جواب لذلك السؤال الذي أرّقها زمنا طويلا. سؤال الكون حول قيمة الأشياء المحيطة بنا. وجواب المعنى عن سبب احتكاكنا بها. وحيث الضرورة البشرية تقتضي ولوج عوالم مختلفة من أجل فهم منشئها. كان لزاما على البعض منا. أن يعيد طرح ذلك السؤال الجوهري. والمتمثل في. هل الهجرة ضرورة أزلية وحق كوني..؟


لقد اقترب فصل الصّيف الذي ما عاد يحرق الأوراق المخضرة. وما عادت شمسه تحجب عن نفسها حقّ التموضع شرقا ولا غربا. كانت الحالة تلك تنشئ نوعا آخر من التدافع الذي يجعل من الذات البشرية مركز مسائلة. لقد سبقت رياح الربيع العربي تلك الإشراقة المتأخرة للأنوار الشبابية. فجعلت بعض الثورات تؤول إلى سابقاتها التاريخية التي عانت ويلات القبعات الحمراء. سبب ذلك أنّ تلك العقول لم تكن نضجت بعد تلك الهبة الشعبية التي أرسلت بوادر قدرة الأمم في تحقيق مصيرها وفهم مخرجات ثوراتها. فالسؤال الذي يمنح الحق في إدراك المعنى. من كان سببا في حمل تلك الأفكار. ومن له الحق في تسلّمها...؟ وجد طريقا بعد النكسة التي أصابت الربيع العربي. وهذا التكالب الأمني الصهيوني على الحق الفلسطيني.


لقد انقسم العالم إلى ما يشبه حالة مستعصية على الفهم. كان يسارا فآل إلى اليمين عند أول رائحة للمطالب الديمقراطية. وتلحّف بالحرية أقوام ليجعلوا من الديكتاتورية سببا في الحفاظ على ثورتهم. غير أنّ الحركة الكونية وحدها هي من بقيت تنشئ تلك الحالات المتغيرة وهي في سكون دائم. يحجب عنها الامتعاض من النتائج المترتبة عن ذلك الثبات. هناك نقلة نوعية في كيفية توافق العالم مع بعضه البعض منذ الأزل. تلك الحركة نسميها اليوم التدافع أو ما يعرف بالحركة الناجمة عن رغبة الشعوب نحو استحداث عوالم أخر. ومهما اختلفت وتعددت فإنّ القصد منها متابعة الطبيعة البشرية في فهم إنسانيتها.

 

العالم بمخرجاته المؤسساتية ضالع في بناء الهوة بين متطلبات الإنسان الذاتية. وتوسعه خارج الحيز الذي يشغله

ومن رأى إلى تلك الحالات التاريخية الهائلة. فهم المراد من نزوح الكثير من البشر نحو الشمال في فترة يصمت فيها العالم المتحضر عن المجازر التي تشاهد كل يوم. ذلك النزوح الذي اختصم فيها أهل السياسة والقانون من جعله حقا مكفولا لكل فرد داخل الدائرة الكونية التي تسميها الإنسانية. بالمصلحة العامة. هل أصبح بإمكاننا اليوم أن نعبر تلك الحدود التي بناها الكلونياليون الجدد...؟ أو هل ثمة وازع يبعث على البحث عن أماكن تجد البشرية لها مستقر واستقرار...؟ وبين هذين السؤالين تحاك مجموعة من القوانين الهيستيرية للمجموعة الشعبوية. تمنع الانتقال الذاتي من منشئ الشيء إلى عوارضه المختلفة. حتى المّادة نفسها تتغير عندما تسافر نحو عوالم متعددة. فكيف بالإنسان وهو جوهر الحياة والكون. ألا يبحت عن التغيير إن هو لم يجده في تلك البقعة الصفراء من الوطن. هناك أقدام تريد الرحيل عن الوطن الذي ولدت به. وهناك أقدام أخر تبحث لها عن الدفء الذي ما رأت منه سوى ذكريات الماضي التي يشوبها الخوف تارة وتتحالف مع النسيان تارة أخرى. وهنا محل السؤال الذي أفردناه سابقا. هل الهجرة حق كوني..؟


سيقول من تشبث بأصوله الفكرية أنها شرعة تحتاج إلى كثير من التحليل والتقنية. فالعالم بمخرجاته المؤسساتية ضالع في بناء الهوة بين متطلبات الإنسان الذاتية. وتوسعه خارج الحيز الذي يشغله. سواء اقترن بالأخلاق أم لا. وهنا وجب النظر في معايير التحكيم عند الفصل في القضايا الكبرى التي واجهت البشرية منذ الأزل. فحركة الشعوب نجمت ذات يوم عن رغبة فرد من المجموعة البشرية في البحث عن مجال اقتصادي يسد رمق التابع الذي لم يسأل يومها. لم يمكنني الأكل دون أن أحلم...؟ أو حركة كونية داخل المسببات البشرية التي تبعث نوعا من الهيمنة. مما يسمح بنشوء صراعات تجعل النفوس المنكسرة تبحث لها عن موطئ قدم دافئة. ولولا هذه الحركة ما كان التاريخ يعرف لنفسه خبرا. وما تنوعت الأصناف وتمايزت الشعوب فيما بينها.


هناك حاجة ماسة لمعرفة الآخر الذي يبدو أنّ الانتقال نحوه يكفل حق التعرف عليه / وتأرقه عندنا يتعلق الأمر بالحفاظ على مخلفات العالم المسيحي. كما أنّ الأصوات الناجمة عنه تساعد في الاقتراب منه. من أجل ذلك قام ابن بطوطة بالسير نحو العوالم المتضادة من أجل إيجاد حل لمفهوم الانتقال الكوني. كما أنّ ابن خلدون وصف حال الأمم في منشئها ربما رغبة منه في تبرير لجوء الفرد بالكيانات الوظيفية المؤقتة. وهذا ملاحظ في تخصيص مصطلح الفتوحات مع اعتراض البعض عليه ووصفه بالاحتلال. من هنا وجب البحث داخل الرمزية التي تسلب المعنى حق التمتع بمفردات كثيرة. يلاحظ هذا النوع من الجدل في النازحين نحو الاتحاد الأوربي. من الشمال الأفريقي ومن الشرق الأوسط. مع اختلاف المسببات لذلك النزوح الهائل لأفراد المجموعة البشرية ما بعد الكلونيالية.

 

دعاة الحرية يوم قامت حناجر الشباب تنادي بالحياة. قطعوا تلك الزهرة قبل أن يكتمل نموها وتشيع رائحتها. ذلك الاختناق سبب هجرة العديد من الكفاءات السياسية والفكرية نحو الغرب

الجزيرة
 

فالحروب أولى تلك الأسباب للهجرة. والظواهر الطبيعية المهلكة. كما أنّ الاختناق الإنساني باعث حتمي لتلك الحالة. هذه المسببات الثلاث تجعل من الهجرة نحو المجالات المرغوبة هدفا مرجوا وجب الوصول إليه بشتى الطرق. لذلك أصبح البحر الأبيض المتوسط ترفع منه قطرات أكفان الإنسانية التي تموت في صمت مخز للمؤسسة الدولية والحالة المدنية الممسوخة. غير بعيد عن العالم الدي يكابد في تخفيف حدة تلك الظاهرة. فقد تسببت الكوارت الطبيعة بنروح الآلاف من الناس عن قراهم. تحت نظر الهيئات العالمية. والمنظمات الحكومية. ودون أي سابق إنذار تقوم تلك الدول التي تترأس العالم المتحضر من سنّ قوانين تسلب حق اللجوء. وعن الاختناق الإنساني يحدث أنّ العالم العربي أصبح أيقونة لتصدير الديكتاتوريات بشتى أنواعها الايدلوجية.

 

حتى إنّ دعاة الحرية يوم قامت حناجر الشباب تنادي بالحياة. قطعوا تلك الزهرة قبل أن يكتمل نموها وتشيع رائحتها. ذلك الاختناق سبب هجرة العديد من الكفاءات السياسية والفكرية نحو الغرب الذي يبسط يده للانقلابات. مدّعيا حقّ الشعوب في تقرير المصير. فأين حق الفلسطنيين والبورميين وشعوب أفريقيا الوسطى من وسم الحياة والتحضّر. اليوم نشهد هذا النزوح الهائل للطاقات العربية تحت نظر السلطة المتمنّية عدم عودتهم/قانون الملكية العقارية داخل الدولة السورية 2018. العابرون للبحار وتجار الجنس وقراصنة الأكباد. يكاد بارونات السياسة يسطون بالأمل الذي نشأ عندما تنفّس العالم دعوة «الهجرة حق مكفول لكل فرد». فأين نحن اليوم من تلك الديباجة الإنسانية...؟

ما بين النزعة والتحرر مسلك بسيط/متقلب. تراه تلك القطرات التي تعرج نحو السرمدية. ظنّا منها أنّ لها القدرة على المكوث

سيعود ذات يوم من كان مهاجرا. سيحمل معه ذاتا تتصارع فيما بينها. ما هو محلي وما هو طفيلي.. وسيخلق المهاجر عالما يواكب صنعة الأشياء عندما تبحث لها أن مرادات آمنة. فالغمام لا يملك القدرة على إنزال الغيث مالم يجد ملاذا آمنا يستقبل تلك القطرات. كذلك الإنسان وبالأخص ذلك المهاجر. عليه أن يخلق لنفسه ملاذا آمنا يستقبل إنسيته ويتعايش مع واقع منفي عن إرثه المصاحب له. عليه أن يعي أنّ الحلم بالحياة هو من يحميه من تلك الرهانات التي تتبادر لكهنة السياسة وعباد المصلحة.

 

من أجل ذلك وجب أن يعود محمّلا بإرث علمي ومجهود فكري ونهضة تخدم الإنسانية أولا. لا أن يعود محمّلا بدولارات تقتات على بضاعة مزجاة. وأخرى ذات سوق بور. ولتعلم النّخبة العاملة في مجالات البحث الإنساني أنّ قدرة هذا الكائن على استحداث العالم. هي من تجعله يرحل من مكان إلى مكان. ويهاجر من حلم إلى حلم. على الجميع أن يكفل ذلك الحق أولا. قبل أن نجعله في دفاتر معدودة.


ما أحببت قوله هو أنّ الأرض التي لا تصنع من أشجارها أقلاما. ولا تنبت طينتها أفهاما. هي أرض محجوبة عن الحقيقة. مرهونة للخديعة. ولا ضير من أن تباع كلّ ربيع. وأنّ الحياة تتجاوز منطق الغلبة/التملك. بل إنّها تبقى في حالة نفور عندما يتعلق العالم بها. الكل يتسابق مع ظلال تشبهه وأخرى تخالفه. رغبة منه في التفرد بالدور.

 

بينما الأشياء فوقها ظل أبدي. هل يمكننا فتح معبر نحو عالمك...؟ ما بين النزعة والتحرر مسلك بسيط/متقلب. تراه تلك القطرات التي تعرج نحو السرمدية. ظنّا منها أنّ لها القدرة على المكوث. تلك الحالة التي نشأت عن دخولها عالما مغايرا. استلزم من القطرة البحث لها عن معنا آخر. فهي الآن تضرب الجبال بحارا. وتسقي اخضراره مدرارا. هناك هجرة غير نظامية نعم. وسببها تلك القوانين التي تنتهك حق الإنسانية كلّها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة