فلسفة الدعاء في الإسلام..

12/7/2018

قديماً كانوا يستعينون علي إصلاح القلوب بقوة روحية لم يكن بمقدور أحد تبينها، علي مرور الدَّهر لم تستقر الألسنة علي ماهية هذه القوة؛ عندما كثُرت صراعات الأرض وانتشر الشَّر ينتصرُ في كلِّ مكان، غضب الخَالق لكنَّه قرر أن يمنحَنا فرصةً أخري فبعث إلي هؤلاء البشر قبس من نور ترافقه تلك القوة الروحية التي أعادت القلوب إلي مواضعها ثابتة.. إنَّها اليقين.

الدعاء عبادة لله وحده لا يجوز أبدًا صرفها إلي سواه. والدعاء هو الحلقة الأخيرة التي تصل سلسلة من الأسباب بغاية الخير. ذلك «زكريا» تمني علي عُمره الذُّرية، لكن مر العُمر "وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا" وحينما انقطعت أسباب الدنيا عند الهِرم والعقر "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ" بالولد، فكانت الحلقة الأخيرة التي وصَلت أمنية عمره بغاية الخير"فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ".

وذلك "يُوسف بن يعقوب" بينه وبين فرج الخروج من السجن حلقة، حلقة واحدة هي الدعاء، لكنَّه تناسي "فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ" وتحول عن دعاء الله إلي دعاء عبد الله السَّاقي بأن يذكره عند الملك، ليعلم ما وقع عليه من ظلم، وما أوتي من علم في تفسير الرؤيا وتعبيرها. فلم تتكون الحلقة، ولم تتصل سلسلة العفة والتقوي بغاية الحق احقاقه والحرية.
 

ثم يأتي «جبريل» يدخل على «يُوسف» السِّجن، ويعرفه يوسف. فيقول جبريل: يا أخا المنذرين! ما لي أراك من الخاطئين! ..يا طاهر ابن الطاهرين! يقرئك السَّلام رب العالمين ويقول: أما استحييت إذ استغثت بالآدميين! وعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضع سنين. تفسير القرطبيّ - الجزء التاسع - ص١٢٨. وقال جبريل: فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله! تفسير القرطبيّ - الجزء التاسع - ص١٢٩.

كل الدعاء مُجاب، وليس كل الإجابة من لفظ الدعاء، إنَّما هو الإيمان الذي يُرينا الجذور. وإنِّي -بالله- لأتيقن أنَّ خير معاني الاستجابة هي الجذور، هي المغفرة والرفع درجات

الدعاء عبادة ذَكر الله -عزَّ وجلَّ- الغاية فيها حينما قال: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" ومن الآية الكريمة نفهم أنَّ الغاية من عبادة الدعاء من العبد هي الاستجابة من الله -عزَّ وجلَّ-، وعندما لكل عبادة في الإسلام غاية ظاهرةٌ وأخري باطنة، فعبادة الدعاء هي كذلك مثل سائر العبادات الأخرى لها غايتها الظاهرة والباطنة. وكيفما نفهم شيء نراه في حيز ذلك الفهم، وإن أحطنا فهمًا بغاي الدعاء جميعًا، نراه علي شاكلته الصحيحة التي ارتضاها لنا الله. أمَّا عن المعني الظَّاهر لعبادة الدعاء فهو على لفظ الآية الكريمة "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ".. أي الاستجابة.

واستجابة الدعاء من الله تكون علي درجتين:
1- الاستجابة بالتحقق العيني.
2- الاستجابة بالتحقق الغيبي.
والاستجابة بالتحقق العيني هو تحقق لفظ دعائك، فأنت دعيت بالمال فجنيت، أو الذرية فأولدت. أمَّا الاستجابة بالتحقق الغيبي، فهو لا تحقق لفظ دعواتك، لكنَّه تحققٌ آخر نعرفه في: حصول المغفرة، وحصول الخير في ضَرب آخر. فحينما قالها -عزَّ وجلَّ- ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قالها مقالةً تليق بإله لا شريك له، مقالةً تعني التحقق بكل الأحوال.

فالله لم يرد دعاءًا قط، فالاستجابة لا محصورة في التحقق العيني أو الماديّ فقط، لكن هي تمتد تشمل ضروب الخير كلَّه، فالخير نعم في مغفرةٍ من الله، والخير نعم في رفع من الدرجات، والخير نعم في تحقق شيء اختاره الله لك. ونفسك ابن آدم لا لها القدرة علي إدراك الخير وتحديد وجوهه أو قل أكثرها، فإنْ نحن لم نفهم معني الاستجابة بأوجهها تلك من التحقق العيني أو الغيبي، حينها يغلبنا الظَّن من نفوسنا بأنَّ الاستجابة تعني التحقق العيني فلا تتعد، فنري معني الاستجابة محصورًا بين ذلك المعني الفقير فقط، ويصبح معني رد الدعاء طاغيًا علي معاني الاستجابة.

فلم تتيقن الخير إلا في لفظ دعائك فقط، ثم تجد أنَّ أكثر ما دعوت به رُدَّ لأنَّه لم يتحقق أمام عينيك، فتسخط لذلك وقد يصيبك اليأس بل التمرد، فيصبح دعاؤك عملًا مضادًا من خلال معناه فمبتغاه؛ فيرنو إلي تجاوز كل حدود الغيب ومحاولة التعدي علي ما كتب ربك لك من الخير؛ وذلك لاختلاف ما تحقق غيبًا عمَّا أردته في دعائك أنْ يتحقق عينًا؛ غافلًا أنت عن التحقق الغيبي ساخطاً أنت علي عدم التحقق العيني. وحينها يكون الدعاء كما لو هو عمل يتضاد مع الذات الإلهية. من حيث أنَّ ربك لم يكتُب لك إلا الخير ولا كل غير الخير، لكن في دعائك لا تري الخير إلا في التحقق العيني في حيز المعني الفقير الذي بلَيت قلبك به، وحين ذلك المعني ما دعائك هذا إلا الشر عليك. وسخطك علي عدم التحقق العيني يُعتبر منك ادِّعاءًا كونيًّا يفوق الذات الإلهية؛ فتبتغي أنْ تتمدد فوقها متجاوزًا إياها كاسرًا ظروفها.

لتكون الدعوات من عبدٍ عادي لا يدري أنظرته عن يمينه خير أم عن يساره، إلي نموذجٍ لشيء خارق، يظن أنْ قد كسر حاجز الغيب وعلم أنَّ الخير في التحقق العيني فقط لا خير في غير. فنفرح بثمرة التَّحقق العيني ولا نلتفت للجذور، لا نلتفت إلى التَّحقق الغيبي. ولماذا نحن نتعرف الله في الثمرة ونجهله في الجذور! .. بيد أنَّ الثمرة أقرب لقلوبنا من الجذور.

الدُّعاء عبادة لها المعني؛ فغايتها الصغرى الظاهرة هي التحقق سواء عيني أو غيبي، أمَّا عن غايتها الكبرى هي اليقين، فلا تحزن من لفظ دعاء لم يتحقق

رويترز
 

فكل الدعاء مُجاب، وليس كل الإجابة من لفظ الدعاء، إنَّما هو الإيمان الذي يُرينا الجذور. وإنِّي -بالله- لأتيقن أنَّ خير معاني الاستجابة هي الجذور، هي المغفرة والرفع درجات. وكي تبلغ تلك المعاني عليك أنْ تُخلص قلبك من قيود المعاني المادية التي تتلاحم مع التحقق العيني، وتروح تطير في الأفق، لا تملك الجناحين، لكنك تطير لذاتٍ غير ذي الجناح.

هذه هي غايات عبادة الدّعاء الظاهرة، أمَّا عن غاية الدعاء الباطنة هي كما العبادات جميعها .. التَّقويم. فالعبادات لا هي العلاقة بين العبد وربه، إنَّما هي التقويم لتلك العلاقة بينه وبين ربه. وغاية التقويم للعبادات لا الحصول لكن الوصول، الوصول إلى خضراء عود اليقين الذي ينبثق من بين ثراها النديّ. فاليقين هو غاية العبادة؛ هو دليل بلوغك الشيء من العبادة، حينها التفويض في أمور الدنيا إلي خالق الدنيا فلا يأخذك قلبك للدعاء منها في شيء، بل تري قلبك يرنو لما هو أسمي فيستحيل الدعاء إلي لا إله إلا الله، لا إله إلا الله أفوضه، لا إله إلا الله، غريبٌ عن الدنيا معروفٌ في السَّماء، هو اليقين.

بلغت اليقين! أصبحت لا تجوع إلا ببطنك ولا تُفكِّر إلا بعقلك، تتمايل أمامك الدنيا راغبةً فلا يتحرك من قلبك إليها وازع، قد تيقنت أنَّ النَّفس قليلة الشَّأن قليلة الفطرة فلا سلامة لها إلا بالقليل، حينها تتكرر منك سيرة ابراهيم -عليه السَّلام- تارةً أخري؛ فلمَّا كانت نار اللَّهيب سلامًا عليه، فقلبك كذلك من نار الملذات والرغائب. كأن قد أحاط قلبك حجاب من نور السَّماء حال بين القلب وبين ما يعلق بالقلب من غبار الفكرة وظلامها. فذلك الفراغ من الدنيا الذي تقع عليه من نفسك إنَّما هو موضع النَّعمة الضرورية التي أضاعها من له الدنيا تقوده.

هو اليقين، سيرًا في ستار الله اتباعًا لشعاع النُّور الإلٰهي دون الالتفات لما واقع بين يديك من دعائك، رافعًا قلبك إلي السماء، وأعلم أنَّ مما تظن من الخير ما هو قاطع ليديك، ومما تتوجس من الشَّر ليديك مطهرًا. فالدُّعاء عبادة لها المعني؛ فغايتها الصغرى الظاهرة هي التحقق سواء عيني أو غيبي، أمَّا عن غايتها الكبرى هي اليقين، فلا تحزن من لفظ دعاء لم يتحقق، وتيقن أنَّه إذا أراد الله بعبده خيراً يعطيه أملًا من رحم اليأس، يذيقه مرارة الدنيا في كثيرٍ من عدم التحقق المادي، ليحفظ قلبه من أملٍ سام فيدرك حينها أنَّ الدنيا هي دار سفر وابتلاء، وما عند الله هو خير وأبقي، فيتبع بذلك الشعاع من نور اليقين، هذا هو مبلغ الخير ومنتهاه. وما يجدر بك إلا أن يزيدك الدعاء حبًا للخالق. فبالاستجابة العينية يأتيك خير، وبالغيبية يأتيك خير؛ وبالوصول إلي اليقين تأتي الخير. الآن.. انظر من حولك بتمعن، وتعرف علي المعاني تلك من نفسك إلي الكون، ثم اصطفي منها ما يمهد لقلبك الطريق إلي اليقين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة