فتيحة عطية
فتيحة عطية
1.1 k

العبث بالعقل البشري.. سجن بلا جدران!

12/7/2018

عندما نسمع كلمة سجن أول ما يتبادر إلى الذهن وبدون وعي صورة تلك الغرفة الصغيرة المظلمة الباردة العفنة ومُحكمة الأقفال ويقف على بابها الحديدي سجّان ضخم يحمل في يده سياطا، غير أن هناك نوع أخر من السجن، سجن أكبر من تلك الغرفة البائسة لكنه أشد ألما، سجن أقيم في مخيلتنا سواء قهريا أو طواعية.

ما الفرق بين شخص محبوس بين جدران الأربعة ومن حُبس في أفكار سواء من صنعه أو من صنع غيره، فلكلاهما المصير ذاته؛ الموت البطيء لكن الاختلاف يكمن في أن الأول لا حول ولا قوة له فحريته بيد غيره أما الثاني يملك قدرة على كسر ذلك القيد وتلك الجدران الوهمية، القدرة النابعة من داخله بفتح النافذة في جدران الخوف الحديدية والأفكار الانهزامية المحيطة به صنعت وبعناية بماكينة إعلامية خبيثة هدفها بث سمومها القاتلة المخدرة للعقل البشري خاصة العربي بالتهويل وزرع روح اليأس في النفوس، إذا لا نسمع اليوم إلا الاخبار السيئة في الساحات العربية، حيث يسعى العدو اليوم إلى توصيل أسوأ الاخبار إلى مسمعنا والأدهى والامر أننا نتقبل كل هذا دون وعي، فقد حصر تفكيرنا في لقمة العيش لإلهائنا عن ما هو أعظم والخطر المحدق بنا كمسلمين، هذا العدو حرص على تلقيننا أننا كمسلمين لا نستحق شيئا ولا قيمة لهم وأنهم أغبياء لا يستطيعون التطور والتقدم وسجننا في زنزانة التخلف الدائم.

إننا أمة القرآن التي أمرت بالإبحار والنفوذ في أقطار السموات، ولكن الذي أبحر أمم أخرى ووصلت، صرفت المليارات في سبيل تحقيق مشروعها ونحن العرب صرفنا أموالنا في الحروب والقتل والفتن وتوسيع دائرة الصراع فيما بيننا وعلى التشبث بالمقعد العفن الزائل على حساب أرواح بريئة، ومازال سيل الدم الجارف لم ينضب، أصبحنا كالهشيم تأكله النار، اشعلوا هذا الجحيم ونحن نغذيه بحقدنا وكرهنا لبعضنا، انطلت علينا تلك الخدع وحققنا مبتغاهم بأيدينا، فأصبحنا احياناً بداع وبدون داع نشتم أنفسنا ونستمتع بذلك، يسخر كل منا بالآخر وفي الواقع الجميع يسخر منا ومن عالمنا العربي ككل، وبدون وعي أصبحنا كالسجناء بدون سجن.

صناعة جدران الوهم والعبث بالعقل البشري أخبث سلاح صامت يقتل بدون إطلاق رصاصة واحدة ويقضي على أمم داخليا بقتل العزيمة

هذا العدو الخبيث الذي طالما تغنى بالحرية نصب شباك العبودية وحُبسنا فيها وبملء إرادتنا انسقنا وراء تلك الأفكار الانهزامية ونسينا أننا قوم أعزنا الله، وتراكم الغبار على حضارتنا التي صنعها وتركها أجدادنا لنكمل المسير، لكننا نسينا أو تناسيننا واجبنا في حمل الراية وخلدنا إلى النوم ونتغنى ونتحسر على الماضي الجميل الذي صنعه أسلافنا في انتظار المُخلص البطل الذي سيحمل على عاتقه كل شيء، خدرنا التواكل على غيرنا وتعليق أخطاءنا على شماعات وهمية من صنع مخيلتنا لتبرير فشلنا وتخاذلنا وغطّّينا في سبات عميق لا يحركنا ألمنا فأجسادنا تعودت عليه وأصبحنا لا نبالي به فقد صار جزء منا وألفنا العبودية والتبعية، ألم يحن وقت أن نستيقظ من سباتنا ونفض هذا الغبار؟

صحيح أن منطقتنا العربية ساحتها مشتعلة بالفتن والحروب ونحن وقودها، نحن من يدفع الثمن من دمنا ودموعنا وآلامنا، لكن علينا أن ندرك أنهم يتطورون ونحن نتدهور، هم يتقدمون ونحن نتأخر، هم يجتمعون علينا ونحن نتفرق فيما بيننا ونتآمر على بعضنا سرا وعلانية، فأين الخلل والمصاب الخلل؟ الخلل يكمن في الفكر وجدران التي أحاطت بالعقل وطوقت فكره ليتعاطى فقط مع ما برمجته الماكينة الإعلامية، لذلك علينا أن لا نستمع إلى الأخبار السيئة فقط ولا إلى إرجافات المرجفين وتهويلاتهم بل ينبغي أن نمنح أنفسنا ومن حولنا الأمل بالقادم الأفضل، أن نحترم من حولنا رغم اختلافنا ونتوحد ضد الأعداء، وأن نمتلك العزة والطاقة الايجابية لا السلبية بالأمل بالله سبحانه والثقة به وبنصره، وهكذا سنحطم السجن الذي أراد الأعداء أن يصنعوه بواسطة أعلامهم الزائف. صناعة جدران الوهم والعبث بالعقل البشري أخبث سلاح صامت يقتل بدون إطلاق رصاصة واحدة يقضي على أمم داخليا بقتل العزيمة ووأد الإرادة واقتلاع الأمل لزرع اليأس، لكنه يبقى عاجز أمام العقل الواعي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة