وائل المبحوح
وائل المبحوح
188

مسيرات العودة ومحاولة صد تصفية القضية الفلسطينية

16/7/2018

يمكن القول أن مضامين صفقة القرن- التي لم تعلن تفاصيلها بعد بشكل رسمي- تتمحور فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية حول ثلاثة محاور؛ الأرضِ الفلسطينية وكيف يقضمها الاحتلال بغول الاستيطان الذي لا يتوقف، ومدينة بيت المقدس وكيف تُهوّد يومًا بعد يوم تحت سمع العالم وبصره، واللاجئين وكيف يتم تصفية قضيتهم عبر مشاريع كونية يتآمر فيها حتى تلك المنظمة التي أُنشئت من أجلهم.


حتى ندرك نحن العرب والفلسطينيين قيمة وأهمية مسيرات العودة الكبرى التي انطلقت قبل أكثر من مائة يوم ولا زالت مستمرة، علينا أن نلاحظ ما يلي:
1- بدأت مسيرات العودة الكبرى في 30 مارس 2018، الذي يوافق ذكرى يوم الأرض الفلسطيني، ودرج الفلسطينيون على إحيائه منذ 1976. وهذا يعني أننا متمسكون بالأرض كلِّ الأرض من أقصاها إلى أقصاها، ولو أنك سألت أيَّ طفل فلسطيني اليوم عن أرض فلسطين، لأجابك على الفور: إنها من رفح جنوبًا حتى رأس الناقورة شمالًا، وآلافها سبع وعشرون من الكيلومترات المربعة. فالمسيرات هنا تضرب أحد أركان صفقة القرن في مقتل، فالأرض لا يمكن أن يتنازل عنها حرٌّ شريفٌ مهما طال زمن الاحتلال، ومهما أمعن المحتل قتلًا وتشريدًا فالحق أبلج، وما أحداث التاريخ عنّا ببعيد. كلُّ غازٍ يخرج ولو بعد حين، ولا يبقى إلا ملح الأرض؛ أهلها وأصحابها الحقيقيون.

2- بلغت مسيرات العودة أُوجَها وغاية عنفوانها بتاريخ 14 مايو، وهو اليوم الذي كان مقرّرًا لنقل السفارة الأمريكية إلى بيت المقدس، وكانت الرسالةُ يومها واضحةً: بدمائنا نسرج قناديل بيت المقدس، ولن تمر مخططات التهويد. فالقدس بالنسبة إلينا ليست قطعة من أرض هنا أو هناك، القدس عقيدة نربي عليها أبناءنا ونعلمهم أن فلسطين بدون القدس لا معنى لها ولا قيمة.

مسيرات العودة الكبرى اليوم تنوب عن كل شيء، تحاكي كل شيء، ترسم حكايات الوطن، وتخرج مكنونات النفس، وتضرب كلّ محاولات العدو بفرض النسيان على جيل آخر

الجزيرة
 

3- العنوان الرئيس للمسيرات هو (العودة الكبرى)، ولا عودة مصطلح ارتبط باللجوء والهجرة، وحمل في معناه حق الفلسطينيين في بلادهم التي هجروا منها، وهذا يدلُّ على فهمٍ واضحٍ بأن المسألة الأهم في القضية الفلسطينية وعنوانها الرئيس هي قضية اللاجئين، وإن أيَّ عبث بمسألة اللاجئين هي عبث بالقضية برمتها، وما أكدته المسيرات أن العودة حقٌّ مقدّسٌ لا تفريط فيه مهما طال الزمن، بل إن الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة جعلت من يوم الجمعة 20 يوليو يومًا لتحدي الأونروا، بأن مؤامرتها على قضايا اللاجئين وحقوقهم لن تمرّ، ولعل مشاهد مسيرات العودة المستمرة بكافة تفاصيلها ووجوه المشاركين فيها، من شيوخ ورجال ونساء وأطفال تُحاكي بشكل أو بآخر مسيرات اللجوء التي حدثت قسرًا لأجدادنا وآبائنا، فهُجروا من ديارهم وأراضيهم وقراهم ومدنهم رغمًا عنهم، لكنهم اليوم يشكلون هجرة عكسية طوعية إلى تلك الأراضي والبلدات والقرى والبيوت.


مسيرات العودة الكبرى اليوم تنوب عن كل شيء، تحاكي كل شيء، ترسم حكايات الوطن، وتخرج مكنونات النفس، وتضرب كلّ محاولات العدو بفرض النسيان على جيل آخر من أجيال الشعب الفلسطيني، وفق قاعدة لم تصمد يومًا، أن الكبار يموتون، والصغار ينسون، فلئن مات الكبار والموت حقٌّ، فلقد ألقوا بالعهدة إلى أبنائهم وأحفادهم، وتالله ما نسي الأبناء ولا ترك الأحفاد. بل إنهم ازدادوا تمسكًا بحقوقهم ودفاعًا عن ثوابتهم. من جانب آخر، تثبت هذه المسيرات أنها التطبيق العملي الدقيق لمفهوم المقاومة الشعبية، أو المقاومة المدنية اللاعنفية، وهي اليوم تعود بشكل جديد، وبأهداف جديدة، وبأشكال ووسائل جديدة تثبت كفاءة العقل الفلسطيني في إبداع ما يجب أن يكون من وسائل وأشكال، ويدير الأحداث بما يقلل من خسائره إلى الصفر إن أمكن، وفي الوقت نفسه يزيد أوجاع المحتل ويرفع كلفة الاحتلال في مواجهة مسيرات شعبية سلمية لا عنفية يشهد لها العالم كله.


نعم.. تستطيع مسيرات العودة بهذا الفهم وهذه الأساليب أن تقف في وجه كل المؤامرات من أجل تصفية القضية الفلسطينية، وما المعركة إلا معركة وعي والمنتصر من يستطيع أن يحتمل أكثر في معركة عض الأصابع المستمرة، وعلمنا التاريخ بأن الشعوب إذا امتلكت الإرادة للوقوف في وجه مؤامرة ما انتصرت.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة