هاشم العالم
هاشم العالم
215

الإيمان كما ينبغي أن يكون..

12/7/2018

إن للحرف قوة فائقة تجعله قادراً على احتواء معانٍ عظيمة ضمن حروف قليلة، وفي ذات الوقت يُعطي للكلمة طابَعاً خاصاً يليق بكل مُستقبِل لما تعنيه هذه الكلمات، ويتركها فضفاضة تقبل تفسيرنا البشري كُلٌ على سجيته بما يتناسب مع المعنى العام، وينطبق ذلك على كثير من المفردات كالحب، العطاء، النفس، الروح، الوجود، الإنسان، وأهمها "الإيمان". لرُبّما يكون الإيمان في اللغة يعني الاعتقاد الجازم والتصديق والاقتناع النابع من القلب، والإيمان لا يقتصر على العقيدة المرتبطة بالدين فقط، بل يتعداها ليشمل الإيمان بالأشخاص، بالأفكار، بالذات والآخرين وغيره من صور الإيمان. فكل اعتقاد ينعكس على العمل يعتبر إيماناً.

 

وأما عن إيمان العقيدة، فهذا الشعور مُعقد للغاية، يتطلب إدراكاً تاماً للدين، وإلماماً بعلوم القرآن، والحديث، والشرع، والفقه وأصوله، وأسباب التحريم والتحليل وفقه الأحكام الشرعية. أليس كذلك؟ كيف نصل إلى جوهر الدين، وإلى معرفة وإدراك ماهية الذات الإلهية دون فهم عميق لكل هذه الأمور، ودون الغوص في كتب التوحيد، وفهم الاختلاف بين الألوهية والربوبية، وفهم الأسماء والصفات، وفهم التعطيل، والتفويض، والتمثيل والتكييف وغيرها من المسائل.

 

نقاط التحول أمر طبيعي في هذه الحياة، أن يكون هنالك نقطة تحول للحياة تجعل ما بعدها أفضل مما قبلها، لكن أن تأتي نقطة تحول تنسف ما قبلها كاملاً ويغدوا ما بعدها مُعلقاً بما هو أسمى، هذا هو الإيمان بعينه

لنقف قليلاً هنا ونتحدث بشكل جادّ، أيتطلب الإيمان حقاً كُل هذا؟ الجواب لن يكون من وحي فِكري ككاتب، وإنما سيكون بالاعتماد على مواقف حُفرت بماء الذهب في ذاكرة التاريخ، لأشخاص لا غُبار عليهم، ولنبدأ من الإيمان حين تجلى في أبهى حُلله. يقفون صفاً واحداً، ولسان حالهم يقول "إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ"، وفي غضون عملية أظنها لم تتجاوز الثلاثين ثانية كانت ألسنتهم تصيح في وجه أعظم طاغية شهده التاريخ صاحب المقولة الشهيرة "أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى"، وهو يهدد بالصلب والقتل وتقطيع الأيدي والأرجل من خِلاف فيجيبونه "فَاقْض مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضي هَذه الْحَيَاة الدُّنْيَا". ما سر هذا الإيمان المتين الذي وقر في قلب سحرة فرعون بعد نزالهم مع موسى عليه السلام، أكانت العلوم الشرعية، كتب التوحيد والعقيدة ومجالس العلم؟ لا أظن ذلك، ثمة هناك ما هو أسمى.

 

موقف آخر بين يدي ذات الطاغية، وهو إثبات أن الله حين يريد الانتقام من الظالمين يضربهم في وسط بيوتهم. ماشطة ابنة فرعون تذكر اسم الله أمامها، ويصل الخبر بطريقة ما لذلك الطاغية ذو الجبروت فيضع القدر بمائه المغلي ويبدأ في إلقاء أطفالها فيه تِباعاً والعظام تطفوا على السطح بعد ذوبان ما كان يكسوها من اللحم. ولم تُثنَ عن إيمانها بالرغم من هول الموقف. من أين لها هذا الثبات في موقف كهذا؟ ألم تكن قادرة على إخفاء إيمانها وادعاء الكفر لتنجوا بنفسها وأولادها من القِدر، ولكنها اتجهت إليه مقبلة غير مدبرة؟ والجواب كان يكمن في الإيمان.

 

نقاط التحول أمر طبيعي في هذه الحياة، أن يكون هنالك نقطة تحول للحياة تجعل ما بعدها أفضل مما قبلها، لكن أن تأتي نقطة تحول تنسف ما قبلها كاملاً ويغدوا ما بعدها مُعلقاً بما هو أسمى، هذا هو الإيمان بعينه وهذا هو الجواب لسؤال ماشطة بنت فرعون، من أين جاءت بهذه القوة. الإيمان عدوى، والعدوى بالعادة سبب للمرض، إلا هذه سبب العدوى فهي خير سبيل للشفاء. وأصابت العدوى امرأة فرعون لتترك مُلك الأرض بكل ما فيه، وترفع إلى السماء دعاءً يبني لها مُلكاً أعظم هناك "رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" لتموت هي الأخرى تحت وطأة تعذيب زوجها.

 

الإيمان هو حجر الأساس، فالعبادة دون إيمان تام مشقة منزوعة الأجر، ولو كان الولاء للقبيلة ما قاتل النبي قريشاً ولو كان للأرض ما غادر مكة وهي أحب البلاد الى قلبه، ولو كان للعائلة ما تبرأ من أبي لهب وهو عمه

وختام مواقفنا سيكون مع السفاح الذي لو كان في زماننا لأسكنناه الدرك الأسفل من النار، قتل 99 نفساً ولكنه كان مؤمناً بأن له توبة، وبحث عنها جلياً الى أن أمره عابدُ بشرط التوبة وهو تغيير المكان – وهذا دليل على تأثير البيئة على سلوك الإنسان - ومات في طريقه بين أرض الكفر والإيمان فأوحى الله لأرض الإيمان أن اقتربي، ولأرض الكفر أن ابتعدي فأصبح أقرب لأرض الإيمان فقبضته ملائكة الرحمة، فقط لإيمانه بأن الله سيتوب عليه وسعيه للتوبة.

 

هذا هو الإيمان الحق، بعيداً عن كل ما سبق ذكره، وعلى الرغم من أن الإيمان لا يبنى على جهل، والعلم الشرعي والدنيوي أساسي ولا غنى عنه. إلا أنه يبنى على إيمان قوي كالإيمان السابق ذكره، الإيمان الذي لا تعقيد فيه، الذي كان يدخل بفضله الأعراب الإسلام ضمن سويعات يقضونها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يعودون بعدها دعاة الى الإسلام في أقوامهم في كافة الأقطار والأمصار.

 

مرة أخرى، هذا هو الإيمان كما ينبغي له أن يكون، إيماناً بالفكرة وليس أداء الشعائر بالجسد فقط. الإيمان هو حجر الأساس، فالعبادة دون إيمان تام مشقة منزوعة الأجر، ولو كان الولاء للقبيلة ما قاتل النبي قريشاً ولو كان للأرض ما غادر مكة وهي أحب البلاد الى قلبه، ولو كان للعائلة ما تبرأ من أبي لهب وهو عمه، لكن الولاء للعقيدة والعقيدة فكر والفكر لا بد له من قائد يؤمن به، وينشره ليؤمن الآخرون به أيضاً.

 

وفي الختام، قربوا الناس إلى الله عز وجل، وارفعوهم إليه على أكف الرحمة، الله رحمن، رحيم، جميل، لطيف، ودود، أواب وتواب، أبعدوا عن لسانكم ما علق به من لفظ العذاب والعقاب، والتهديد والوعيد، وجربوا لمرة واحدة فقط أن تعكسوا صورة الإيمان كما ينبغي له أن يكون. شعوراً يشتعل في لحظات في صميم القلب، فينير ظلمته ويملؤه حُباً لذات الله ولرسوله ولدينه، والإيمان والحب وجهان لعملة واحدة فالحبيب مُطيع لحِبه حريص على رضاه. وهنيئاً لمن كان الله عز وجل أسمى أحباءه ومبتغى غاياته.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة