أمين أمكاح
أمين أمكاح
3.6 k

العقم الفكري.. متى تتحرر العقول العربية من التفكير المتحجر؟

17/7/2018

عادة ما يرتبط مفهوم العقم بعدم القدرة على الإنجاب، لكن في الحقيقة لا يمكن حصره في هذه الزاوية الضيقة لتعدد أنواع العقم؛ فلا يوجد العقم الإنجابي فقط، بل هناك أيضا العقم الفكري الذي هو أشد أنواع العقم فتكا بالأفراد والمجتمعات، والذي لا يقتصر على عدم القدرة على ولادة الأفكار بل يتجاوز ذلك؛ لكون العقم المقصود هنا مقترن بنوعية الأفكار المطروحة أي بمدى فاعليتها وتأثيرها الإيجابي؛ بمعنى أن الأفكار السلبية والمنحرفة بهذا المنطق هي أفكار عقيمة، مما يعني أن العقول العقيمة لا تعطي أية مساحة للتنمية المستدامة والتطور السريع، أي أنها تقلل من وتيرة حدوث النهضة، بل وقد توقفها وتجعل إمكانية حصولها من المستحيلات. وما هذه إلا فرصة للتعرف على العقم الفكري، ومحاولة للكشف عن أهم دواعي عقم الفكر، والسؤال المطروح هنا: ما فائدة أن تتميز العقول بما تظنه تفكيرا أو أفكارا ولكن المحصلة النهائية في أرض الواقع فارغة؟ 


يمكن القول أن العقل البشري ما هو إلا نسيج من الأفكار التي تعبر عن حقيقة صاحبها بشكل كبير، ونعت العقول بالعقم لا يعني بالذات عدم قدرتها على ممارسة عملية التفكير، بل على العكس من ذلك فهذه العقول تمتلك هذه القدرة ولكن من دون جدوى؛ أي لا نتيجة إيجابية من قيامها بعملية التفكير، وهذا ما يعني أنها لا تولد سوى الأفكار غير البناءة والتي لا فائدة منها، بمعنى آخر يبقى التفكير عند هذه العقول هو لمجرد التفكير فقط، مما يبرز انعدام النتيجة الفعالة ذات القيمة الإضافية.


ولا أخالني مخطئا إن قلت أن عقلية الإنسان في العالم العربي ضيقة جدا؛ وهذا ليس نتاج ذاتي بقدر ما هو تراكم مكتسب بفعل إخضاع الشعوب العربية إلى التسلط بمختلف أشكاله، وإجهاض وعيها بغرض خلق مجتمع غبي يسهل العبث به والتحكم فيه، بينما نرى في مقابل ذلك أن العقلية التي يمتلكها من ينتمي إلى العالم المتقدم غير مقيدة ولها مجال واسع جدا من الحرية، لأنها تجد نفسها في وسط واعي مشجع للتغيير الإيجابي والابتكار، هذا هو الفارق بين بيئة حاضنة للنهوض والازدهار المطرد وبين بيئة يسودها العقم الفكري والجمود الإبداعي.

العقول العقيمة ترتوي من فكر سقيم، وهذا ما يجعلها تنزوي نحو فسطاط الباطل، وبهذا تصير رافضة لسماع صرير الحق

وفي ظل العتمة الفكرية التي تجتاح العالم العربي، ترتفع نسبة مصادفة أصحاب العقول العقيمة في الحياة اليومية، وبالخصوص العقول التي تم إدخالها ضمن قوالب فكرية معدة مسبقا، وهذا مما يبين أن عقم العقول ليس موروثا بل هو حاصل بفعل اضطراب في التفكير نتج عنه خلل في إنتاج الأفكار، وتتفاوت درجة هذا العقم تبعا لحدته وقوته.


ومن تمظهرات العقم الفكري في أوساط الشعوب العربية التي تكثر فيها العقليات التي تجيد الجدل الفكري الفارغ؛ بالدخول في سجالات لا قيمة لها، والتي تأخذ في غالبيتها طابعا شخصيا، كما نجد أن الرأي العام في هذه المجتمعات ينشغل بسفاسف الأمور عن النقاشات الحقيقة الكبرى، وفي الغالب الأمر يتم ربط معظم الوقائع الحاصلة في هذه المجتمعات بالمؤامرة الخارجية، بالإضافة إلى أن التدافع الفكري فيها يكون سطحيا لا أثر لنتائجه سوى إنتاج مزيد من الحقد والفرقة.


ولا بد من الإشارة إلى أن العقول العقيمة ترتوي من فكر سقيم، وهذا ما يجعلها تنزوي نحو فسطاط الباطل، وبهذا تصير رافضة لسماع صرير الحق، أي أن هذا النوع من العقول ينعدم في أصحابها الصدق والمصداقية، لأنها عقول رضعت الكذب والتدليس وتربت بين أحضانهما، وذلك ما جعلها تفرز أفكارا عقيمة، فالمفاهيم والتصورات في هذه العقول مغلوطة ومقلوبة، بسبب الاختلاط الحاصل فيها على مستوى المعايير المتبعة في الحكم على الأشياء، مما أفقد تلك العقول القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحقيقة والزيف.


ويحمل أصاحب الفكر العقيم الاعتقاد بصحة كل ما في عقولهم، وأن كل من يخالفهم ليس على صواب ولا يمتلك الحقيقة البتة، مما يعني أن لهم رؤية أحادية للأمور بحصرها في زاوية واحدة ومنظور واحد، فتجدهم يتشبثون برأيهم ولا يغيرونه مهما حدث أي أن هناك غياب لإمكانية الاقتناع عندهم، لكن في مقابل ذلك هناك محاولة دائمة لإقناع الآخرين بأفكارهم التي يضفون عليها طابع القداسة، وإن تجلت حقيقة أفكارهم، لا يتسارعون إلى الاعتراف بعدم مجانبتهم للصواب فيها، بل يلجؤون إلى تبرير ذلك بأشياء واهية.

لا بد من حدوث نهضة شاملة تغير عقلية الإنسان العربي، وتجعل منه إنسانا متنورا أكثر وعيا وإبداعا

مواقع التواصل
 

ورغم أن لكل عقل قدراته التي تختلف من شخص لآخر إلا أن العقول العقيمة بصفة خاصة تفتقد القدرة على إنتاج الأفكار الإبداعية، وتوليد الأفكار الجديدة، نظرا لكون اهتماماتها محدودة جدا، ولأن انشغالاتها لا ترقى لمستوى الأخذ بالجدية والحرص على تقديم الفائدة والنفع. ومما يدعوا للغرابة هو وجود مجموعة ممن يصنفون ضمن المثقفين أو النخبة ومع ذلك ينساقون وراء دوامة من الأفكار الفارغة، وما يزيد من هذه الغرابة هو تفاخرهم وتباهيهم بهذه الأفكار، ولكن الأشد غرابة من كل ذلك هو توفر بعض ممن يمتلكون هذه العقول على خصوبة فكرية عالية من دون فائدة؛ ولعل أفضل تشبيه لذلك هو اعتبار أصحاب تلك العقول كأنهم يتعاطون حبوب منع الحمل الفكري؛ لا لشيء إلا طلبا لرضى من بيدهم مصالحهم الشخصية وخوفا من أن ينالوا سخطـهم فينبذوا ويعزلوا، على الرغم من إدراكهم للأعراض الجانبية لتلك الحبوب التي يتناولونها. وليس بالأمر الهين تحرير العقول من أغلال الفكر العقيم سواء التي كانت نتيجة عوامل داخلية أو خارجية، فكلما ضعفت المناعة الفكرية والحصانة العقلية وبقيت على حالها العوامل الخارجية، إلا وتغلب العقم وازدادت صعوبة القضاء عليه لضعف في البنية الهيكلية الداخلية لهاته العقول.


ومن العيب أن نعيش في القرن الواحد والعشرين وما زال هناك من يعتبر العقم الفكري في العالم العربي قدر أبدي لا خلاص منه، وهذا مخالف لسنة التطور، فلا بد من حدوث نهضة شاملة تغير عقلية الإنسان العربي، وتجعل منه إنسانا متنورا أكثر وعيا وإبداعا. ومن أكبر ما يزيد من تجذر العقم في العقول هو الجهل بحقيقتها، الشيء الذي يعني أنه كلما أهملت هذه العقول إلا وصعب شفاؤها. والسؤال الذي سيظل قائما: إلى متى تتحرر العقول العربية من التفكير المتحجر والمتكلس والذي تراكمت عليه تداعيات الزمن وبات فكرا عقيما؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة