محمد أبو طاقية
محمد أبو طاقية
229

خمسة ملايين ثانية من الحرب!

12/7/2018

ليس صعباً ولا مستحيلاً، بل من السلاسة جداً أن نستنطق أقلامنا؛ فتسطر أجمل المعاني والأفكار من وحي القلوب والعقول، لكنها في لحظة ما قد تتجمد ولا تنطق بشق حرف!؛ وذلك حينما نستنطقها لتكتب عن زمن ما ظننا لحظاً أننا سنعود من بعده للحياة؛ تتجمد عندما تكتب عن أحداث فاقت بشاعتها كل البشاعات؛ عندما تعبر عن تجربة -4406400- ثانية من الموت والحياة؛ نعم فكل ثانية من أيام "حرب الـ 2014" على غزة؛ تحمل الكثير من حكايات الموت والحياة.


واحدٍ وخمسين يوماً، نتوه في أركانها وجراحها حينما نحاول التعبير عنها؛ فعن أي ركن سنكتب ونحن نسطر تجاربنا الصحفية خلالها في حضرة ذكراها الرابعة بذات الوجع المحفور في الذاكرة والمسطر في الواقع؟ عن أي وجع؛ عن أي أمل؛ عن أي إنجاز؛ عن أي تحدي؛ عن أي لوحة من لوحات الإعجاز الصمودي نكتب؟! أنكتب عن بيتاً لنا شرد منه الأهل ونحن عنهم غياب، أم عن ذكرياتنا وماضينا ومستقبلنا فيه والتي طالها القصف ونحن خلف الأقلام والكاميرات نرصد أوجاعاً صغرت بل اختفت أمامها أوجاعنا، أم نكتب عن مدينتنا -رفح– وعائلاتنا التي كانت تباد بلا رحمة أو مسعف -الجمعة السوداء- ونحن في غيرها من البلاد. 


هل نكتب عن عائلات وصلت بأكملها مكفنة بتراب وجدران بيوتاها - النجار؛ المصري؛ الأسطل؛ زعرب؛ .... - ؛ ثم يقف الناجي الوحيد منهم شامخاً ليتلوا علينا آيات "لن نركع ولن نسلم"؟!، أم نكتب عن أشلاء الصغار المتفحمة ومشاهد القتلى في طرقات خزاعة وتحت بيوتها؟!، أنكتب عن بكاء كاميراتنا ودموع قلوبنا ونحن نوثق ونحمل صوت المعذبين؟!، أم عن نحيب أقلامنا وأصواتها المجروحة إذ تسطر الأحداث، كيف لا وميدان عملنا الأبرز كان محافظة خانيونس – جنوب قطاع غزة - صاحبة العدد الأكبر من الشهداء ومجازر الصهاينة بحق العائلات.

جمعنا الشهداء وبسرعة إلى سيارة الإسعاف التي أمست لا ترى بسهولة من شدة القصف والدخان؛ وعدنا بالأبناء غارقين في دمائهم؛ ووالدهم يجلس بينهم شاكراً؛ مستغفراً؛ صابراً؛ منهاراً؛ وحزيناً

هل نكتب عن قصف مكتبنا في الأيام الأولى للحرب ونجاة طاقمنا المتواجد فيه بفضل الواحد، أم عن ضيق الحال وضعف الإمكانيات وصعوبة الحركة لإيجاد بديل تحت القصف والاستهداف - رغم ذلك وجدنا-، أم نكتب عن جرأة مجنونة لم نفكر في نتائجها - قمنا بتمديد خطوط الهاتف والإنترنت للمكان الجديد بأنفسنا، فلا طواقم مختصة للعمل تحت النار وحمم الطائرات - كي يبقى صوت الحقيقة ولنحمل صوت الضحية حتى وإن رحلنا كعشرات الزملاء والضحايا.. عن ماذا نكتب؛ وعن أي موقف نسطر؟!

مئات بل آلاف المشاهد تسارعت إلى ذاكرتي حينما أردت أن أكتب عن تجربة الحرب والعمل الصحفي فيها؛ كمدير لمكتب وطاقم إعلامي في محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، وليست المشاهد التي قدمت بها المقال؛ إلا كما يحمل رأس القلم من ماء البحر إن غرف منها بطمع، لكنني اجتهدت على تسطير ومحاولة نقل أبرزها؛ فوقع اختياري على الحديث في خفايا وتفاصيل قصتنا المصورة والمنشورة حينها بعنوان: "الوالد الأسطورة ورحلة انتشال جثامين أبنائه"، ففي هذه القصة اجتمعت وانعكست ألوان تجربة العمل جميعها - خطر .. ألم.. صبر.. أمل -.


كانت الليلة الأولى لقصف شرق خانيونس – خزاعة والزنة – بشدة تمهيداً للتوغل فيها برياً، وفي تلك الليلة لم يتوقف القصف والهجمات براً وجواً... ونحن نتابع ونترقب ما يمكن ترقبه عبر ظلمة الليل وشدة الظلم والخوف، وبعد ليلة ليلاء أشرق الصباح الثالث أو الرابع توالياً بلا نوم؛ أشرق محملاً برائحة الموت والبارود، وبدأت سيارات الإسعاف تتهافت على مستشفى ناصر، وتنقل ما تمكنت طواقمها من انتشاله من شهداء القصف الذي لا زال مستمراً.


عشرات الجرحى والشهداء وصلوا إلى مجمع ناصر، إلا أبناء ذلك الوالد الستيني.. الذي كنت أراقبه عن قرب، بعدما شعرت بأن حضوره مختلف عن كل الحضور؛ وماهي إلا لحظات وتقدم الوالد نحو طواقم الخدمات الطبية والإسعاف؛ منادياً فيهم بحرقة وتقطع في الصوت والنفس: " أولادي.. أولادي وينهم يا عم؟ ما وصلوا؟ ... أنا أعرف مكانهم أن أعرف أين فقدتهم.. تعالوا معي أدلكم.. فأنا أعرف أين فرقتنا قذائف الموت".


حينها كنت استرق السمع والمتابع لذلك الحوار القصير الموجع؛ وسريعاً تدبرت أمري؛ وصعدت معهم نحو النار؛ ونحو استيعاد ما تبقى ل الأب من أبنائه. انطلقت بنا سيارة الاسعاف، تقطع صمت الطرقات الخالية إلا من صوت القذائف والطائرات، تقدمنا وتعمقنا في منطقة الزنة شرق خانيونس دون أن نخشى أو ونحن نتناسى خطر الموت ورائحته المنتشرة؛ واصلنا التقدم حتى أستوقفنا صوت الأب وانفجار القذيفة التي سقطت أمامنا بأمتار.. " بس بس.. هنا يا عم.. هنا سرقوا مني فلذات كبدي"!

صمود الرجل الفلسطيني ونضاله وثباته؛ هو زادنا ونبراس شعبنا وصوت أقلامنا طوال الحروب وسنوات الحصار الظالمة والنضال المستمرات حتى هذه الثواني

رويترز


كسرنا خوفنا وترجلنا جميعاً من سيارة الإسعاف؛ ثم ركضنا خلف الأب نتتبع خطواته النازفة؛ ونوثق بعدساتنا صبره وصلابته ووجعه اللامحدود؛ حتى وصلنا فلذت كبده الاول؛ وقد غابت أجزاء جسده في تراب البيت وبين ركامه؛ فرفعه والده بين يديه وقبل جبينه مرتلاً "الله يرحمك ويرضى عليك يابا"، ثم نهض الرجل ونحن من خلفه إلى داخل المنزل؛ ليتكرر ذات المشهد مع فلذة الكبد الثاني، ثم مع ابن شقيقه.. فلم نجد منهم حياً.


جمعنا الشهداء وبسرعة إلى سيارة الإسعاف التي أمست لا ترى بسهولة من شدة القصف والدخان؛ وعدنا بالأبناء غارقين في دمائهم؛ ووالدهم يجلس بينهم شاكراً؛ مستغفراً؛ صابراً؛ منهاراً؛ وحزيناً، بينما نحبس نحن دموعنا حبساً قاهراً أمام هذا المشهد، بطيئاً بطيئاً وصلنا مجمع ناصر الطبي، وكنا نظن أننا لن نعود كما خرجنا، فأكثر من قذيفة سقطت لم يفصلها عنا سوى بضعة أمتار والكثير من الدعوات.


كنت أرى الوطن وتحديدا تلك البقعة المشرفة - غزة - في ذلك الرجل؛ فهو الذي تجرع مرارات بعضها فوق بعض ولا زال صامداً راضياً، بينما خطر وتفاصيل تغطية رحلته بين القذائف والموت؛ يمثل الوجه الأبرز للحياة عامة وللعمل الصحفي خاصة طوال أيام الحرب، ودمعنا في حضرة الوالد هو وجه الصحفي الإنسان؛ الذي رافقنا وحاولنا عبثاً السيطرة عليه في كل تغطية وأمام كل جريمة؛ كنا نتوجع منها وفيها كما أصحابها وزيادة، وأما صمود الرجل ونضاله وثباته؛ فهو زادنا ونبراس شعبنا وصوت أقلامنا طوال الحروب وسنوات الحصار الظالمة والنضال المستمرات حتى هذه الثواني.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة