وجدي أنور فاعور
وجدي أنور فاعور
352

دلالات ومضامين الدّعم الخليجي للمملكة الأردنيّة

12/7/2018

شَهدت المملكة الأردنيّة وعاصمتها عمّان والعديد من مدن المملكة الأخرى في أوائل شهر (حزيران/يونيو/2018)، احتجاجات شعبيّة واسعة ومتواصلة لبضعة أيّام؛ وذلك بسبب قانون ضريبة الدّخل الجديد الذي اقترحته حكومة هاني الملقي وبسبب ارتفاع نسبة الضّرائب أيضاً وتعدّدها على المواطن الأردني. حيث أعلنت الحكومة الأردنيّة زيادة الضّرائب بتوجيه من صندوق النّقد الدّولي، ودافعت الحكومة الأردنيّة عن زيادة الضّرائب بحجّة أنّها ضروريّة لخفض المستوى القياسي للدّين العام تدريجيّاً، ولإعادة الاقتصاد الذي تضرّر جرّاء الظروف الإقليميّة المحيطة إلى النّمو مجدّداً.


واتّسمت هذه الاحتجاجات التي أدّت إلى استقالة حكومة الملقي وتعيين رئيس وزراء جديد هو عمر الرزّاز بسلميّة كاملة، وعكست حالة الغضب العارم من سوء الأوضاع الاقتصاديّة بشكل عام في المملكة الأردنيّة التي تقع في محيط مضطّرب سياسيّاً وبدون أفق قريب لانتهاء حالة عدم الاستقرار الإقليمي. وتتزامن هذه الاحتجاجات مع تغيّرات سياسيّة اقتصاديّة إقليميّة تصاحبها أزمات واضطّرابات ونزاعات.

الأسباب الاقتصاديّة المباشرة لأزمة المملكة الأردنيّة الاقتصاديّة:

في ظل الخطوات التي بادرت إليها الحكومة الأردنيّة لتخفيف الدّين العام حكومة الملقي، قامت بتقديم مقترح لتعديل قانون ضريبة الدّخل رقم (34) للعام (2014). تشمل التّعديلات الجديدة على القانون زيادة في الضّرائب على المؤسّسات كالبنوك مثلًا إلى (40) بالمائة بعد أن كانت (35) بالمائة.. أمّا في ما يتعلّق بالأفراد، فقد أوصى القانون بتخفيض حد الدّخل المعفى للعائلات من (24) ألف دينار إلى (16) ألف دينار، وللأفراد من (12) ألف دينار إلى (8) آلاف دينار. وفي نفس الوقت، ألغت التّعديلات المقترحة للقانون كل الإعفاءات الإضافيّة الممنوحة للأسرة والمقدّرة بمبلغ (4) آلاف دينار، والتي تتعلّق بفواتير العلاج والتّعليم.

خصوصيّة العلاقات الأردنيّة الخليجيّة ظلّت المعيار الأساسي الذي اعتمدته الدول الخليجيّة في دعمها للمملكة ومنحها مرتبة رفيعة من الاحترام والتّقدير والرّعاية

وتأتي هذه التّعديلات الجديدة في إطار اتّفاق بين الحكومة الأردنيّة وصندوق النّقد الدّولي؛ حيث سيقدّم صندوق النّقد الدّولي قرضاً للحكومة الأردنيّة بقيمة (730) مليون دولار لدعم الإصلاحات الماليّة والاقتصاديّة، والتي تهدف إلى خفض المديونيّة العامّة من (94) بالمائة إلى (77) بالمائة من النّاتج المحلّي الإجمالي في العام (2021). يُشار هنا إلى أنّ الدّين العام للملكة الأردنيّة بلغ حوالي (32) مليار دولار، وبسبب هذه التّعديلات وما رافقها من ارتفاع في الضّرائب دعت منظّمات المجتمع المدني إلى تظاهرات واحتجاجات كان مطلبها سحب الاتّفاق وقانونه الضّريبي، وفي نفس الوقت انتقد المتظاهرين والمحتجّين الوضع الاقتصادي والأداء الاقتصادي والسّياسات الاقتصاديّة للحكومات المتعاقبة، حيث ارتفعت معدّلات الفقر والبطالة وزادت من إرهاق كاهل المواطن الأردني، وتطوّرت دعوات المتظاهرين والمحتجّين فيما بعد إلى المطالبة بمحاسبة الفاسدين وإهدارهم للمال العام وحل حكومة الملقي والمطالبة برحيله.


مدى أهميّة الدّعم الخليجي للمملكة الأردنيّة وتأثيره على استقرارها اقتصاديّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً:

لقد حَظيت المملكة الأردنيّة باهتمام ورعاية خاصّة من دول الخليج العربي وبأشكال مختلفة، فقد قدّمت دول الخليج كل الدعم الممكن للمملكة الأردنيّة؛ ممّا كان له دور وعامل مهم وفاعل في تقدّم وتطوّر المملكة واستقرارها اقتصاديّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً. فمنذ السّبعينات من القرن الماضي كان النّظام الأردني من أقرب الأنظمة العربيّة إلى دول الخليج، وبالتّالي فتحت المجال واسعاً أمام العمالة الأردنيّة من مختلف التخصّصات، الأمر الذي انعكس على مستوى معيشة المواطن الأردني في القرى والأرياف والبوادي والمخيّمات، واسهم في بناء المملكة الأردنيّة الحديثة، يضاف إلى ذلك الدّعم الخليجي العسكري للمملكة من تجهيزات دفاعيّة وتسليحيّة.


ووصف رئيس الوزراء الأردني السّابق هاني الملقي علاقات بلاده بدول الخليج العربي بالمتميّزة، مؤكّداً دعم الأخيرة غير المسبوق لبلاده؛ حيث قال: "عندما ننظر إلى البنية التحتيّة في آخر خمس سنوات، نجد أنّه لولا هذا الدّعم الخليجي لما رأينا هذه البنية التحتيّة". ولكن خصوصيّة العلاقات الأردنيّة الخليجيّة ظلّت المعيار الأساسي الذي اعتمدته الدول الخليجيّة في دعمها للمملكة ومنحها مرتبة رفيعة من الاحترام والتّقدير والرّعاية، ممّا عزّز في المقابل من مكانة الدّول الخليجيّة عند الأردنيّين على المستويين الرّسمي والشّعبي. وكان من الطّبيعي جدّاً أن تَرى دول الخليج في المملكة الأردنيّة عمقاً استراتيجيّاً لها، له أبعاده القوميّة والدينيّة والأمنيّة؛ فالمملكة الأردنيّة نافذة الخليج الشماليّة المطلّة على دول كانت في تلك الفترة تقود تهديداً أيديولوجيّاً وسياسيّاً للأنظمة الخليجيّة، بما يشمل إسرائيل المصدر الأوّل للمخاطر التي تهدّد المنطقة العربيّة حيث لم تكن علاقات وسياسات دول الخليج مع إسرائيل كما هي اليوم إضافة إلى ذلك ملف حرب الخليج.


دلالات الدّعم الخليجي للمملكة الأردنيّة ومضامينه الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة:

وصف عدلي قندح (المدير العام لجمعيّة البنوك في المملكة الأردنيّة) حزمة المساعدات الخليجيّة، التي تضم وديعة ودعماً ماليّاً، بأنّها تشكّل نسبة 20 بالمائة من الميزانيّة السنويّة الأردنيّة. وقد أشار إلى أهميّة هذا الدعم في تعزيز احتياطيّات المملكة الأردنيّة بالعملات الأجنبيّة، وفي تقوية الموقف تجاه الإجراءات المطلوبة من قبل صندوق النّقد الدّولي. يذكر أنّ السّعوديّة والكويت والإمارات قدمت دعماً بقيمة (2.5) مليار دولار على فترة (5) سنوات للمملكة لمواجهة التحدّيات الاقتصاديّة التي يتعرّض لها.


إنّ ما سبق يعطي المجال للمملكة الأردنيّة في زيادة فرص العمل وتخفيض معدّل البطالة، وتنشيط القطاع الاقتصادي والصّناعي، وبالتّالي زيادة الإنتاج مما يعطي الدّافع لفتح أسواق جديدة، والتشجيع على الاستثمار وجذب رؤوس الأموال؛ عن طريق الاستخدام والاستغلال السّليم لهذا الدعم بشكل مدروس وممنهج ومخطّط له، من دون تخبّط أو إهدار أو تعرّضه للفساد الإداري والسّياسي. فأي مساعدة أو دعم تقدّمه أو ستقدّمه دول الخليج للمملكة الأردنيّة، يأتي في وقت حاسم ومفصلي؛ فالآثار النّاجمة عن الحرب السّوريّة تقوّض الاقتصاد الأردني وتعيق السّياحة والتّجارة وغيرها من القطاعات. أضِفْ إلى ذلك أيضاً أنّ المملكة تستضيف أكثر من مليون لاجئ سوري، ومعدّل البطالة فيها مرتفع، ناهيك على أنّ ما سبق كان له دور في انخفاض معدّل النّمو الاقتصادي الأردني.


لكن يجب على المملكة الأردنيّة الحرص من الدّعم والمعونة الخليجيّة وخاصّة السّياسات الماليّة النّاشطة التي تنتهجها السّعوديّة، رغم توفيرها للمملكة مظلّة أمان واستقرار اقتصادي بدرجة كبيرة؛ إلّا أنّ هذا الدّعم سيكون له تكاليف وتبعات سياسيّة. وما علينا هنا سوى النّظر إلى جمهوريّة مصر ورؤية أبعاد وتأثير ومضمون الدّعم الخليجي لنظام السّيسي، فالدّعم الخليجي الذي تجاوز المليارات أنقذ على الأرجح جمهوريّة مصر من انهيار مالي؛ ولكن في مقابل هذا السّخاء تخلّت القاهرة عن سيادتها على جزيرتين في البحر الأحمر لصالح المملكة العربيّة السّعوديّة، ممّا أثار احتجاجات ورفض شعبي مصري تطوّر إلى دعوات تطالب بإسقاط الحكومة المصريّة.

الاقتصاد الأردني يعاني من نقاط ضعف هيكليّة ومحوريّة، إن بقيت بدون حل أو معالجة ستزيد من الأزمات والعجز، وبالتّالي ستؤثّر على معدّلات النّمو الاقتصاديّة كافّة

رويترز
 
وجوب العمل على استثمار الدّعم الخليجي والغربي سياسيّاً واقتصاديّاً بخطط إصلاحيّة استراتيجية وإنمائيّة:

هذه ليست المرّة الأولى التي تقدّم فيها دول الخليج والغرب دعماً للمملكة الأردنيّة وتعينها في مواجهة أزماتها الاقتصاديّة، لذلك يجب على المملكة الأردنيّة هذه المرّة استثمارها جيّداً بشكل إصلاحي واستراتيجي وإنمائي. فالدّعم الخليجي والغربي ليس عصا سحريّة وليس حلّاً جذريّاً لمشاكل المملكة الاقتصاديّة، كما يراه الكثير من الخبراء والمحلّلين؛ فقد سبق وأن حصلت المملكة الأردنيّة على منح اقتصاديّة وقروض كبيرة وصلت للمليارات، لكنّها لم تنجح في إنقاذ الاقتصاد الأردني على المدى الطويل، والدليل الأزمة الاقتصاديّة التي بين أيدينا.


لكن برأيي هذا الدّعم يمثّل خطوة جيّدة وفرصة ذهبيّة للحكومة وللمملكة الأردنيّة إن استثمرته جيّداً، فالمملكة بحاجة إلى عقد اجتماعي واقتصادي جديد وإصلاح سياسي؛ فلا يجب أن يبقى الاقتصاد الأردني أسيراً للمساعدات الاقتصاديّة ممّا لها من أثر بالغ كما أسلفنا الذكر على الجوانب السّياسيّة والاجتماعيّة حتّى الاقتصاديّة نفسها. ويكفي أن يراجع السّياسي والاقتصادي الأردني ملف تراجع الدّعم والمساعدات في السّنوات الأخيرة؛ فالتقلّبات السّياسيّة والاقتصاديّة والظّروف الإقليميّة لها تأثير كبير وبالغ على ضمان استمرار هذا الدّعم والمساعدات للمملكة الأردنيّة. بالتّالي يجب على المملكة الأردنيّة وحكومتها ومسؤوليها أن يستثمروا هذا الدّعم والمساعدات بشكل أكثر من جيّد، كما استثمرت سياسيّاً بشكل أو بآخر تحرّك الشّارع المفاجئ والعفوي في تنبيه حلفائها بأنّها تعيش على حافة الانزلاق والانهيار.


إنّ ما سبق يؤكّد على وجوب ولزوم صانع القرار وواضع السّياسات الاقتصاديّة، أن يبدأ في معالجة محاور ومواطن القصور والخلل في الاقتصاد الأردني، ومراجعة السّياسات الاقتصاديّة -بما فيها الماليّة والنقديّة- السّابقة، والبدء بمرحلة وخطة استراتيجية إنمائيّة جديدة تتميّز بالإصلاحات والتّخطيط والتّنظيم والتّوجيه والإدارة والرّقابة؛ لأنّ الاقتصاد الأردني يعاني من نقاط ضعف هيكليّة ومحوريّة، إن بقيت بدون حل أو معالجة ستزيد من الأزمات والعجز، وبالتّالي ستؤثّر على معدّلات النّمو الاقتصاديّة كافّة، وستلقي بظلالها وعبئها على المواطنين، وستدخل المملكة الأردنيّة في أزمات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة قد لا تحمد عقباها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة